محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجية* (10/10)
الحاجة إلى الحكمة في اتخاذ القرار.
بعد فرارهم من ذلك البُسْتَان، اتّجَهُوا بقاربهم نحو جزيرةٍ تُدعى جزيرة المرجان، وبالفعل وصلوا إلى هناك وأركنوا قاربهم على ضفافها وبدأوا يسيرون مشياً على الأقدام بحثاً عن ملجأٍ آمنٍ لهم لأخذ قِسْطٍ من الراحةِ ومن ثمّة مواصلة سيرهم وسفرهم نحو مكان آخر وقد كانت رِحْلَتهم هاته محفوفةً بالمخاطر ومليئة بالمغامرات والمجازفات التي واجهوها أثناء ترحالهم وانتقالهم من مكانٍ لآخر.
لقد أبصر صاحبُنا شيئاً غريباً على بُعد مسافة، فقال لأصحابه أثناء سيرهم: ماذا هناك؟!!
فقال أبو دولامة كأنّه كَهْفْ!
لقد اقتربوا جَميعهم إلى ذلك المكان وإذا بحريقٍ هائلٍ يخرج من فوهاته، فلاذوا بالفرارِ خَوفاً على أنفسهم.!
هنا قال لهم صاحبنا: توقفا ولا تتراجعا كثيراً لربما يهدأ هذا الحريق أو ينتهي..!!
فقالا أبو دولامة والشيخ المسنّ لصاحبنا ما تقول..؟!!
صاحبُنا: أقول لكم دعونا نقترب من هذا المكان.! فَضَحِكَا من قولهِ وتَهَكّمَا عليه وقالا له: هل جَنَنْتَ يا هذا؟ إنّ الحريق هنالك هائل ولو اقتربنا منُه لأحرقنا وأهلكنا وفقدنا حياتنا وكنّا في حسبانِ الحاسبين والمنسيّين.!
وبينما هم يتحدّثُون ويتجادلون فيما بينهم وإذا بالحريق يضمحلّ فتعجّبوا.!
قال صاحبُنا: ألم أقل لكم إنّ الحريق لربما يهدأ أو ينتهي؟
فأثّرَ صاحبنا في نفوسهما عجبا من تكهنّاته وتنبؤاته لمثل هذا الحدث.!
لقد اقتربوا جَمِعيهم في نهاية المطاف إلى مدخل الكهف.!
فقالَ صاحبُنا لهم دعونا ندخل هذا المكان.!
أبو دولامة والشيخ المسن توقف لا داعي للدخول.!
صاحبنا: أريد منكما أن تكونا لديكما رغبةً في الاطلاع والإقدام نحو مجهولات الحياة.!
تعجّب أبو دولامة والشيخ المسن من حديثِ صاحبنا لهم.!
صاحبنا: الإنسان في هذه الحياة يجب أن يكونَ مِقداماً ومُغامراً يتخطى الحدود والأبعاد والرؤى والمسافات حتى يصل إلى نتائج تساعده على سبر الأغوار ومعرفة الأسرار والجرأة على كيفية اتخاذ القرار لكنّ ذلك لا يَمنع أن تكونَ هنالك حِكْمَةُ وصواب في اتخاذ القرار المصاب الذي يراه الانسان مُناسِبَاً بحيث تكون قراراته وسياساته مَبْنِيّةً على أسسٍ حسابيةٍ ومنطقيةٍ لا اعتباطية أو غوغائية تنتهي بهِ إلى التخبط والهلاك ومن ثمة الضياع نحو المجهول.!
فقال أبو دولامة والشيخ المسن لصاحبنا: صحيح إنّ الإنسان يجب أن تكون لديه جرأة لكن ليس في كل الأوقات فُهنالكَ ظرف قد لا ينسجم مع جرأة تكون بمثابةِ الضياعِ والهلاك.
صاحبنُا: قلت لكما يجب على الإنسان أن ينتهجَ منهجَ الحكمة والصواب في اتخاذ القرار عبرَ التأنّي والتطلّع إلى دراسة أبعاد المجهول بما يناسبه لكي لا يقع فريسةً وضحيةً للتهوّر الذي قد يرمي بهِ في أمواجِ البحرِ الآليِ العميق.
إنّ التأني في اتخاذِ القراراتِ لهو أمرٌ مُهم بالنسبةِ للإنسان، فالتهوّر بمعناه العام هو نتيجة حتمية لعدم وجود القدرة على الصبرِ والتأني والحلم والموضوعية والحكمة في التعامل مع مقتضيات الأمور. كما أنّه أيضاً نتيجة للنزعة التسلطية والاستبدادية المُطلقة في الرأي والرؤية والخوف من الرأي الآخر. وتكمن مشكلته في أنّ نتائجه وعواقبه لا يقتصر ضررها على صاحبه فقط بل يمس الجميع وهو ما يدفع بالمتضررين منه للتّصدي له ولصاحبه من منطلق الإحساس بالمسؤولية والحق المشروع في الدفاع عن الذات أولاً وعن الصالح العام الذي يهدّده التهوّر ثانياً؛ وبالتالي تصبح العلاقة متوتّرة والأجواء الإدارية مشحونة وقابلة للانفجار في كل الأوقات.
نعود إلى قضيّة صاحبنا فيما يخصّ هذا الاستطراد المختصر عن خطر التهور وأثره السلبي على حياة الفرد والمجتمع.
صاحبنا: لم أكن أتعلّم في هذه الحياة لو لم أكن مُغامراً ومجازفاً نحو المجهول بتوظيف عامل الحكمة والتريّث والتصويب العقلاني نحو مختلف القضايا والتحديات وذلك من شأنه أن يُكْسِبَ الإنسان معرفة وخبرة وتجربة عملية فذّة.
لقد كنت كثير الأسفار وحبّ التنقل والاطلاع والرغبة في اكتساب اكبر قدر ممكن من المعارف والانتفاع بالتجارب المختلفة حتى استطيع أن أستفيد واجعل الآخرين يستفيدون أيضاً من هذه التجارب التي أعمل بها لأجلهم ولمصلحتهم.!
غاية ما في الأمر "والقول لصاحبنا" إنني اقترح عليكم الدخول في هذا المكان "الكهف" ولكن بتأنٍّ وحذر.!
أبو دولامة والشيخ المسن: القول قولك يا صاحبُنا ونحن بدورنا سائرون على خطاك وأنت قائدنا وما تقوله على السمع والطاعة.!
فقال صاحبُنا لهم: أنا لا أريد إكراهكم على أمرٍ انتم له كارهين، أريد منكما أن تخيّروا أنفسكم بقبول هذه الفكرة التي طرحتها عليكم أو لا، بعلم ويقين يعود في نهاية المطاف إلى رأيكم وتكونون في حلٍّ من أمركم هذا.
لا بأس موافقون تقدّم أنت ونحن معك إن شاء الله.!
لقد تقدّم صاحبُنا نحو الكهف ومعه أبو دولامة والشيخ المسنّ وإذا برياح باردة تهبّ عليهم من داخل الكهف وقطرات ماء من كل مكان وهدوء في الداخل لا يسمعون هنالك إلا أصداء قطرات المياه وأخذ الثلاثة يُتابعون مشيهم حتى قطعوا مسافة وإذا بطيورٍ هيئتها غريبة متوحّشة الهيئة قد أبصرت بهم من بعيد، في بادئ الأمر لم تلتفت تلك الطيور إليهم لأنّ صاحبنا وأبا دولامة والشيخ المسن كانوا يختبئون وراء الصخور والأحجار داخل الكهف لكنهم عند ظهورهم بين تلك الأحجار تجلت هيئتهم للطيور المتوحشة.
لقد حاول جميعهم الهرب والعودة إلى شاطئ البحر للنجاة من مشكلتهم التي ألّمت بهم وقد عاب أبو دولامة والشيخ المسن على صاحبنا فيما بعد حول ما اقترحه عليهم من لجوءٍ الى مغامراتٍ هم في غنىً عنها.
قال لهم صاحبُنا : تريّثا لدي فكرة؟
قالوا له وما هي فكرتك هذه المرّة يا صاحبنا؟
صاحبُنا: لنلقي حصاة باتجاه ذلك العمود حتى نغيّر وجهة الطيور المتوحشة إلى وجهة أخرى.
بالفعل ألقى جميعهم الحصىّ نحو أحد الأعمدة البعيدة هناك وهم يرتجفون خشية من الطيور المفترسة وبالفعل نجحت فكرتهم وهربوا باتجاه احد المخارج المؤديّة إلى أعلى الكهف فلاذوا بالفرار لكي لا يبصر بهم احد من الوحوش.
لقد استطاع صاحبنا هذه المرة استنباط فكرة جديدة وهم في أحلك الظروف من فزع وخوف قد ألمّ بهم لكنّ الإنسان في تلك المواقف الحرِجة يحتاج إلى علم وبصيرة وثبات وصبر ورشاد وقوة نفاذ في التصرف حتى يستطيع إنقاد نفسه من أهوال قد تعترضه في معترك الحياة..!
بالفعل كان الوضع طبيعياً عندّما خرجوا جميعهم نحو شاطئ البحر إلى أن وصلوا إلى قاربهم فقرروا الرحيل نحو مكان آخر علّهم يتنفّسُونَ الصعداء هذه المرة...!
*
*إلى هنا انتهى الفصل الأول من "محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجية" وسنحاول إنشاء الله استكمال ما تبقّى من حلقات ووقفات في الفصل الثاني من سرد هذه السيرة المضيئة في حياة صاحبنا والتي تلامس موضوعاتها واقع قضايانا الراهنة والمعاصرة.