دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين (11): الفنان عاصم زكريا في رومنسية الحب المُقاوم
دمشق في عيون الفنانين التشكيليين السوريين
(11): الفنان عاصم زكريا في رومنسيةالحب المُقاوم
عبد الله أبو راشد
الفنان التشكيلي السوري عاصم زكريا، ينتمي بفنه إلى الرومانسية التعبيرية، غرّد وما زال في حيزَيْ تجلياته المكاني والجمالي، مستحضراً بعضاً من أوراق التاريخ، تلك المحفورة في ذاكرته ومساحة وجدانه ومُخيلته العامرة بأحاديث الأهل، ومعايشتهم للأحداث العابرة التي مرّت في سجل يومياته الشخصية، والراصدة لجماليات بلده سورية ومدينته دمشق التي أحبها على طريقته التعبيرية الخاصة، بما تحفل من حيوية وصف وتشخيص وتوليف لحركة الناس الطيبين. أدرجها الفنان مقامات بصرية حاشدة بالخطوط والملونات ومفاتن الرمز، مُكللة برومانسية مُشبعة بوهج الحرية والمقاومة والفن والجمال، مُكرسة روحية الانتماء لذاكرة وطن وشعب عربي سوري مُقاوم، ميدانه الواقع والخيال واللمسة الانفعالية المفتوحة على مشاهد البطولة والإيثار، وتسجيل صور من التضحية والبطولة والفداء على طريق الحرية والاستقلال.
الفنان زكريا من مواليد حي ساروجة بدمشق عام 1937، ساهم الفنان سعيد تحسين في كشف مواهبه في سن مبكرة أثناء دراسته الإعدادية، وساعده على بلورة شخصيته الفنية. وجد في كلية الحقوق بجامعة دمشق خطوة أكاديمية لا بد منها، بسبب عدم وجود أكاديمية خاصة بالفنون حينذاك، وتخرج عام 1961. استكمل دراسته الشخصية للفن في روما ولندن في أوقات زمنية متباعدة. وهو عضو في اتحادَيْ التشكيليين العرب والسوريين، وشارك في كثير من معارض الدولة الرسمية، وجمعية أصدقاء الفن.
كانت دمشق بجمالياتها المعروفة وأوابدها التاريخية الشهيرة، وغوطتها الغناء عرين مقاومة الاستعمار الفرنسي في لحظة زمنية عابرة، الموئل الطبيعي لنسج مقاماته البصرية العامرة بالثوار، لأنها صولجان محبته، وميدان موهبته المتسعة لقصص الأولين، والمتفجرة عبر لوحاته المُشبعة بأنفاس العشق الدمشقي، عشق من لون تشكيلي جديد، جامعة لأمجاد الفكرة ومدلول الجمال، تستوعب مكونات البيت الدمشقي العتيق، بعبقه الجمالي المتسع للماء والخضرة والوجه الحسن، وتحضن يوميات المقاومة الوطنية المشروعة ضد المُستعمر الفرنسي، وتطرِّز فوق سطوح لوحاته الواسعة معابر أسرار مشاهده، وذكرياته عن فصول المقاومة وحلقات التدريب وإدارة مفاعيل الصراع. تسرد حكاية الرجال المدججين بشرائط الذخائر وبأيديهم البنادق، سواء أكانوا جالسين في جماعة أم مُعتلين صهوات أحصنتهم، كدلالة رمزية على معركة هنا وموقعة هناك.
الطبيعة الدمشقية الخلوية المُجسدة في غوطة دمشق، هي المجال الحيوي الأكثر بروزاً في لوحاته المُخلدة ليوميات ماجدة في حياة الشعب السوري، وتتميَّز من بقية الرسوم واللوحات التقليدية المعنية بإبراز قيم الجمال النمطي، المُتجلية في مواضيع الشخوص والطبيعة الصامتة، كتسجيلية واقعية لأسواق مدينة دمشق وأحيائها المفتوحة على ياسمين دمشق.
مفاعيل الثورة السورية الكبرى في بداية القرن العشرين ضد الاستعمار الفرنسي، كانت بيت قصيده الفني، ومفاتيح دخوله إلى مساحة الوله الدمشقي عبِر بوابة الوطن والمواطنة، وتدوين مطالعاته البصرية المنقولة عن أحاديث الآباء، وأخرى عاش في طياتها طفلاً وشاهداً على عصر مُحمل بصور المقاومة. ذكريات وجماليات، رموز وصور تأخذ طريقها اليسير فوق قماش لوحاته في رومانسية مُتجددة، ولِمَ لا وهو سليل أسرة مجاهدة كان لها شرف مُقارعة الاستعمار الفرنسي في مواطن صمود متعددة.
لوحاته وثائق تاريخية وجمالية لمعالم مدينة عريقة بسكانها وأبنائها، وتحمل سمات مُباشرة عاكسة لواقع الحال اليومي المقاوم، موزعة ما بين مُسميات: ( ثوار غوطة دمشق، الفارس الدمشقي، على ضفاف وادي بردى، فارس المزرعة، حماة الديار، سباع البر، رجال الثورة السورية، ميسلون) وسواها، موحدة الرؤى الفكرية والمعالجة التقنية، والأساليب المتبعة في رسم معالم بنيتها التشكيلية، والدائرة في فلك الاتجاهات الرومنسية الممجدة للوطن والمعارك والبطولات الفردية والجماعية التي خاض غمارها المناضلون في الثورة السورية الكبرى.
عوالمه التشكيلية هي مزيج لثقافات متنوعة، مشمولة بأبعاد حضارية إنسانية الوقع والصدى، تُثير في عين المتلقي ومناطق وعيه مزيداً من الرضا والإعجاب. وتُعيد صوغ مدينة دمشق في حلة تشكيلية مُبتكرة، خارجة من عقال الجماليات المصمتة في مألوف وعينا البصري. تُفجر فينا الصور المختزنة، كشريط رؤى بصرية مُحكمة الفكرة والتقنية والإخراج، تبني لحمتها الدرامية وحبكتها الوصفية من الحركة الإيقاعية للشخوص المتناثرة في متن كل لوحة من لوحاته. تجعل لمتواليات الملونات الأساسية والمشتقة حالة سردية حافلة بالتداعيات، وأشبه بقصيدة شكلية تفتح ذراعيها لحراك وطن وثوار في لحظة اختيار فاصلة.
النور