هل من "احتمال"؟!
هل من "احتمال"؟!
حـنّـا نـور الحـاجّ
المكان: قرية عربيّة جليليّة
البناية: بناية المجلس المحلّيّ
الزمان: قبل أيّام
دخل إلى موظّف الجباية. في كفّه مئتان وخمسون من الشواقل. أبلغَ الموظّفَ برغبته في تسديد ثمن المياه. نفض الموظّفُ ابنُ بلده يديه، وقال: أنا خارج الموضوع. أنا أتلقّى النقود فقط. موظّف شركة الجباية الجديدة هو المسؤول عن تسديد الضرائب وأثمان المياه. هو يتّفق معك في ذلك. أنا غير مخوّل بترتيب مسائل الدفع والتسديد والتقسيط.
تَوجّهَ إلى موظّف شركة الجباية، فأخبره هذا بلغته العبريّة قائلاً: لا يمكنك أن تفعل ذلك!
- عجبًا! ولِمَ؟
- لأنّك لم تسدّد الآلاف الأربعة من الشواقل مقابل ضريبة المجلس في السنة الأخيرة.
- لكن لماذا ممنوع؟
- هكذا نعمل نحن في هذه الشركة.
- ما المنطق في ذلك؟
- منطق العمل.
- وما هو عملكم؟
- أنت تدري.
- أنا أدري. لكن يبدو أنّك أنت الذي لا تدري. عملكم هو الجباية، لا منع التسديد!
- ...
- ومعي مئتان وخمسون شاقلاً أتيتُ بها لأسدّد ثمن المياه. لماذا يُحظَر عليّ أن أدفع؟!
- ...
- المطلوب منّي أن أدفع مالاً. وها أنا أفعل ذلك. صحيح أنّي لم أدفع مقابل "خدمات" السلطة المحلّيّة في السنة الأخيرة (الأخيرة فقط -بخلاف سابقاتها)، لكن ما المنطق في عدم قبولكم بأن أدفع مقابل مياه الشرب والاغتسال والتنظيف؟!
- كما قلت لك. منطق العمل!
- منطق غير مقنع.
- لماذا؟!
- ممنوع أن أدفع، لأنّني لم أدفع!
- ...
- إلى اللقاء! (في سرّه، قال: إلى... لا لقاء!!)
*****
خرج من بناية المجلس. على درجاتها الأخيرة التقى صديقه:
- خير؟!
- أتيت لأسدّد ثمن الماء. قيل لي: ممنوع، إلاّ إن سدّدتَ كلّ دَينك.
- والنتيجة؟
- بدأ اقتناعي يزداد بأنّه لا كبير فرق بين بعض السُّلُطات والسَّلَطات.
- والسطلات!
- وأنت ما حكايتك؟
- عدت بالأمس من الخارج. أتيتُ لِـيُسدّد المجلسُ لي أنا ديونه. ألفا شاقل ثمن مشتريات من حانوتنا.
- وهل من احتمال؟
- لأنّ الوضع لا يُحتمل، لم يعد عندي احتمال!!
- وهل من أمل في أن يُفْضي عدم احتمال هذه الأوضاع إلى احتمال تغييرها؟
- ما أضيق العيش...!
- ... "لولا فسحة الأملِ". هذا يعني أنّك ما زلت حليف الأمل!
- بل قصدت القول: ما أضيق العيش لولا الفسحة. فسحتي في خارج البلاد!
*****
افترقا بعد دقائق من التلهّي بالكلام والعبث به، والتساؤلات تملأ رأس كلّ منهما:
هل يمكن حدوث مثل هذا في سلطة محلّيّة يهوديّة؟
هل كلّ الذنوب والأخطاء والخطايا ملقاة على الحكومات؟
وهل المواطنون خارج دائرة الاتّهام/ المسؤوليّة؟
هل يمكن أن يكون التغيير المنشود نحو الأفضل على مرمى حجر؟ (دعونا من الحجر!
ولتكن: على مرمى زهرة! على مرمى زهرة لم تُقطَف).
لا زالت الأسئلة تضجّ، ولا زال الوضع ساكنًا، واللسان ساكتًا...
(عبلّين) 2/8/2005