صاحب العصر
عن صحيفة النهار
أحببنا نجيب محفوظ حتى الشغف، ليس من أجل تراثه بل من أجل إرثه، أو كليهما، الإنسان والكاتب. فالرواية التي أخذته إلى نوبل، وأخذت معه مصر والأدب العربي الحديث، هي عمل تصويري ممكن الامتلاك، أما الحقيقة غير القابلة للافتراض والخيال والريادة في الأسلوب، تلك الحقيقة كانت نجيب محفوظ نفسه، ذلك الصمود الخارق في وجه الرياء العربي العام، وتلك البساطة الشجاعة في عدم الانزلاق نحو لدن الحاكم، حتى وإن يكن ذلك الحاكم جمال عبد الناصر.
عندما يقال الكتابة مهمة والصحافة رسالة، فهذا كذب. هذا كلام يقوله عادة الكتّاب الذين لا مهمة لديهم والصحافيون الذين لا رسالة يعرفون. وهذا العالم، عالم الصحافيين والكتّاب الذي يسمى الآن تدنّياً "الاعلام"، هو مساحة مفتوحة مثل غابة، ومغلقة مثل غابة تنمو فيها البواسق والخضرة والألوان وتحز على كعوبها الجراذين الجهيضة. غابة فيها كتّاب الفكر والمشاعر والألم والحياة والوطن، وفيها كتاب الخيانة والصفقات والنمّ والشعور بأن الجهيض لا يستطيع أن يعلو فوق قامته. وعندما يحاول أن يستعيض عن ذلك بتعلية صوته يظل الصوت في المقام نفسه والمفتاح نفسه، لانه طالع من الصدر الضيق نفسه والضئيل النفس.
في هذه الغابة هناك كثيرون ممن نحب. وهناك الجراذين التي تعيش على حزِّ الكعوب، كما تعيش الطحالب على كعوب البواسق والمثمرات والحانيات والظليلات العملاقة والشامخات. أحببنا نجيب محفوظ كما نحب البلحة التي تثمر والصنوبرة التي تنسّم اأو تصنع العاصفة، والزيتونة أُم العاطيات التي لا تطلب شيئا. أحببنا فيه تواضع البنفسج الذي سأله بيرم التونسي في أجمل الشعر الشعبي "ليه يا بنفسج بتِفْرح، وانْتَ زهر حزين". وهذا العملاق البنفسجي ملأ حياتنا، عاماً بعد عام، بحكايات عن أحوالنا، عن أشخاصنا، عن طباعنا، عن كوامننا، عن طفولاتنا، عن قضايانا، عن حاراتنا وبسطائها وأهلها وشعرائها وألامها.
وفيما تحول الادب في العالم العربي نقابات ومخبرين عند السلطان، دخل نجيب محفوظ، وعلى صدره عروةٌ من بنفسجة، عالمه الحصين ورفض الخروج منه الى شيء، أو الى أحد. موظف بسيط و40 عاماً في مقهى الفيشاوي وكتبِ دوستويفسكي ومالرو وكامو. وتواريخ مصر. وعدد الصباح من "الاهرام" التي عندما بدأ ينشر فيها، كانت لا تزال في يد البورجوازية اللبنانية الخلاّقة، التي تسنَّى لها، بسبب من رحابة مصر وسعة النيل والصدفة التاريخية، أن تبدأ هي الصناعة الصحافية الحديثة منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين. احتضنت الملكية المهاجرين المتنوعي المعارف والمشارب والملامح من جرجي زيدان الى فاطمة اليوسف الى مي زيادة الى شبلي الشميل الى فيليكس فارس والى فقهاء مثل العلامة الرافعي الذي استعان به المصريون بكل بساطة ورفعة لشرح مذهبهم الرئيسي: المالكي.
ولكن عندما جاءت ثورة 23 يوليو لم يعد هناك مكان للغرباء بمن فيهم اللبنانيون الذين ذهبوا بالاجتهاد وعادوا من مصر بالترقي من آل الجميل وآل اده وآل سالم وآل تويني، أي جبران الجد الذي علمته مصر أن النجاح للمكدّين وليس للورثاء.
نجيب محفوظ كان المصري "الملكي". أ بالأحرى المصري الفرعوني: في بيت أبي منازل كثيرة. وقد أيَّد الثورة في البداية واحبها، ثم رآها تنحرف الى نفسها عن الإنسان وبسطاء مصر الذين جاءت منهم. فقد كان معظم وجوهها ومنظريها بسطاء من الصعيد. من عبد الناصر الى السادات الى محمد حسنين هيكل الذي لا أدري لأي سبب نام طويلاً على هذه الحقيقة الجميلة، في حين أبرزها رفيقه وصديقه أحمد بهاء الدين الذي مات مبكراً تاركاً لأصدقائه وصية طيبة واحدة: قريته في الصعيد، وأهلها وجدعانها ومدرستها الصغيرة. وعندما نذهب الى مصر كل خريف في ذكرى بهاء العاطرة والبسيطة يتلو ابنه زياد على الحضور ماذا حققت لجنة بهاء للقرية الصعيدية.
وفي إحدى هذه الجلسات السنوية دخلتُ القاعة في النادي الديبلوماسي وجلستُ في الصف الثالث أو الرابع. وبعد حين جاء متأخرا قليلا الدكتور أحمد ماهر وزير خارجية مصر، وجاء وجلس الى جانبي. وهمست معترضاً: تقدم! تقدم! ورد معترضاً: "ليه؟ في إيه؟ في حاجة؟" وقلتُ أيضاً في همس لئلا نعكّر كلام الخطيب المتحدث: "فيه إنك وزير خارجية مصر. ونحن في حاجة إليك في الصف الامامي". وضغط على كتفي بمعنى اسكت، وقال: "مش هوه بهاء في الصف الأمامي؟".
كان الشبه في الطباع غريباً بين نجيب محفوظ وأحمد بهاء الدين. كلاهما كان سيد التواضع والكبر وأميراً من أمراء البنفسج. ولم تكن هذه حال جميع الزملاء في مصر، كباراً، أو بالدرجات المتفاوتة. وكان الإنسان وحده شغف بهاء في العمل الصحافي. ولكن على عكس نجيب محفوظ الذي تقفّص مصر، فان كل عربي كان يشعر أنَّ بهاء مواطنه وابن القرية المجاورة، من لبنان الى اليمن. وذات مرة عاد بهاء من صنعاء. وكان من عادته أن يتصل أول وصوله، وهو أجمل ما يمكن ان يحدث لأي من رفاقه. وراح يحدث عن الفقر الذي رآه، وقال أنَّ على كل صحافي عربي أن يطالب شعبه وحكومته بعمل شيء من أجل اليمن. ومات بهاء قبل أن يسمع أنَّ اليمن منحتْ وساماً لبعض من ابتزَّها من الصحافيين والمخبرين وشارك فقراءها في الرغيف الذي لا يبلغون.
أحببنا نجيب محفوظ. قرن من الوداعة والجمال نبتَ وأثمرَ في مصر. طه حسين وشوقي والعقاد وأم كلثوم وسعد زغلول وفاتن حمامة وبيرم التونسي وسيد درويش وأحمد رامي ومحمد عبد الوهاب وأسمهان. لقد كانت حياتنا، في القرن العشرين، تُعاش على إيقاع مصر. هي تغنِّي ونحن نعشق. هي تخطبُ ونحن نصفِّق. هي تبكي على الشاشة مع صوت فاتن حمامة ونحن نبكي مع الحضور. هي تعلن بدء عصر النهضة ونحن نندفع في ركاب القافلة السائرة خلف الضوء ومنابع العلم. والغريب في ذلك القرن، القرن الماضي السحيق، أن توأم مصر الكبرى كان هذا البلد الصغير الذي لا نيل فيه ولا شوقي يغنيه "النيل نجاشي، اسم حليوه"! ومع ذلك كانت بيروت كبيرة المقلدين. منها خرج الأخطل الصغير أميرا جديداً على الشعراء يردد حزيناً يوم تنصيبه:
اليوم أصبحتُ لا شمسي ولا قمري مَن ذا يغنِّي على عودٍ بلا وتـر
ومنها خرج المُحاور الوحيد لطه حسين، ذلك اليساري الصادق رئيف خوري الذي ابتلغ ذروته يوم وقف على مسرح الأونيسكو يجادل الأعمى الذي كان أبصر العرب، نيل الثقافة والحضارة والتجديد. وهذه المدينة الصغيرة سوف تسبق القاهرة في عالم النشر حتى أيام الحرب، فيشكو مصطفى أمين في عموده الشهير: "يجب أن نفعل شيئا ما. لا يجوز أن نكون خلف تلك المدينة الصغيرة".
في القاهرة 16 مليون إنسان. لكن هذه المدينة الصغيرة المتوثبة، الحالمة، المزودة سحر المتوسط وآفاقه ورحابه، ظلت تتدافع بالكتف مع ملكة النيل. في عز صوت جمال عبد الناصر، كان لا يستريح إلا إذا سمع صدى صوته في بيروت. وفي القاهرة كان لكل مليون إنسان صحيفة، فيما كان لكل ألف لبناني صحيفة في بيروت، تُصارع العناصر من أجل البقاء. وكان يروي لي الراحل وفيق العجوز مدير مكتب "الميدل أيست" في القاهرة أن عبد الناصر كان يطلب صحف بيروت كل يوم. كل يوم. وذات مرة كتب غسان تويني افتتاحية على طريقته، يتساءل فيها ماذا يفعل عبد الناصر في افريقيا؟ فألقى عبد الناصر في اليوم التالي خطابا في الكونغو رد فيه على "أولئك الذين يتساءلون عما نفعل في افريقيا".
أحببنا نجيب محفوظ. واحببنا جميع العرب الذين جعلونا نحب عروبتنا. رموز التسامح والحرية والرقي والتقدم. لولا حسين هيكل والقليل الذي بدأ به في "زينب" لكان نجيب محفوظ رائد الرواية العربية. ليس لانه بلغ نوبل الآداب، ولكن لأنه حوَّل الرواية من عمل خطابي مفرط في اللفظيات والمساحيق المكدسة، الى فنٍّ أدبي حقيقي، ينبع من الناس ويقفز الى حداثة القرن العشرين، تاركًا مصطفى لطفي المنفلوطي ورفاقه يغصون في "العبرات" ودموعِ رومانسيةِ القرن السادس عشر. وظلَّ مقام الفن الروائي في مصر ما بين تاريخيات جرجي زيدان أوائل القرن و"فرعونيات" ومن ثم "مصريات" نجيب محفوظ مع بداية العلاقة بين الأدب المصري والحرية والعمل ضد الإستعمار على نحو شبه ملتزم. وقد كان لشوقي خلفٌ في إمارة الشعر ولكن لم يكن لنجيب محفوظ صنوٌ في الرواية. لا في مصر ولا خارجها. ومثل أحمد رامي وسيد درويش وأم كلثوم له مقلدون. بعض ذوي العطاء لا يتكررون. لا في سهولة ولا في صعوبة. كان صاحب العصر.