قوس قزح
قوس قزح
قصة قصيرة
غريب عسقلاني
كيف حدث..؟
المخيم يغطس في سواد كثيف غطى على غيوم كانون الخصيب..
ألسنة النيران تنبثق من كل الأزقة والحواري والساحات..
من أشعل النيران..؟ متى..؟ وكيف..!؟
غيمة حبلى تمر على سماء المخيم, تبتسم رذاذا خفيفاً، ونسمة برد في ساعة أصيل, الأهازيج وصوت الأطفال يزقزق فوق هامات الموجودات: - بيعو.. بيعو..* كل المخيم خرج من البيوت, والرذاذ اللطيف يسح على الوجوه, تحْمرّ الوجنات, يعلو وهج الحناجر, وتستبشر النفوس يعمدها الغيث.. وأبو علي يمشي على ضفاف جورة أبو راشد, تنعكس ألسنة النيران على بقايا الماء المترسب في قاع الجورة.. يتفرس وجوه الأطفال, وأعواد البوص الخضراء الريانة, فيشتد وجيب القلب.. يرتفع منسوب الماء في الجورة, تغدو الجورة مسطحاً مائياً رحيباً.. تزرقُّ المياه وتصفو.. تغدو الجورة بحيرة حنون.. يبتسم الرجل ويشتاق لحرش البوص.. تخونه قدمه على الأرض الزلقة, ينفض جسده, يتمالك توازنه ويمشي.. يتنهد.. " كم كانت قفزاتكَ واسعة تلكَ الأيام, والأيام ما عادت تطاوعكَ على القفز..": - كيف أُصبت يا أبا علي. - حدث الاشتباك عند مركز التموين, انسحبنا باتجاه الجورة, وحوصرنا عند موتور الماء, حاول ضرغام تغطية الانسحاب من حرش البوص, كانوا أسرع, وكان عددهم كبيراً, وكان أول من وقع في الأسر السنداوي.. رفرف طفل مثل حسون يبحث عن أمه, وانطلق مثل سهم رغم الأرض الزلقة تحت قدميه الحافيتين, يشدو: - بيعو.. بيعو.. اتكأ أبو علي على صابونة ساقه, وشخص بعيداً, يتابع الدخان المتصاعد.. كانت جموع الناس حلقات نضيق وتتسع.. تتكاثف، تتلاقى عند مركز الدوران, تتناثر حول المحيط وفوهات الأزقة مركز الهياج والحركة.. الرصاص يفرقع, والهواء تحول إلى غاز مسيل للدموع.. سيارات البور العسكرية تمرق في كل اتجاه.. تطاردها دوامات الناس, تمطرها حجارة, تندفع بعيدا عنها, ثم سرعان ما تُضيق الخناق عليها.. شيء يسحبه, يطرحه أرضاً.. ينبطح, يلعلع الرصاص.. كانت صبية في عمر ابنته. رق صدره.. اعتذرت عن جذبه: - مش شايف الطخ يا أبي!؟ صَر عينيه التي رفت كثيراً, وراح يراقب الناس من بين أعواد البوص.. " كم من الليالي أمضاها هنا يرصد تحركات الدوريات حول الجورة, وكم من الأشياء قذفها من بين هذه الأعواد المخلصة الصائمة على أسراره.." غرس أصابعه في التربة الرخوة, قبض على عرق بوص عتيق, نبض الجذر في راحته, وسرت في بدنه موجة حنان عارمة.. - انتبهوا.. انتبهوا.. يفرض منع التجول.. ودارت سيارة الجيب حول موتور المياه, قالت الصبية: - الملعون ضابط المخيم لعلعت الزغاريد, وأمطرت الدنيا حجارة, وتدحرجت نحو السيارة إطارات مشتعلة.. كرة حمراء تطير في الهواء تسقط في السيارة, تعلو ألسنة اللهب, يقفز الضابط, ينبطح أرضاً. ويغطي المكان رصاصاً.. ارتجت الدنيا.. انتفضت الصبية, وتمايلت أعواد البوص، ما عادت راغبة في إخفاء مخلوق.. الوقت تغير.. صوت هادر: - سقط الشاب.. اندفعت الصبية,احتضنته, دفنت رأسه بين ثدييها, ابتسمت في وجهه, ونزت على خديها دمعتان، لونتا وجنتيها بحمرة اللهب, ونهنهت بصمت.. اندفع أبو علي, لم تخذله صابونة ساقه المنزوعة, حمل الشاب, وكان الشاب وسيماً.. خيط الدم يسيل من زاوية فمه, يتلوى على صدغه.. جسده ما زال دافئاً رغم المطر الذي زخ بغزارة.. نهضت الصبية وصدرها معفر بالدم.. الشمس تتوارى خلف غيوم كانون, بينما يتشكل قوس قزح في سماء المخيم يمتد من أقصاه إلى أقصاه..