عن فن العِمَارة الغربية ...!

يونس عاشور قرأها 1,814

عن فن العِمَارة الغربية ...! 

يبنونَ مساكنهمْ بأنساقٍ متّسِقة من حيث العرض والارتفاع والبعد الطولي الأفقي لا تجد مسكناً أو بناءً يرتفع عن الآخر إلا بشكلٍ جمالي، يشيّدونها، يخططونها، يصمّمونها بأساليب إنشائية مختلفة وبألوان جمالية ذات طابع سيميائي خلاّب وجذاب بحيث يأسر نظر المارة إليه من حيث مستوى الإتقان والجودة والإبداع في العمل البنائي الهندسي والطراز المعماري التشكيلي الفني الفسيفسائي، وإذا دقّقت النظر في ذلك المعمار استهوتك شكلانيته وأخذتك الى عالمها التقني الساحر بمزيد من الإعجاب والاستهواء وخلق حالة من الشعور الوجداني الروحي المليء بالأمنيات والتطلعات ان لم تكن في لحظة ما خيالات يتمناها الانسان كما لو كان يحيا في كنفها أو يتملّكها ضمن مستويات العيش الراقي وكأنها سرُّ الأسرار وقدسُ الأقداس التي يطمح إليها البشر باقتنائها والعيش في كنفها للاستمتاع الوجودي للحياة والاستشعار بالمناظر الفنية التي تُمظهِر المكان لتجعل منه مكاناً أنيقاً وراقياً من حيث التنظيم والترتيب المعماري المتناسق والمتداخل بأجزاء بعضه البعض، ومجمل هذا النظام والأسلوب متواجد بكثرة في البلدان المتقدمة التي وصلت الى ما وصلت اليه من علم وحضارة وثقافة في اكتساب مثل هذه الأمور فهم مهتّمون في كيفية التشييد والتخطيط للمباني والمنشآت المختلفة بكيفية تقنية ولو أُتيحت الفرصة او سنحت لك في يوما من الايام بأن تذهبَ الى هناك لترى بأم عينيك مستوى النظام والترتيب والتنسيق الحياتي لديهم لاستهواك نظامهم وأعجبك تفكيرهم ومستوى علمهم ومعرفتهم في كيفية الاهتمام بهذه النواحي، ولعل بعضاً ممّن ذهبوا الى البلدان الغربية أدرك واقع حرص تلك المجتمعات في المثابرة نحو إحراز أرقى مفاهيم الحياة.

وذا اردت الحديث عن مستوى هندسة الطرقات عندهم أخذتك الحيرة والدهشة من حيث مستوى الرصف الخالي من عدم وجود أية تشققات إسمنتية أو أسفلتية في الشوارع والملاحظ ان المطبّات الاصطناعية صُمّمت وهُنِدست بتناغم انسيابي مع سير السيارات بحيث لا يُحدث تأثيراً بالغاً على هيكل السيارات، ولو وجدت تشققات او مطبّات فهي الى حد ما بسيطة لا  تكاد تذكر لأن مسألة الصيانة والترميم حاضرة بمتابعة واستمرار من قبل المختصين.  

الجسور التي أنشأُوها وعمّروها في غاية الدقة والمتانة فهي متماسكة من حيث الحجوم والفراغات والتداخلات الهندسية المتشابكة مع بعضها البعض والمتباعدة مع انسجام بعد المسافات في خطٍ متواز بحيث لا ترى إنشاءً اعتباطيا ليس له مدلول او مفهوم بل ان مستوى توزيع المسارات والطرقات يصب في غاية الهدف لكي يصل بصاحبه الى هدفه وفي أقصر وقت وبغير تكلّف ولا هدر للوقت بل كسباً للوقت وكما هو معروف فإن وقتهم هناك ثمين يحرصون عليه فهو في نظرهم ثالث الأثافي في تقديم الأمم وتأخيرها لذا تراهم يعملون ليل نهار في كيفية اختصار المعاني التي لا تشغل وقتهم وتأخذ من اعمارهم الا القليل فإن جلّ اعمارهم يفنونها في الأعمال والأشغال التي لا تعرف الكلل لكي يجعلوا من أوطانهم عنواناً للتقدم والرقي الذي يقاسون به عند المجتمعات الأخرى.

ولو انتقلنا بالحديث الى جانب آخر لا يقل اهمية ايضاً عن الجانب المعماري وهو الاهتمام بموضوع "النظافة" فليس لديهم قمامات مبعثرة هنا وهناك أو أوساخ ملقاة في الطرقات العامة وحتى ان وجدت فهي قليلة جداً، بل السائد حو هذا المنحى هو النظام والتنظيم لبراميل النفايات، في مدينة مثل برشلونه احدى المدن الاقتصادية الكبرى في اسبانيا ترى هناك مظاهرَ النظافة في الطرقات وبين الأحياء والمرافق العامة حيث سُخّر عامل النظافة لراحة الانسان وخدمته، وهذا ما حثّ عليه ديننا الحنيف بأن نولي اهتماماً بالغا لمثل هذه القضايا الحياتية فعدم الاهتمام بهذا المنحى يجلب الأوساخ والقاذورات وبالتالي الامراض لا سمح الله التي تكون هدراً للاقتصاد العام لأي دولة ما.

من أساليب الرقي التي عرفناها عنهم هو التعامل الأخلاقي السلوكي فيما بينهم فالاحترام هو العنوان الذي يتعاملون بموجبه مع بعضهم البعض فالترحيب وعبارات الشكر والتبجيل والتقدير هي حاضرة بينهم ومع غيرهم من السواح الذين يقصدون بلدانهم وهذا انما يدل على مستوى وعيهم الحضاري والانساني في فهم واستيعات مقومات الحياة.

الحديث عن الجانب العملي والاداري لديهم منظم ايضاً ومن المناسب ان نتحدث ولو بالشيء القليل عنه لأنه يشكل المنعطف الهام في تطور الامم ورقيها الى الامام وبدونه يكون التأخر والتراجع عن إحراز الإنجازات والمكاسب الحضارية الكبرى لدى أي أمة من الامم.

الجانب العملي والاداري ايضاً مستوعب لديهم بحيث يحرصون على اوقات الدوام باكراً ويستشعرون بالمتعة عند الذهاب الى الاعمال فهو مأواهم الثاني بعد مسكنهم ان لم يكن مأواهم الأول لأن مراكز الأعمال هناك عندهم بعضها توفر مقومات الحياة الشخصية ولعله كما اخبرت من احد الزملاء بأن شركة محرك البحث (Google) تحرص على توفير كامل الحرية لموظفيها في كيفية إتاحة إنجاز الأعمال الادارية والمكتبية بشكل ينسجم مع اهداف الشركة ودخلها المالي ولا يكون هناك أي تأثير على وضعها الاقتصادي بل بالعكس ان التحفيز نحو توفير المرونة في الأعمال هو الذي يجعل من الموظف فاعلاً وعاملاً ومنتجاً يحقق الربح والانتاجية للشركة مما يكون له الأثر الايجابي على الوضع الاقتصادي للشركة ايضاً.

إلى غير ذلك من الجوانب المهمة الأخرى كالجانب التعليمي الذي هو الاساس عندهم في احراز مثل هذه المكاسب الحضارية.

نتمنى الوصول يوماً ما الى بعض هذه المكاسب والانجازات فالقراءة المثمرة والفعالة في ميادين الحياة هي التي تخلق واقعاً جديداً وعالماً مليئاً بالاكتشاف للأفكار الخلاقة التي تنبثق من جوهر العلاقة بين الذات والواقع أو بيننا وبين الآخر بالدخول من زوايا مختلفة وتوظيف مناهج واساليب جديدة تتيح لنا سبر الأغوار عبر الفهم الممكن والمنتج للأسرار الكامنة والخفايا الباطنة من علم ومعرفة في ميادين الحياة.

ليس ما تقدم ذكره من كلام حول إبداع الحضارة الغربية او غيرها هو نفي أو إجحاف لما حققته العمارة الاسلامية كما قد يتبادر الى الإذهان وانما هو عكس ذلك  فقد كان للعمارة الاسلامية وجهها الناصع واللامع فيما يخص أشكال النقش وأعمال الزخرفة من تزويقات جمالية إلى رسومات إبداعية وهندسية في ميادين الفن بمجمله، ولكن هذه الامور توقفت في فترة من الفترات لأسباب قد تكون سياسية او اقتصادية او غيرها ولم يكن طريقها متواصلاً نحو استمرارية الابداع في الاختراع البنائي الهندسي وما هو مأمول معاودة الاستمرار نحو استحضار فن العمارة الاسلامية بمزيد من التفعيل والتوظيف في ميادين الفن حتى نستطيع قطع المسافة الابداعية التي تفصل بيننا وبين سائر الامم الاخرى.

وفي هذا السياق  يمكن لنا استعراض إحدى التجارب الفذّة فيما يخص  دولة عربية رائدة في هذا المضمار وهي دولة "الامارات العربية المتحدة"، التي قطعت أشواطاً عديدة وكبيرة للسعي في تحقيق مكاسب وإنجازات حضارية عملاقة على جميع الأصعدة وخاصةً في مجال التشييد والتطوير للبناء المعماري فهي اليوم تعتبر بحق من الدول العالمية النموذجية يقصدها الكثير من السواح ومن أرجاء مختلف دول العالم بسبب التنظيم للمشاريع البنائية الخلاقة والعملاقة التي تتميز بجودة المعمار الحضاري الذي يكمن في ايجاد سلسلة ضخمة من الخدمات الراقية التي توفرها هذه الدولة.

لتكن من جميع بلدان العالم العربي انطلاقة حقيقية حثيثة لتحقيق هذا الجانب المهم والسعي لتطوير واستحداثه من جديد وذلك من أجل رفع وتحسين مستوى الدخل والاقتصاد الذي يعود على المواطن العربي بالخير والنفع من خلال إحداث مشاريع حضارية جديدة.