طواف حول الطائفيّـة وما حواليها...

حـنّـا نـور الحـاجّ قرأها 5
 

طواف حول الطائفيّـة وما حواليها...

حـنّـا نـور الحـاجّ

"كُـلّـهم"...!

"كلّ الناس طائفيّون"...

"كلّ الناس عائليّون"...

"كلّ الناس عنصريّون"...

بكلام كهذا يختزل لك الكثيرون، من معارفك ومن غيرهم، توصيفَهم للحالة المجتمعيّـة، مستغنين عن إضافة أيّ كلمة مستدرِكة أو متحفّظة أو محترِسة. هكذا إذًا: هذه طبيعة كلّ الناس؛ فكلّهم طائفيّون عائليّون عنصريّون! هكذا هم، حالة من الثبات، لا مجال لتغيّرهم ولا لتغييرهم!

ماذا أفهم؟...

ماذا عليّ أن أفهم ممّن يقول كلامًا على هذه الشاكلة؟ هل أفهم أنّ القائل ذاته فئويّ (طائفيّ؛ عائليّ؛ عنصريّ؛...)؟! يا لَصراحته الفائقة! أفئويٌّ ككلّ الناس هو، أم هو من غير الناس؟!

هل أفهم أنّني أنا كذلك فئويّ؟! وهل يعرف هو طويّتي أكثر ممّا أعرفها أنا؟! هل عليَّ في حالة كهذه أن أكلّمه من منطلق الإحساس بأنّي متّهَم؟! وهل هنالك طريقة لإقناعه بأنّه يظلمني في كلامه ذي الأحكام الجائرة؟! وهل هنالك حاجة إلى إقناعه بأنّ دمْغـَه إيّاي دمْـغٌ له هو -في واقع الحال؟!

من أين له هذه المقدرة "المتعمّقة" على اسْتِكْناه العقول واستجلاء خفايا النفوس وخبايا القلوب؟! كم من الناس عـرفَ وخَـبَـرَ هذا القائلُ؟! كم من البلاد يعرف هو؟! كم من الدول؟! كم من الشعوب؟! كم عصرًا عاشَ؟! كيف تسنّى له أن يصل إلى تامّ الاقتناع بأنّ لكلّ امرئ قناعًا يُخفي وراءه وجهًا آخَر قبيحًا، وأنّ الناس طُـرًّا مزيَّـفون مزيِّـفون؟! كم بحثًا في هذا الصدد أجرى هذا القائلُ؟! كم دراسةً؟! كم استطلاعًا؟! ومرّة أخرى: ما محيط دائرة معارفه وإدراكه ووعيه؟!

من غرائب ما فينا...

كما لا يخفى عن أحد، التساؤل الأخير الوارد في الفقرة السابقة ليس سؤالاً في الهندسة! لم نَحِـدْ عن موضوعنا...

من غرائب ما فينا أنّ معظمنا مقتنعون بأنّ الطائفيّـة (وغيرها من العلل المجتمعيّـة) ليست حالة سويّـة، بل هي حالة قاتلة ومَـعيبة، ونتمنّى زوالها، لكنّنا "نـُزاولها"! في هذا يكمن أحد المخاطر الجسيمة للطائفيّـة. نعرف ضرر الظاهرة، ونُبقي عليها، ونبقى لها أسرى وسائرين في جحيمها! أمّا الاتّهامات المتبادَلة بين الطوائف (الاتّهامات التي وَفْقَها تَدمغ كلُّ طائفـة أبناءَ غيرها بأنّ منسوب الطائفيّـة بينهم أعلى ممّا بين أبنائها هي)، فتلك اتّهامات لا تشكّل حلاًّ لمشكلة بالغة الخطورة كمشكلة الطائفيّـة. وهذا هو المهمّ: أنّها لا تحمل حلاًّ. مقاومةُ الطائفيّـة هي المَهَمّة المُهِمّة، لا تراشُقُ الاتّهامات التي تَدمغ بها كلُّ فئةٍ الأخرى بالطائفيّـة. أمّا أن يبرّر البعضُ طائفـيّـتَه بكَوْن الآخرين طائفيّين، فذاك من مُضحِكات المُبكيات. شيوع السرقة لا يحلّل لي اللصوصيّـة. رواج الانتهازيّـة لا يجعلها مساويةً للمبدئيّـة ولا متفوّقةً عليها. انتشار الكذب لا يجعله في منـزلة الصدق. شيوع الخطأ لا يحوّله إلى صواب. شيوع الرذيلـة لا يُحيلها إلى فضيلـة.

تغطية وتبرير

"كلّنا طائفيّون"... تلك ليست مجرّد مقولة. تلك تغطيةٌ للممارَسة الشخصيّـة للطائفيّـة واعتناقها، وتبريرٌ لها. توصيف أو اتّهام كهذا لا يختلف كثيرَ اختلاف عمّا يقوم به مَن يحاول تبرير خيانته الوطنيّـة ونذالته وعَمالته، بإثارة الشكوك حول وطنيّـة الوطنيّين الصادقين، ليقنعك بأنّنا "كلّنا في الهوا سوا؛ وما فيه حدا أحسن من حدا؛ وما فيه شيء إسمو وطنيّـة -هذا كلّو مجرّد مَظاهِر وحكي فاضي. والدنيا كلّها مصالح شخصيّة"، وغير ذلك من "دُرَر" التخاذل والجبن والتجنّي. لست أنسى ما كان يقال على مسمع منّي، هنا في بلدتي عبلّين، قبل سنين وسنين: "فلان اللي مفكّرينو وطني، وحياة اولادي أنا شفتو بعيني داخل على مركز الشرطة"! أو: ..."شفتو بعيني خارج من مركز الشرطة"! يا لَلدليل القاطع! دخول رجل وطنيّ إلى مركز الشرطة، أو خروجه منه، لا يمكن -في عُرْف ذاك القائـل /القاتـل- لا يمكن أن يكون مردُّهُ إلى استدعاء للتحقيق معه حول نشاطه السياسيّ "المتطرّف" أو "المُعادي" أو "القومجيّ"، أو إلى رغبته في تقديم شكوى إلى الشرطة في قضيّةٍ ما. دخوله غير السرّيّ من باب غير خفيّ إلى مركز الشرطة يُثْبت أنّه مُخبِر أو عميل! نِعْم الإثبات!

مِشْجَـب

توجيه الاتّهام بالطائفيّة يأتي، في بعض الأحيان، مِشْجَـبًا أو تبريرًا لإخفاق ذاتيّ أو تقصير ذاتيّ أو عجز ذاتيّ. يحضرني هنا ما يُلصقه بعض الطلبة بالمعلّمين والمعلّمات من اتّهامات بالطائفيّة، حين لا يحصلون على نتيجة طيّبة في امتحاناتهم، أو حين يصدر عن المعلّم كلامٌ أو سلوكٌ تجاههم ينطوي على بعض الحزم أو الظلم أو الشدّة أو القسوة. ويحضرني في هذا المقام ما جرى لي ولأحد طلبتي في "ثانويّة مار إلياس" في بلدتي عبـلّـين، قبل بضعة عشر عامًا...

"حكاية"

كان طالبًا متوسّطَ المقدرات، عديمَ النشاط، دائمَ الإهمال. على أوراق دفاتره وكتبه وامتحاناته كان يكتب الكثير من الشعارات الدينيّة السياسيّة الأصوليّة المنغلقة؛ وكنتُ أمتنع عن توجيه الملاحظات إليه بصددها، خشيةً منّي أن يتّهمني بما ليس فيَّ. وابتغاءَ المصارحة، لا بدّ أن أشير أنّ ذاك امتناعٌ ندمتُ عليه في ما بعد؛ إذ لا يجوز السكوت عمّا هو فئويّ رجعيّ مُشرذِم مفتِّت متطاوِل، وبخاصّة حين يكون الساكت ممّن يمارسون مهنة التدريس.

في الأسابيع الأخيرة من مرحلة الصفّ الثاني عشر، بعد أن ناولتُه دفترَ امتحانه المصحَّحَ (وكانت العلامة متدنّية لا تؤهّله للتقدّم إلى امتحان وزارة المعارف)، اشتدّ غضبه فانتفض ناهضًا عن كرسيّه متّجهًا نحو باب غرفة الصفّ. سألـتُه عن وجهته، فتابع سيره خارجًا من الغرفة، مُشِيحًا لي بيده بإشارةٍ مُفادها أنّه لا يرغب في الانصياع لطلبي منه ألاّ يغادر المكان. بعد أن صَفَقَ البابَ وراءه، تبعتُه على عجلٍ، كي أستفسر وأوضّح له الخطأ في ما بدرَ منه، وإذا بسورة غضبه تحتدّ، فيقول لي مشيرًا إلى دفتر امتحانه: "العلامة واطية، لأنّك عنصري؛ والمدرسة هذي كلّها عنصريّة"!

ذَيْل /إضافة

أذكر -في ما أذكر، ومن باب التمثيل- أنّه كان ضمن ذلك الامتحان سؤالان حول رواية نجيب محفوظ "الطريق"، خُصِّصت لهما عَشر درجات من العلامة الكلّيّة، أجاب عنهما ذاك الطالب بعبارات يَشتُمُ بها الكاتبَ متّهمًا إيّاه بالكفر والزندقة، داعيًا إلى إعدامه. لم يتطرّق إلى المطلوب في السؤالين، لا من بعيد ولا من قريب. السؤالان في وادٍ، والإجابتان في آخَرَ بعيدٍ. سامحه الله!

ذيل على ذيل...

كان والدُ ذلك الطالبِ المتّهِمِ يزور المدرسة أحيانًا، وبألمٍ بَـيِّنٍ وحرقة جليّة يشكو أمام بعض المسؤولين من حالة التزمّت الدينيّ التي اعترت ابنه في تلك الفترة، ويتمنّى -وهو تحت وطأة الإحساس بالعجز- لو يستطيع المعلّمون وسائر المسؤولين تخليص ابنه من تلك اللوثة التي جعلته أسيرَ العبوس والانغلاق والتعصّب. بيد أنّ ابنه أنهى تلك المرحلة في مدرستنا بفشل دراسيّ، وفشل آخر أكبر. كنت، حين يمرّ بي، أشعر بالغضب ومشتقّاته تملأ ملامحه ونظراته، إلى جانب أنّه لم يكن يطرح السلام. لم يكن من اليسير عليَّ أن أُقْنع هذا الفتى أنّ ما أتبنّاه أو أعتنقه من مبادئ باقتناع كامل، في مضمار الحياة الاجتماعيّة، منذ نعومة أظفاري، يشكّل حصانة لي حِيال كلّ مؤثّر تلويثيّ. أنهى تلك المرحلة، ولا أذكر أنّه حضر حفلة التخرّج التي أقيمت له ولزملائه؛ فالمدرسة "مدرسة عنصريّة"! هكذا ينظر هو إلى مدرسةٍ أكثرُ من نصف طلبتها لا ينتمون إلى ديانة أصحابها، وأكثر من نصف الباقين لا ينتمون إلى طائفة أصحابها.

بعد بضع سنوات، بينما كنت في إحدى قاعات الأفراح، فوجئتُ بطالبنا ذاك ذاته (وكان يعمل في تلك القاعة) يتوجّه إليّ بوجه تملأه ابتسامات الشفتين والعينين، ويُوجّهُ إليّ أحرّ التحيّات والسلامات، سائلاً عن أخباري وعن أخبار المدرسة، معبّرًا عن اشتياقه للجميع، وعن رغبته في زيارة المدرسة عمّا قريب. لم يتحدّث عن ذاك الموقف المؤسف الذي لستُ أنساه، ولم أنتظر منه هذا ولا توقّعته، لكنّي أحسستُ أنّه بلطفه الغامر وسلامِهِ الحارّ كان كمن يعبّر عن ندم وأسف.

بعد بضعة أشهر، كان هو نفسه في زيارة للمدرسة "العنصريّة". صافحني بحرارة كما في اللقاء السابق، وأخذ يسألني عن سائر الأساتذة ويصافح مَن يصادف منهم في الممرّ وفي غرفة المعلّمين بفرح طفح به وجهُه. كيف حصل ذاك؟! لن أشغل فكري. زال التزمّت، فحَلَّ السلام والوئام والتصالح مع الذات ومع الغير، ولم تعد المدرسة "عنصريّة"!

"تـَوازُن"!

حافلةٌ حياتنا بـِ "قصص" تُماثلُ ما رَويتُه حول تلميذنا القديم؛ ذاك الذي رماني بداءٍ كنت منذ تفتّح وعيي -ولا زلتُ- أخشى على شعبي منه، كخشيتي على نفسي من مرض خبيث: الطائفيّة. ومن باب التذكير بالواقع (لا من باب الحرص على عرض الأمور على نحوٍ "متوازن"!)، أشير إلى أنّه ليس من الخفيّ أنّه في حالتنا نحن هنا مع هذه "القصص" قد يكون التلميذ المتّهِم مسلمًا أو درزيًّا أو مسيحيًّا، وقد يكون الأستاذ "المتَّهَم" كذلك من هذه الطائفة أو تلك. بل قد يكون طالبك المتّهِم من أبناء الديانة التي تنتسب إليها أنت، فيلصق بك صفات التمييز والتحيّز والفئويّة (ليبرّر فشله -كما أسلفنا)، عازيًا ذلك إلى كونك من أبناء العائلة الفلانيّة، أو الحارة الفلانيّة، أو البلدة الفلانيّة. أعانك الله في تمالُك أعصابك!

الطائفيّة... الآن؟!

قد يسأل سائل: ما الذي يحدو بك إلى تناول موضوع الطائفيّة الآن الآن على وجه التحديد؟

والإجابةُ أسئلةٌ /تساؤلاتٌ: متى تريدني أن أتناول مثل هذا الموضوع؟! هل ثمّة "موعد" مثاليّ مناسب لذلك وآخر غير مناسب؟! هل أنتظر حتّى تشتعل نيران التخلّف الطائفيّ عاليًا، في بلدتي أو في غيرها، فيصبح من المناسب الحديث في شأنها، ويصير الكلام مُناشَدةً ونواحًا ولطمًا؟!

الطائفيّة ليست حالة غائبة عن مجتمعنا هنا (ولا عن هناك، ولا عن هنالك). لا بدّ من الإقرار بذلك في سبيل مواجهتها، فلا نزيّن ولا نزيّف (على غرار ما في الكلام المكرور المألوف: "طول عمرنا عايشين مع بعض مسلمين ومسيحيّين"!). لا تكفي الإشارة إلى مخاطر الطائفيّة. الطائفيّة لا تولَد لحظةَ تَحوُّلِها إلى عنف واعتداء. العنف يبدأ في داخل العقل (على حدّ تعبير أحدهم). والعقل الذي لا تنفتح نوافذه في وجه الشمس والهواء محكوم بالتعفّن وبالتحوّل إلى مَكْرَهة. حين تنغلق نوافذ العقل، تسود الظلمة، فتنعدم الرؤية والرأي والرؤيا، ويصبح أبناء الشعب الواحد المقهور المظلوم شظايا شعبٍ وأشلاءً لا تَواصُل بينها. حينذاك نصبح "لا شيء"! الطائفيّة، ككلّ تعصّب، عمًى هي. والعمى تعَـثُّـرٌ وسَـيْـرٌ في اتّجاه الهاوية (الهاوية -بالـهاء، مع جوازها بالـحاء!).

مَوْبَأة !

لا ينبغي لبيوتنا أن تكون مَوْبَأة! لا ينبغي للكبار من بيننا أن يظهروا -أمام أبناء الطوائف الأخرى- بمظهر مَن يُعادون الطائفيّة ويَدْعون إلى مكافحتها، وفي الآن ذاته يتفوّهون في بيوتهم أمام أبنائهم، في الأحاديث الشخصيّة، بكلام مجبول بالطائفيّة. بعض الكلام ليس مجرّد كلام. بعض الكلام قد يتحوّل إلى طاقة خـلاّقـة، وبعضه قد يتحوّل إلى طاقة هدّامة حَـرّاقـة! الكلمات قد تموت وقد تحيا؛ وقد تُحْيي وقد تُميت.

مُعاداة

معاداة الطائفيّة لا تعني أن تكون معاديًا لديانتك أو لأبناء ديانتك. معاداتك لهم انسلاخٌ عنهم. وحين تنسلخ عنهم، لن يكون في وسعك أن تقاوم الطائفيّة.

ومن باب أنّ "الشيء بالشيء يُذكَر"، لنلاحظْ كيف يقوم بعض المهزوزين المهزومين، من أبناء شعبنا هنا، بالسخرية من شعبهم -على مسمع من أبناء عمومتنا- إلى حدّ الشتم الفعليّ والتعيّب من الانتماء إلى العروبة، توهُّمًا منهم أنّهم بذلك يظهرون أمام اليهوديّ مسالمين أبرياء من العنصريّة، فيحظون باحترامه وثقته. كذلك الشأن مع الشبّان العرب الذين يعلّقون في أعناقهم النجمة ذات الرؤوس الستّة، لا من قبيل "الوطنيّة"، ولا من قبيل "العياقة"، بل تزلّفًا لليهوديّ ("السيّد") وَ/أو نكايةً بالعرب الوطنيّين. وفي هذا الصدد، يمكنني أن أقول جازمًا إنّ أمثال هؤلاء، في موازاة تنكّرهم لشعبهم، طائفيّون هُمْ. حين تنسلخ عن شعبك وتتنكّر لجذورك العميقة، تجد نفسك طائفيًّا فئويًّا -بطبيعة الحال.

مَهَمّة جسيمة

لا مناص من التذكير بالمَهامّ الجِسام المُلقاة على عاتق القوى السياسيّة الوطنيّة، وعلى عاتق المثقّفين، في هذا الشأن.

الوطنيّة خطٌّ نقيضٌ للطائفيّة. أظنّ هذا من بَدَهيّاتنا المعروفة. الوطنيّ والطائفيّ متماثلان، في ناحيةٍ ما: كلاهما يحبّ طائفته، لكن بنهجين على طرفَيْ نقيض. فالطائفيّ نهْجُه انغلاقٌ ومعاداةٌ لسائر طوائف شعبه، أمّا الوطنيّ، فيقوم نهجه على مدّ الجسور بين طائفته وأخواتها من طوائف شعبه، وعلى اعتقاد راسخ أنّ مصلحة طائفته من مصلحة شعبه. بل إنّ الوطنيّ يؤمن أنّ مصلحته الشخصيّة (هو وأبنائه وإخوانه وغيرهم) تقتضي أن يكون شعبه بخير وعافية وسلامة.

همسة غير خجولة

هنا لا بأس من توجيه همسة مُحِبّة غير خجولة إلى قوانا السياسيّة العربيّة الوطنيّة:

بما أنّ كلّ طائفيّ هو غير وطنيّ، وكلّ وطنيّ هو غير طائفيّ، وبما أنّ الوطنيّة هي خطاب وممارسة فعليّة معًا، فالمتوخَّى منكم أن تتعاملوا بأقصى حدّ من الحزم والصرامة مع كلّ ناشط سياسيّ من بينكم يمارس الطائفيّة، وبخاصّة إبّان فترات الانتخابات في الحديث الطائفيّ الهامس الذي يدور في بيوت المصوّتين. ناشِـطوكم هؤلاء (وبعض مرشَّحيكم)، الذين يعزفون على أوتار الطائفيّة، يزعزعون ثقة الناس بكم، وينفـّرونهم من السياسة بعامّة، بل يطمسون الفروق بينكم وبين غيركم من القوى البعيدة عن الوطنيّة أو تلك التي تدّعي الوطنيّة.

طمْس الفروق

طمْس الفروق لا يصبّ في مصلحتنا. لا بدّ من إبراز الفروق بين الأجسام السياسيّة الوطنيّة وغير الوطنيّة. ومن واجب مثقّفينا غير المنخرطين في العمل السياسيّ المباشر المنظَّم أن يُبرِزوا هذه الفروق أمام الناس. من واجبهم، وإن لم يكون حزبيّين، أن يدعموا الفكر الوطنيّ التقدّميّ المتنوّر (لأكثر من دافع؛ منها أنّ المثقّف يبغض النـزعات الفئويّة -والطائفيّة من بينها). من واجبهم مساندة القوى السياسيّة الوطنيّة وتقريب أفكارها إلى عامّة الناس. ليس من الإنصاف ولا من المعقول أن يضع المثقّف كلَّ اتّكاله على كواهل هذه القوى، ويعفي ذاته من مَهامّه المجتمَعيّة. وفي موازاة هذا الدعم المأمول منه للأطر الوطنيّة، يُنتظَر منه ألاّ يتخلّى عن دوره في نقد هذه الأطر حين تقتضي الحاجة ذلك؛ فالمثقّف حالة نقديّة. المثقّفون ضميرُ المجتمَعات ولسانُها الصادق. هل من شكّ في هذا؟!

من ناحية أخرى...

من ناحية أخرى، وفي المَصبّ عينه، على القوى هذه أن تتفهّم هذا الدور المهمّ الذي يُناط بالمثقّفين، وتتفهّم عدم رغبة بعضهم في التنظّم ضمن إطار سياسيّ. كذلك عليها أن تدرك يقينًا أنّ المثقّف الحقيقيّ لا يمكن أن يناصب أيَّ جسمٍ متنوّرٍ العِداءَ، ولا أن يرميه بالخيانة. عليها أن تدرك أنّ المثقّف قد يخدم القضيّة الوطنيّة وهو خارج التأطير السياسيّ على نحو أفضل ممّا لو عمل داخله.

زياد ورياض ولبنان

الساخر الكبير "زياد رحباني" علّمني الكثير. زياد هذا ملِكٌ في كثير من المضامير؛ منها مناهضته للطائفيّة في لبنان نظامًا وحياةً وتفكيرًا. لبنان المكوَّن من نحو عشرين طائفة، لبنان هذا الذي يُفترَض أن تكون كثرةُ عدد الطوائف فيه ميزةً أو من عوامل التنوّع المُثْري، وجد في هذه الكثرة مشكلة. "أبو عاصي" هذا لا يخشى الملامة ولا المنيّة، ولذا تراه ناقدًا بمقدار ما هو ناقم على كلّ ما لا يتّفق مع رُؤاه التنـوُّريّـة. زياد هذا علّمني أكثر ممّا علّمني غيره (من خلال إحدى عباراته الثاقبة في "العقل زينة")، علّمني أنّ تغيير المجتمع بأكمله ليس مَهمّة ممكنة، لكن ليس هذا هو المهمّ ولا الأهمّ ؛ المهمّ هو ألاّ يغيّرك المجتمعُ فتغدو أنت تقليديًّا كَسِواك!

رحم الله رئيس الوزراء اللبنانيّ المنتخَب الأوّل "رياض الصلح". كثيرًا ما أتذكّره وأقتبس قوله: "الذكاء هو أن تعرف كيف تختار أصدقاءك. أمّا العبقريّة، فهي أن تعرف كيف تختار أعداءك".

ليت ذكاءنا يستحيل عبقريّةً!

حَزيران 2007

عبلــّـين – الجلـيـل

hanna-j@hotmail.com

hajhanna@gmail.com