برج دبي المائل

سمير عطاالله قرأها 2,695
 

برج دبي المائل

سمير عطاالله

الذين بهرتهم أضواء الميلاد في "تايمس سكوير" حيث يتجمع الألوف في برد ما تحت الصفر، كان عليهم ان ينتظروا أضواء افتتاح "برج خليفة". الأولى في مانهاتن، مقر "الامباير ستايت" الثانية في دبي، موضع أعلى برج في العالم. وللذين قرأوا، أطفالاً، ان "الامباير ستايت"، هي أعلى ناطحة سحاب، بارتفاع 350 متراً، يدركون ما طرأ على مقاييس "غينيس" من تغيير، اذ يعرفون ان برج دبي يعلو 828 متراً عن سطح الأرض. اي الضعفين، وفوقه قامة برجية كاملة.

DubaiTower01.JPG

DubaiTower02.JPG

DubaiTower03.JPG

عن سطح اي ارض نتحدث؟ فأرض الأبراج هذه كانت، عندما عرفتُها، رملاً قاحلاً لا يغير رتابته سوى هبوب ريح عمياء، ثم لا يلبث ان يعود أديماً حارقاً ويأساً بلا أفق. لقد أرعبنا في لبنان الجراد لانه يقتلع الخضرة ويزرع القحط والجوع وبكاء الأطفال. اما هنا، في ما كان يعرف بـ"الامارات المتصالحة" فكان وصول الجراد موسم العز، اذا جاء بأسرابه الكاسرة، القاحطة، القاشطة، كثيفا مثل الغيم الأصفر، تأمن الأدام وصار سيد السفرة. هكذا تروي، في نبلها وريادتها النسائية، أديبة الكويت فاطمة حسين، عن خليج الخمسينات وما قبل.

كانت دبي أكبر الولايات السبع. دخلُها الوحيد من حركة التجارة الناعسة في الخور، الذي لم يكن يعلو مياهه سوى جسر واحد يربط بين المدينة، وما لا يزال يسمى الى الآن "بر دبي". وكان مطارها في الشارقة المجاورة، إمارة القواسم. وهو مطار اقامه البريطانيون في اي حال، لانهم أقاموا، في الشارقة ايضا، مركز مكافحة الجراد، خوف ان يعبر الى أرض التاج في الهند. لم يكن ثمة شيء في دبي. والى زمن طويل.

جعل الشيخ زايد المكتوم ديوانه في قلعة تطل على الخور، ومن هناك أدار، حتى يومه الأخير، بدايات الرحلة نحو آفاق التغيير والتطوير. والقلعة الآن متحف أثري، بعدما حوّل محمد بن راشد الخور "بندقيةً" أخرى، بكامل المظاهر، غندولات وموسيقى وبحارة بلباس القرن السابع عشر، ولم يعد ينقص سوى ان يصل اللورد بايرون، بعربته المطهمة، وجان – جاك روسو، في عربة سيدة تصدقت عليه بمشوار الطريق.

أرادت دبي الحديثة ان تكون كل شيء في وقت واحد: اورلاندو، مانهاتن، البندقية، و"السيتي"، او سوق المال في لندن. ونجحت الى حد بعيد. وغالباً الى درجة لا تصدق.

كنت اشاهد صعود دبي عاماً بعد عام، ثم صارت الوتيرة شهراً بعد شهر. وما لبثت ان نبتت، في هذه الفلاة الجرداء منذ الدهر، المباني، والجامعات، والفنادق، والأبراج، وملاعب الغولف، ومراكز التزحلق على الجليد! ولم يعد في الإمكان متابعة النمو المدوّخ. ثم بدا كأن العالم كله يريد الانتقال الى دبي. الصحف والتلفزيونات والإذاعات وكبرى شركات التكنولوجيا. وصارت صحف الإمارة تصدر في حجم صحف نيويورك، بسبب حجم الإعلانات وارتفاع الاستهلاك وتوسع الطفرة العمرانية.
عندما وقعت الأزمة العالمية، التي كادت تهدد النظام الرأسمالي برمته، لم يكن ممكناً الا أن ينعكس ذلك على مركز مالي وتجاري في حجم دبي. فقد كانت عشرات المليارات قد انتقلت الى هناك. ولم يكن ممكناً ان تهوي مقرات البنوك في نيويورك ولندن وفرانكفورت من غير ان تتأثر فروعُها على الخور.

لا بد ان تميل الأبراج قليلاً. لذلك بدا برج دبي، في أضوائه الطاغية، مثل برج بيزا، الذي يميل ولا يسقط. لكن برج بيزا وبرج ايفل وبرج "سيرز روباك" في شيكاغو، وبرج التلفزيون في تورونتو، صارت كلها محاولات هندسية من الماضي. لم يُصغّرها "برج خليفة" وحدها، بل الأقسى انه صغَّر خصوصاً جميع ناطحات دبي من حوله. وصغّر جدا ذكريات المدينة. فيوم عرفتُها كان فندق "الواحة" يعلو أربع طبقات. وكان أحدث فندق وأعلى مبنى.

لم تكن دبي مجرد تجربة عمرانية وتجارية فحسب. فقد كانت، بمجملها، واحدة من التجارب البشرية الكبرى، التي وضعت إمارة صغيرة على أضواء الأطلس العالمي. أرض قاحلة، بلا أي ثروات طبيعية، وشعب قليل، طالع من القلة. لذلك بدا كل شيء تحدياً للعناصر. ولا أعتقد ان اي مخيلة كانت تتوقع ان تنتقل دبي من القفار الى العمار، على هذا النحو، والى هذا المدى.

التجربة كانت دليلاً على ما يمكن ان يفعله العقل البشري، اذا توافرت الرؤية والإرادة. واصطفّ تحدي دبي الى جانب النماذج الإبداعية الأخرى، مثل معجزة لي كوان يو في سنغافورة، ومقدرة مهاتير محمد في ماليزيا. وكانت الاثنتان سابقاً من بلاد الملايو، أرض المستنقعات والتماسيح والأوبئة، فاذا سنغافورة تصبح خلال ثلاثين عاماً، علامة النجاح الكوني في القرن العشرين.

أليس مذهلاً ومثيراً، في هذا التاريخ البشري، ان يكون دنغ شياو بينغ، خليفة ماو، قد طلب مساعدة زعيم دولة في حجم سنغافورة، في نقل تجربته الى بلد المليار بشري؟ عندما نعرف الآن، ان بنغ كان يذهب بنفسه سراً للقاء لي كوان يو وطلب مشورته، نعرف، مذهولين، ان التحول الصيني، الذي قد يصبح أهم حدث في التاريخ منذ قيام روما وسقوطها، كان من عمل رجلَين ماركسيَّين، أحدهما كان زعيم أكبر حزب شيوعي، والثاني كان من أوائل وغلاة الماركسيين في بلاد الملايو.

علّمت "الثورة الثقافية" في الصين، التي أودت بمليوني إنسان أكثريتهم من كبار الحزبيين، علّمت دنغ، الذي بدأ حياته دهاناً في باريس، أيامَ كان فيها ايضا ثريٌّ يدعى شو ان لاي، انه من أجل ان تنجح الإشتراكية وان تبقى، يجب ان يعاد اليها قلبها. واما لي كوان يو، فقد كانت تجربته شبيهة بتجربة نهرو: تعلّم في اوكسفورد كيف يحارب الاستعمار البريطاني وكيف ينقل الى دلهي ميزات النظام الديموقراطي. ويجب ان نتذكر دائماً، في هذا الباب، ان الجنرال غياب، الذي هزم الفرنسيين في الهند الصينية (ثم الاميركيين في فييتنام) تعلم الفنون العسكرية من قراءة نابليون، وهو استاذ في ليسيه هانوي.

قامت جميع التجارب الناجحة على الفكر والمشاعر الإنسانية. لم يبق من هولاكو سوى مراعي الإبل في سهوب آسيا الوسطى. ولم يبق من موسوليني سوى الندوب التي تركها في بلاده وخارجها.

بعد التحرر من الاستعمار، وقع بعض العالم الثالث في قبضة الجهل والفساد والسرقة، سرقة رزق الفقراء والمعدمين، ووقع البعض الآخر تحت برج الكرامة البشرية والحرية. كان ذلك هو الفارق، بين تجربة الهند و"حزب المؤتمر" وتجربة باكستان، والعسكريين المتعاملين مع واشنطن والراكضين خلف أحلافها. وعندما قدر لباكستان استقلاليٌّ مثل ذو الفقار علي بوتو، سارع الضابط ضياء الحق الى إعدامه، لا ضياء ولا حق. ظلام وظلم. ومجرد التباس في الأسماء.

في دبي التقت عائلات القتيلين، جاءت بنازير بوتو، تبحث عن الهدوء والأمن، وجاء إبنا ضياء الحق يبحثان عن المال. ومن دبي ظلت بنازير بوتو تتصل بجماعتها، قاطع البحر في كراتشي، تمثِّل بمنديلها الأبيض وثقافة اوكسفورد، شيئاً من أمل للبلد المعرض للتفكك، وظل إبنا ضياء الحق على اتصال بدعاة القرون الوسطى.. او ما قبلها بقليل.

دبي نفسها، وقفت على الحياد. لا سياسة هناك ولا قتل.

وعندما قتلت المغنية سوزان تميم بالوحشية التي قتلت بها، لم يسلم محمد بن راشد القضية الى الأمن، بل حمل نفسه وذهب الى القاهرة ليضع المسألة امام الرئيس المصري، لا مسافة للغفلة هنا.

قد يميل البرج لكنه لا يسقط.