محطات وضاءات قيمية في سرد سيرة نموذجية. (9/10)
أهمية الخبرة والتجربة في صقل شخصية الإنسان.
تَحَدّثْنَا في الحلقةِ السابقةِ عن أهميةِ الاستفادة من تجاربِ كبار السنْ وإنّهم يُشَكًّلوُنَ قاعدةً محوريةً في كيفيةِ فنون اكتساب المعارف والتجارب والخبرات أو القدرة على التعاطي في تفكيك المناهج والحوادِث والمتغيرّات الفكريّة المتشابِكَة والمُتَدَاخِلة في فهمهم للأحداث الزمنيّة المتباعِدة ينطلقُ ذلكَ من روحِ الاشتغالِ على خوضِ كافةِ المشكلات وإيجاد حلٍّ لها على أكثر من صعيد حيث أنّ قطع المَسَافَة الزمنيّة التي تَتَضَمّنُ مُخْتَلَفَ الأعمال الفكريّة والعمليّة التي يمرُّ بها كبار السن أثناء مسيرتهم الحياتية، هي في الحقيقة منهجيّة علائقيّة بين الحدث والفكر أو بين التّجْرُبة وإعمال العقل من أجل تطبيقه على الواقع المراد كشفه وتمييزه أو فحصه وتركيبه بما يتوافق مع مُتَطَابِقَات وتَحُوّلات الحياة الزمنية التي يُعاصرها الإنسان في حياته وهذا المفهوم هو ملحوظ لديهم أي "كبار السن" بأنّهم دائِمَاً ما يتعاطونَ مع قضايا الفكر بأنّهاُ جَوْهَرٌ يُمْكِنُ فَهْمُهُ والاستفادة مِنْهُ أو مع الخبرة باعتبارها مَنْهَجاً قابلاً للتحويل والتبديل أو مع التّجْرُبَة المُكتسبة من خلالِ التطبيق والتفعيل وهكذا... الخ.
يُقدّم اليوم أغلب الآباء والأجداد كثيراً من التجارب مخطوطةً وأخرى مطبوعة على شكل كرّاسات وخطاطات ودراسات تتضمن سِيَراً ومَعَارِفَ وصُوَرًا ومناهجَ توثيقيّة لِما يُمْكِن تَسْمِيَته في عصرنا الحالي "بالمذكّرات" التي تعرضُ سِيَرَ أعلامِ الُنبَلاء وغيرهم من أهل ذوي الخبرة والمعرفة والعلم فَهُمُ الذين يسطّرون ملامح سِيَرِهِم بسيَرٍ نُمُوذَجِيّة وفكريّة يُستفادُ منها للأجيال السابقة واللاحقة التي تقوم بصقل شخصياتهم وتنمية ميولهم وإثراء معارفهم من خلال اكتساب التجارب والخبرات النموذجية، ولعلّ هذه السيرة التي نحن بصددها عن سرد سيرة حياة "صاحبنا" ينطبق عليها هذا القول كما نقرأه في سيرة الشيخ المسن وأبي دولامه حيث تَضَمّنَت كلتا السيرتين العطِرَتين تجاربَ فذّة أيضًا يُستفاد منها على صعيدِ الفكرِ والمعرفةِ في تطبيقها وتفعيلِها على الواقع الحياتي المعاش.
ننتقل إلى سيرة الرجل الجديد/ المكنّى بأبي دولامة الذي وفد على الشيخ المسن وصاحبنا في الغابة حيث أن صاحبنا قد عَرَضَ على هذا الأخير بأن يكون مخيّراً في مرافقتهم واللحاق بهم بعدما تعرّفوا عليه ونشأت بينهم أواصر أخويّة وطيدة يعود ذلك إلى استئناس أبي دولامة معهم وميله لهم لما كانا يتحلّا به من خُلُقٍ رفيع وعلمٍ نافع مستنير.
لقد تَمَحْور حديث صاحبنا هذه المرة عن كيفية الخروج والرحيل إلى مكانٍ آخر لمواصلة طريق النُصْح والإرشاد والتبليغ وممارسة دور التفقيه الصحيح المبني على أسس فلسفات العقل المتمثلة في (مبادئ الأخلاق وتوضيح ماهية الحقوق والواجبات وإرساء مفاهيم العدل والقانون والمقتضيات الرئيسة لحاجات الإنسان... الخ).
إنّ كل معنى من هذه المفردات الآنفة الذكر يَتَضَمّنُ شروحات فلسفية وأبحاث فقيهة تنطلق من التعمُّق المعرفي والاستنباط الفقهي في ماهية البحث العلمي المحض لتوظيف مفاهيمَ تُمَكّن الإنسان من اكتساب معارف وعلوم جديدة لو طُبّقت مفاهيمها في عصرنا الحالي لما كانَ للفوضى الخّلاّقة وجودٌ مستشرٍ بين الأمم والمجتمعات أو بين الهيئات والجمعيات العالمية المختلفة في التوجه والفكر ولكان مفهوم السلام هو المفهوم الحقيقي الماثل للعيان أمام الإنسان.
إن تطبيق مفهوم مبادئ الأخلاق كما تطرقنا إليه في الحلقات السابقة هو شكل من أشكال الوعي الإنساني المُتَمَثل في مجموعةٍ من القيمِ والسلوك تُحَرّك الشعور نحو الاندفاع لاستيعاب فن التعامل والتعايش مع الآخرين على أساسِ العقل السوي السليِم الذي تتم تغديته بمسائل التربية والتعليِم.
لقد وصل الثّلاثة إلى بستانٍ كبير يتَوسّطهُ منزل غريب كالقصر في هيئته وبنائه، عندما توقّفوا عِنْدَ مدخل البستان تعجّبوا من مساحته الشاسعة وحدائقه الغناء وجماله الرائع مُتَعَجِبِيِن ومُنْدَهِشِين، أخذوا ينظرون إلى مداخله ومخارجه علّهم يجدوا أحدًا هناك إلاّ أنّهم لم يَعثرُوا على أحد. لقد واصلوا سيرهم باتجاه ذلك المنزل الغريب الواقع في وسط البستان وأثناء اقترابهم منه سمِعوا منادياً يناديهم "من أنتم؟!" فتعجبّوا وراحوا يفتَّشُون عن مصدرِ الصوت فلم يجدوا له أثرا فانتابهم خوفٌ ورعبٌ وفزع.. لكنّهم أصرّوا وواصلوا سيرَهم نحو ذلك المنزل حتى اقتربوا منه وبدأوا ينظرون إليهِ ويفكرون فيما يكتنفه من غموض. وفي الأثناء سقطت عليهم ورقة من فوق إحدى الأشجار الشاهقة فنظروا إليها وأخذوا يقرؤون ما بداخلها.
لقد وجدوا بداخلها وعيداً وتهديداً مكتوباً لهم بأنّهم "إذا لم تغادروا هذا المكان أو تفكّروا الإقدام في الدخول إلى هذا المنزل فإنّه سُيُقْضَى عليكم وتنتهي حياتكم".. فخافَ جميعهم من هذا المرسول وأخذوا بالفرار من البستان باتجاه شاطئ البحر لكي ينجوا بأنفسهم من ذلك المكان المخيف....!