الفنانة التشكيلية السورية ليلى طه، المُبحرة على الدوام في تجليات الأمكنة السورية وذاكرتها البصرية المشغولة بالجمال. ودمشق القديمة خصوصاً، التي تجد فيها ضالتها المنشودة لتسجيل مزق بصرية، لتجليات يومية حاشدة بيوميات مُستعارة من محيطها البيئي الدمشقي. ومُخيلتها العامرة بصور ومشاهد متوالدة من معمارية البيت الدمشقي في هندسته النمطية، وارفة المساحة والغرف والمفروشات، وطوابقه المشرعة للشمس، والمزهوة ببحيراتها المائية، ونوافيرها الرطبة التي تُضفي على الورود والأزهار والأشجار متعة بصرية مُضافة. الفنانة من مواليد بلدة الحفّة بمحافظة اللاذقية عام 1964، موهبتها المبكرة وظروف حياتها الشخصية مكنتها من صقل موهبتها عبر الدراسة في معهد إعداد المدرسين باللاذقية. وتخرجت عام 1996، لتبدأ رحلة الحياة مدرِّسة للفنون، ورسامة من خلال مشاركتها الدائمة منذ تخرجها بمعارض الدولة الرسمية، وإقامة مجموعة من المعارض الفردية داخل المحافظات السورية وفي البلاد العربية. وهي عضوة في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، وبيت التشكيليين بجدة السعودية، وأصدقاء دمشق للفنون، ومن أكثر الفنانات وجوداً في مساحة العروض الفنية وغزارة الإنتاج.
معرضها الفردي الحادي عشر في صالة المركز الثقافي العربي في أبو رمانة بدمشق ما بين 13 و 23 نيسان 2008،هو استكمال طبيعي في مسيرتها الفنية التي عزفت منها على البيوت السورية عموماً، ودمشق القديمة على وجه التحديد، مُكرسة أنماطاً شكلية لجماليات حاشدة بجميع مكونات الحياة السورية المتفائلة. وما اختيارها لعنوان معرضها المثير لدافعية المتلقي، وشهوته البصرية الذي يحمل اسم (عناصر البيت الدمشقي) إلا خطوة إضافية سارت على هديها منذ عدة سنوات.
تجد الفنانة في البيوت الدمشقية، وهندسة عمارتها أجوبة كافية لدهشتها، ملونة على سطوح اللوحات وقماش الخامة. تُعيد صياغة الأمكنة المرئية على طريقتها التقنية الخاصة. تستقوي بالتاريخ وشواهده المتناثرة داخل جدران الأحياء، المُكحلة بلمسات واضحة متناسلة من جعبة الفنون العربية الإسلامية، مأخوذة بالزخارف النباتية والحيوانية والهندسية على وجه التخصيص. تفتح سجل الشرفات والنوافذ والأزهار والكراسي، والمفروشات والسجاجيد التراثية، وأصص الورود على مصاريعها، تنسج علاقات مودة من طبيعة بصرية خاصة.
تجمع الفنانة العواطف بالأمكنة، من خلال توظيف فعال لمفرداتها التشكيلية التي تنثرها أنسام الهوى الدمشقي، ورمزية المشاعر وحساسيتها العارمة التي تسكن جوارحها. تجمع من خلال لوحاتها أشتات حلم وفكرة وقيم روحية وخيال واسع، متأملة عمق المدينة التاريخي، وجمال الصنعة في تقنيات مفتوحة على التنوع الشكلي، ومتناغمة مع مكونات الترابط والتجانس المنطقي ما بين الرموز والعناصر التي ولّدتها موهبتها المُعبرة عن ذاكرة المكان الدمشقية البصرية. في لوحات تضج بحركة الخطوط والملونات، وأشبه بقصص شكلية لمغناة دمشقية، خرجت للتو من مختبر الفنانة مصحوبة بصدق تفاعلها مع مكانها. لا نجد في لوحاتها وجوهاً وشخوصاً آدمية كما هي الحال في اللوحة الواقعية التسجيلية، بل هي متوارية داخل أروقة الجدران والنوافذ والعناصر المرصوفة في أسوار كل لوحة من لوحاتها. تورية بصرية بلاغية مقصودة، تجعل الحديث للطبيعة الصامتة التي تحمل حكايات الورود والأزهار مع أصحابها، والنوافذ المزخرفة المنتظرة أحبابها بعد غياب، والكراسي التي تتأهب لاستقبال عشاقها في ليلة دمشقية جامعة للعائلة والمُحبين.
البنية التقنية التي تتبعها الفنانة في رسم معالم لوحاتها الواقعية التسجيلية المشوبة بلمسات تعبيرية، تقوم على مجموعة متدرجة من الخطوات موزعة ما بين الرسم المباشر، والمُستحضر من صور ومشاهد عابرة في دورة الحياة. تخطها رسوم سريعة منتشرة على سطح اللوحة، كبناء أولي، ثم تبدأ عملية الرصف المُلون والتوازن الشكلي، والانتقاء والاختصار، وتمازج الملونات وصولاً إلى الفكرة المشتهاة. تدور ملوناتها في حلبة الملونات الرئيسة (الأحمر، الأصفر،الأزرق، الأبيض، الأسود) ومشتقاتها المتشعبة والمفتوحة على درجات متجانسة الإيقاع والبنية اللونية. تجعل من عناق الكتلة والفراغ، والأبعاد المنظورة داخل بنية التكوينات، والموزعة ما بين العناصر والمفردات الأساسية والمساحات الخلفية. معزوفة جمالية حافلة بخصوصية الوصف والتأليف التقني، ودلالة معنوية ورمزية موحية ومُعبرة على جذور العلاقة الحسيّة والجمالية ما بين الفنانة ابنة محافظة اللاذقية ومدينة دمشق.