محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجية (7/10)
دور التوجيه والتفقيه في تحولات الفكر!
حينما وافق أهل مدينة الصمت مقترح طرح صاحبِنا عليهم فيما يخص تطبيق مفهوم منهج الشورى في حياتهم ومدى أثره وتأثيره على واقعهم ونهوضهم وتقدمهم كمجتمع له تطلّعات، كانت لمثلِ هذهِ القيم مفاعيل تصحيح وتنقيح لأخطاء كثيرة كانت جاثِمةً في عقولهم وقتذاك، وبالفعل طُبّقَتْ مفاهيم الشورى في واقعهم الحياتي فيما بعد بسبب النصائح والتوجيهات والنتائج والتوضيحات العقلانية التي طُرِحَتْ عليهم من قبل صاحبِنا.
كان أهل مدينة الصمت قبل مجيء صاحبنا جاثِمِين على معيارٍ مُعَيّن من الفكرِ والتفكير حيثُ كانوا لا يقبلون التطوير والتغيير، لقد لازمتهم هذه الوضعية لفترات زمنيَة طويلة ممّا جَعَلَ البعض منهم أن يسأم هذا المنهاج ويتحوّل نحو المفهوم والمعنى للمضمون بسبب مجيء صاحبنا لهم والعمل على إخراجهم من قوقعة الفكر المحدود إلى نقد وفكر رحب لا محدود يتّسِعُ لتطوير مجالات الفكر وأدواته ومن ثمّة تحديثهِ وتجديدهِ من الداخلِ على جميعِ المستويات والمعطيات.
حينما استقرّ المقام بصاحبنا في مدينةِ الصمت أخد يُلقي خطاباته ومحاضراته وتوجيهاته وكلماته بالدليل والبرهان والحجّةِ والبيان والقول الفصل بالتبيان النافد لعامّة الجمهور فكان من آثار ذلك إخراجهم من الظلمات إلى النور وتفقيههم بالمسائل التي تخصّ واقعهم الاجتماعي والسياسي ومن الثمار التي عَمِلَ عليها صاحبنا أيضا أنْ طرحَ قِيمَةً مفهوميةً جديدة وهو "موضوع الشورى" كما أسلفنا شرحه في الحلقة السابقة.
وبعدما أمضى صاحبُنا سنواتٍ طويلة في تلك المدينة فكّر بالسفرِ والخروجِ منها إلى مكانٍ آخر كما هو هدفه ووظيفته المبنيّة على ممارسة دور التوجيه والتفقيه والإرشاد وإفادة الناس بالموضوعات النافعة لشؤون حياتهم وقد كانت لتلك الممارسات آثار ونتائج أعطت مفاعيلها ومدلولاتها على الصعيد الفكر وتحولاته والعمل التقني وممكناته الناجعة مما كان لها تأثيراً في استحثاث رغبات الناس حول تدارس مقولات وأفكار صاحبنا العقلانية مع بعضهم البعض وهذا ما دفع الكثير بهم إلى أن يتدارسوا كتبه الفكرية التي تركها لهم وهم يَتَمَنّونَ لو انه كان قد بقي معهم لسنوات طوال لأنه بالنسبة لهم مرجع فكري يُستفاد منه على صعيد الإنتاج الثقافي والفكري المتّسم بالعطاء اللامحدود.
لقد توجّه صاحبُنا فيما بعد نحو خارج المدينة وذلك من أجل الحصول على قِسطاً من الراحة، بعيداً عن الضوضاء والصخّب والتحديّات التي تُحِيطُ بالإنسانِ أينما كانْ!
بدأ الحزن يخيّم على أهل مدينة الصمت عندما وَصَلَهُمْ نبأ سفره ومغادرته مما كان ذلك عامِلاً في إحباط نفوسهم لأنهم قد عقدوا عليهِ آمالاً وتطلعات إنسانية وقيميّة لإرساء مفاهيم فكرية حداثية تتمثل في إقامة العدل والقانون بين الناس، ولم يكن في حسبانهم بأنّهم سَيُفَاجَؤون بنبأ خروجه في يومٍ من الأيام.
إنّ مثل هذه الشخصيات العلميّة الفذّة الفريدة هي التي تكون مُربيةً ومعلّمةً للأجيال وهذا ما جعل الكثير من أبناء مدينة الصمت ينجذبون إلى صاحبنا ويغدقون عليه الهدايا والأشياء الثمينة إلا أنّ صاحبنا كان دائماً يقول لهم لا تكلّفوا أنفسكم فأنا اكتفي بالقدر القليل من أشياء هذه الدنيا.
لقد استطاع صاحبُنا بحكمته أن يصوغ منهجاً تربوياً في شؤون حياتهم اليومية الذي كان يتمثل في حضوره معهم اجتماعياً وفكرياً واقتصادياً وسياسياً على مدى السنوات التي أمضاها معهم.
قرر صاحبُنا أخيراً المسير خارج حدود مدينة الصمت وأثناء سَيْرَهُ في الطريقِ رأى من بعيد غابة خضراء فقرر الذهاب إليها ليَمْكُثَ هناك لِبُرْهَة من الزمنِ من أجل اكتسابِ الراحةِ والهدوء ومن ثمّة استكمال مسيرته العملية خاصّةً وأنّ صاحبنا كان له مشروعٌ هامٌّ في حياته وهو التبليغ والإرشاد والإدلاء بالنصيحة بمنهج علمي ومعرفي يستند على منطقٍ وحكمةٍ في القول والفعل.
عندما وصل إلى الغابة رأى هنالك كوخاً متواضعاً يقطنُ بداخلهِ شيخ مُسِن، في بادئ الأمر لم يكن صاحبُنا يتوقّع بأنّ ثمّة أحد ما يقطن هذا المكان! اقترب شيئاً فشيئاً ونادى بصوته هل من أحدٍ ما هنا؟!!..
سَمِعَ صوتاً خافتاً يقول نعم نعم يا هذا ...!!
من المتكلّم؟!
فقال صاحبُنا: السلام عليك يا صاحب الدار.
الشيخ المسن: وعليكم السلام يا بني تفضّل إلى الداخل.
فقال صاحبنا للشيخ المسنّ ما لجلوسك هنا أيها الشيخ الكبير؟!
فقال له هذا مسكني المتواضِع عَمِلْته بنفسي منذ زمن بعيد حتى أُقيم فيه وابتعدت عن ضوضاء هذا العالم الصاخب..!
فتعجّب صاحبُنا وقالَ لهُ: ما اسمك يا هذا وما ذا تفعل هنا لوحدك؟ ألا تخاف الذئاب المفترسة؟
الشيخ المسن: أسمي عبدالله، الذئاب المفترسة يا هذا أصبحت أليفة بالنسبة لي! لكنّ الخوف كل الخوف ليس منها بقدر ما هو من أناس قد تركتهم وابتعدت عنهم خوفاً من افتراسي لأنهم أخطر شيء يهدّد حياة الإنسان!
صاحبُنا: ومن تقصد بالناس المفترسين؟!
الشيخ المسن: المفترسون هم أولئك الذين لا همَّ لهم سوى أنفسهم ومصالحهم التي تقتضي بمحاربة الآخر، وأنا أحد أولئك الضحايا الذين ابتعدوا وهربوا من مدينتهم بسبب التهديد الوعيد!
صاحبُنا: إذن أينَ أهلك أيها الشيخ الكبير؟!
الشيخ المسن: لقد قُتِلوا جميعهم بسبب الحروب الأهلية التي تسبب بها الأعداء والطامعين إلا أنني والحمد لله نجوتُ بنفسي إلى مأوىً آخر وهربت منهم بمفردي للجوء في هذا المكان.!
صاحبُنا: هل من احد ما يقوم بخدمتك لإعداد الطعام والشراب هنا؟!
الشيخ المسن: ها ها ها أنني يا بني لا أتكلّف في كل هذا فالشيء المتاح لي هنا هذا البئر الذي تتغذّى منه الأشجار فأنا أستقي منه حاجتي، وأما الطعام فهو كثير هنا فالثمر يتساقط بين فينة وأخرى على هذا الكوخ مما يتيح لي الاستفادة منه خاصة وأنني لا استطيع الحركة كثيراً بسبب تقدمي في السن!
صاحبُنا: الحمد لله هذا شيء طيب أن تقتات قوتك بنفسك من هذا المكان.
الشيخ المسن: إنها مشيئة الله.
فكّر صاحبُنا في وضعِ هذا الشيخ المسنّ وتعجّب من كيفية أُسلوب حياته لكنّه بدأ يسترسل في الحديث معه حول موضوعات عدة وما أثار الدهشة لدى صاحبنا هو ذكاء وحذاقة هذا الشيخ المسن رغم كبر سنه... هذا ما سنحاول التطرق إليه والحديث عنه في الحلقة القادمة....