أقنعة
أقـنـعـة
جمانة حداد
أنا ضدّ الأقنعة في مفهومها المتداول، لأنها قد تجعل المرء شخصاً آخر، أو أشخاصاً آخرين. لكني شخصياً لستُ ضدّها لأنها تقرّبني من نفوسي، وأنا لا أريد أن أكون سوى نفوسي.
إذا كنتُ أضع هذه الأقنعة حيناً، وأنا أضعها مراراً، وأعيش فيها، فلأنها ليست أقنعة بوجوه كاذبة. هي وجوهي أنا بالذات، وليست أقنعة.
وإذا كان من أقنعة كاذبة، فلكي أفضحها جيداً، ولكي أعرّيها جيداً، ولكي أحطّمها جيداً، ولكي، خصوصاً، أحمي الصدق جيداً، وأكون أقرب ما أكون الى فجر مرايايَ.
ولكي إذا رأيتُ الى نفوسي، أعرف أن أقنعتي هي أنايَ الصافية، العارية، لا أيَّ أنا أخرى، ولا أيَّ شخص آخر.
أنا متعددة، صحيح، إلاّ أن الأقنعة لا تجعلني أخون نفوسي، وأتخلّى عنها، وأقيم في الضدّ منها، كما أنها لا تجعلني أغترب عنها، أو أن أصير عدوّي.
لا. لستُ عدوّة نفوسي. فالأقنعة أقنعتي، وهي أنايَ المتعددة، وهي توائمي، وأنا أمّها، شقيقاتها وبَناتُها.
قد يتراءى أن مسألة الأقنعة والنفوس هذه، يمكن أن تصل الى نقطةٍ هي الخطر بالذات. صحيح، لكنْ أيّ معنى للحياة، للحبّ، للكتابة، للفنون كلها، إذا لم تعثر على الخطر. في كل حال، هو الخطر الذي ينجّي لا الخطر الذي يدمّر. هو الخطر النقي لا الخطر "المعوكر". لأنه الخطر الصادق الذي يعرّي ويجعل فم صاحبه على فم النبع، لا الخطر الغشّاش الذي يراكم الشرّ والنفاق والتفاهة.
البرهان قويّ جداً جداً، ولا أريد برهاناً لنفوسي وأقنعتي. ذلك أن أقنعتي هي وجوهي ومرايايَ، وهي تقيم تحت الضوء، وفيه، وإن في ليلٍ معتم، وهي لا تغدر بي. الأقنعة مخلصة لي مثلما أنا مخلصة لنفوسي. هي الصدق المتخذ بيوتاً متعددة لإقامته، كلما أراد أن يولد من جديد، وأن ينمو، وأن ينخلق كما في النوم، على غرار مرآةٍ مصعوقة بأحلامٍ هائلة.
أقنعتي هي بيوتي، وبيوتي صديقة، تدخلها الشمس والقمر والهواء. ولا يحيا فيها سوى العري مشمَّساً بناره الكاوية.
في هذه البيوت أقيم، تحت هذه الأقنعة أرى، في هذه الوجوه والنفوس أعيش. وهي جميعها أنايَ. وهي واحدة.
كم يلزم من العري الصافي لكي يكون ذلك على غرار قلبٍ لا يعرف إلاّ أن يكون إياه. على غرار عينين، على غرار يدين، تنحنيان على هاوية... لتُنجِداها.
... إلا إذا - النهار