رسالة مفتوحة إلى نصف مجنون (1)
أتذكر يا حنا يوم كنت حلاقاً في دكان؟
حنا مينة - الحياة - 24/09/06
حين كنتَ، يا حنا، في العشرين من عمرك، كنتَ حلاقاً غير ملتزم، في دكان على باب ثكنة في مدينة اللاذقية، بابها من أخشاب عتيقة، لا تمنع ريحاً ولا تحجب ضوءاً. نعم! هذا ما كنتَه يا حنا، يوم كانت الحرب العالمية الثانية تتضرّى، وكنتَ تتساءل، كما غوركي: «يا نفس ماذا ستكونين، وماذا يخبئ لك الغد!؟».
لم يكن لديكَ سوى الشهادة الابتدائية، المنسية الآن في قاع البحر الأحمر، وقد حصلتَ عليها من المدرسة الرشدية في مدينة اسكندرونة، قبل الهجرة من اللواء، السليب نهائياً، وقد أضعتَ طفولتك في الشقاء، وشبابك في السياسة، سعياً وراء العدالة الاجتماعية، هذه التي تتحسر الآن عليها، لأنها لم تتحقق، لكنك غير يائس من تحقيقها، لأنها حلم البشرية أزلاً ابداً.
كنتَ، أيها المأفون، ترغب في تغيير العالم، ودون أن تعرفَ ما هي الكتابة، كتبتَ خربشات أسميتَها مسرحية، أنت بطلها، وفيها تغير العالم في ستة أيام، وفي اليوم السابع تستريح، وقد ضاعت هذه المسرحية، وأنت غير آسف عليها، لأنك لا تأسف على ما فات، وتتطلع ابداً الى ما هو آت!
الفقر نوعان: أبيض كالذي تعيشه الآن، وأسود كالذي عشتَه منذ وعيتَ الوجود، حين كنتَ عرياناً إلا من خروق تستر لحمك، وكنتَ حافياً، جائعاً، تبحث عن اللقمة، وفي سبيلها عملتَ أجيراً عند مؤجِّر درَّاجات، وأجيراً في صيدلية، وأجيراً مربياً للأطفال، وأجيراً عند حلاق، تعلمتَ لديه مبادئ المهنة، وحمالاً في المرفأ، وبحاراً، أو أجير بحَّار، على مركب شراعي، لمدة قصيرة، رأيت فيها الموت يحدِّق فيك، بعيون باردة، خلال العواصف، وما أشدها في الشتاء!
إنني أكرهكَ يا حنا مينة، وبسبب من هذا الكره، أرفض، إلا مرغماً، أن أرى وجهك في المرآة أو التلفاز، لكنك، في أرذل العمر، صرتَ مشهوراً، والشهرة جهنَّم، فماذا تفعل، وأنتَ عنيد، وعنُْدُك عندُ بغْل!؟ حسناً! ترفض الدعوات، لا تجيب على الرسائل، لا تتكلم على الأدب، لا تحضر الندوات الأدبية، لا طاقة لك على سماع المحاضرات، والخطابات السياسية خصوصاً، لا ترتاح إلى كلمة عطاء، تضحك من الذين يقولون علينا أن نعطي، يقشعر بدنك كله من كلمة رواية، تعاقب نفسك لأنك أول من تنبأ، عام 1982، بأن الرواية ستكون ديوان العرب، وعنك أخذها الآخرون ثم جحدوك، وهذا لا يهم طبعاً، لأن درب الرواية واسع، وفيه يسير جميع الكتَبة تقريباً، ومن هذا الكم سيكون النوع، وعندئذ تكون لنا الرواية العربية التي تخترق جدار الصوت، وهذا جيد جداً، وجيد أيضاً أن تكون هناك ظاهرة إيجابية، مفادها أنَّ الكثرة من الفتيات والسيدات يرغبن في الكتابة، وفي كتابة الرواية على العموم، وعليك، يا حنا، أنْ تعطي رأياً، أنْ تقدم ملاحظة، نصيحة، موعظة، أو، وهذا هو الأسوأ، أنْ تكتبَ مقدمة، وأنت تلعن النصائح، والمواعظ، والمقدمات، عائداً إلى العشرين من عمرك، يوم كنتَ حلاقاً، وفي بدايتك بالحلاقة، لم تكن الكتابة تخطر على بالك، وقد تعلمتها، من بعد، بكتابة الرسائل للجيران، والعرائض للحكومة، بغية إصلاح هذا الرصيف، أو تزفيت هذا الطريق، أو تأمين الرغيف وتحسينه، أو الدفاع عن المظلومين، والفقراء، والمعذبين في الأرض، وإسماع المسؤولين صوت الذين لا صوت لهم، متقبلاً إسفنجة الخل من أجلهم جميعاً!
لقد كنتَ، أيها الشقي، تُسَرُّ بالشَّقاء، والشيطان يعرف لماذا، كنت في العشرين، وأنت حلاق، خريج سجون بامتياز، أيام الانتداب الفرنسي، وزمن الإقطاع بعد الاستقلال، تسع مرات سجنت، في اللاذقية ودمشق، وفي السجون تعلمت بعض الأشياء، وفي المنافي، لأسباب قاهرة، اكتسبتَ بعض التجارب، وكنت تفرح، أيام الانتداب، وأنتَ تقود المظاهرات ضده، والرصاص من فوق رأسك، ومن على جانبيك، يئزُّ، دون أنْ يطالك، حتى نفد صبر الزبائن منك ومن حلاقتك، وجاءت الطامة الكبرى، عندما قبض رجال الأمن على مَن وُجدوا مِن زبائنك، فكان الإفلاس تاماً، وكان إغلاق دكان الحلاقة لا بد منه، والتشرد الطويل قد دقتَ ساعته، فودَّعتَ أمَّك العجوز، التي لم تعرف لأي سبب ترحل، فقد كانت تريدك أنْ تكون كاهناً أو شرطياً، ولا توسُّط بينهما، فلم تكن أنتَ لا هذا ولا ذاك، وبعد ذلك، أيام السجون والمنافي، تواضع حلمها فتمنَّتْ لو كنتَ راعياً، وأسفتْ لأنها أرسلتْك إلى المدرسة، بينما هي وأخواتُك البنات، كنَّ خادماتٍ في بيوت الناس، وقبل خروجكَ من اللاذقية، ودَّعتَ امرأة القبو، جارتَك، التي زوَّدتك بهذه النصيحة قائلة: «اسمَع يا حنَّا، الرجل لا تذلُّه إلا شهوته، فلا تدعْ شهوتَك، تذلُّك» وقد حفظتَ هذه الوصية، هذه الحكمة، وانتفعْتَ بها في مشوارك الطويل، مقيماً ومرتحلاً، وعندما صار التشرُّدُ مهنتَك، التي مارستَها وأنتَ تحمل صليبك على كتفيك، في أوروبا وفي الصين، قبضتَ على هذه الوصية، قبضَك على جمْرِ الغربة، ورمْحُ الحرَّاس، في الجلجلة، يُطعن في خاصرتكَ، فينُزُّ الدَّم، بينما هم على قميصك يقترعون!
وفي العشرين من عمرك، أنتَ البائس الذي ينافح عن البؤساء، غادرت اللاذقية إلى بيروت مرغماً، باحثاً عمن يتخذك أجيراً من الحلاقين، لكن بحثك، أيَّاماً طوالاً، لم يُجدِ، رفضوك وأنت تحمل قليلاً من الثياب، والأقلَّ الأقلّ من النقود، في الصرَّة التي على كتفك، فكرهتَ أميرةَ المدن، عاصمة لبنان «الأخضر حلو»، ووجدتَ نفسَك ضائعاً فيها، ولا يزال هذا الشعور، مُنْغرساً في تربة نفسك، يتمظهر كلما زرتها، فتفرَّ من هذا الإثم، معتذراً لشاعر «طفولة نهد» الذي تعده ظاهرة لن تتكرر، والذي قال إنَّ بيروت أميرة المدن في الشرق كله.
الحجر الذي رفضه البنَّاؤون سيصير، في ضربة حظ، رأس الزاوية، لكن ليس قبل أنْ يدفع الثمن غالياً، في بحثه عن الأمل، في اجتراحه لعبة صنع الأحلام حتى لا يسقط في العدم، ودمشق التي تقصدها، بعد أنْ خيَّبتْ رجاءَك بيروت، لم تكن أبيض يداً، ولا أندى كرماً، وقد طوَّفتَ، يا حنا، في شوارعها وأزقَّتِها، عساكَ تُحظى بمَن يقبلك أجيراً من الحلاقين، فلم تفزْ بما تنشد، فالحلاق الذي كنتَه، رفضه الحلاقون الذين كانوا، والسبب أنهم ليسوا بحاجة إلى أجَراء، لأنَّ لديهم الفائض منهم، ولأن شكلك الناحل، العليل بغير مرض، الأصفر الوجه من جوع، جعلهم ينفرون منك، وكان هذا، من حسن حظكَ هذه المرة!