محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجية (8/10)
صياغة المفهوم في تداخل الخبرة بالتجربة والمضمون.!
رَغْمَ تقدم عُمُر ذلك الرجل الكاهِل الذي قد تعرّف عليه صاحبنا إلا أنّه كانَ يَتَمَتّعُ بنوعٍ من الحذاقةِ واللباقةِ في الفهمِ والذكاءِ والعلم والعطاء وحلو العبارة في القولِ والأداء المعرفي هذا ما كانَ مُتجليّاً في صفاته الشّخْصِيّة وخَصَائصه الذّهْنِيّة.
سَنُحَاوِل في هذه الحَلَقَةِ التركيز على قيمةٍ أساسيةٍ في خصائص حياة كِبَارِ السّن وممّن قد اجتازوا شوطاً زمنياً طويلاً في الحياة وتقدّمَ بِهِمُ العُمْر ولم يعد بمقدورهم التوجّه إلى مراكزِ التدريبِ والتعليم حيث أنّ الإنسانَ إذا بلغَ من العمرِ عِتيّا في الحياة لا تكون لديه ألقدرة أو الفاعلية في العطاء والإنتاج، وبالإجمال فإنّ كِبَار السن هم ممن يميلونَ إلى الرّاحَةِ والاكتفاء بالقدرِ الذي قد اكتسبوهُ في حياتهم من علومٍ ومعارفَ وما شابه ذلك، هذا إذا توفّرَتْ لديهم مُقَوِّمات ومعطيّات تؤهلهم للحصولِ على احرازاتٍ وانجازاتٍ ميدانيّة في خضمِّ حياتهم وغالباً ما يكونون في محط ّاهتمام بالغ من قبل أبناء المجتمع حيث أنّهم يتمتّعُونَ بخبرةٍ وتجربةٍ كافيةٍ في ميادينٍ الحياة من هُنا يَلْجَأ إليهم الناس لأخذ المشورة والاستفادة من تجاربهم ومعارفهم بحكمِ مُعاصرتهم للحياة واكتسابهم شتّى فنون الأدوات.
كبار السن عادةً ما يكونون في موضع إجلال وتقدير واحترام وتبجيل وبالتالي فإنّ كثيراً من الناسِ يتعاملونَ معهم بإعتبارهم هم من يتصدّرون قضايا وشؤون المجتمع يشهد على ذلك إيلائهم خصيصة الأفضلية والأهليّة في التّصدي لمختلف شؤون الحياة الاجتماعية كالرجوع إليهم في طلب المشورة منهم كما أسلفناه.
لقد اسْتَأنَسَ صاحبُنا كثيراً مع ذلك الرجل الكاهل الذي قد تعرّف عليه في تلك الغابة حيث لازمه لفترة زمنيّة فتكوّنَت مَعَهُ أواصرُ أخويّة وروابط اجتماعية وشيجة.
ذات يوم من الأيام بينما هم يتباحثُون في موضوعاتٍ شتّى وإذا بأمطارٍ غزيرةٍ تهطلُ عليهم وعواصف رعدية كانت تضيء سماء الغابة، نَظَرا إليها الاثنان نَظْرَةَ تعجُّب لكنّهما سرعان ما عادا إلى حالتهما الطبيعيّة وقالا سُبحانَ الله هذه أمطار تهطل بغزارةٍ نخاف أن تُغْرِقَنَا بمياهِها الكثيفة الآتية من سماء هذه الدنيا وبالتالي نكون ضَحَايا هذه السيول الجارفة، لكنّ أملهما بالله لم يتوقّف إذ أنّهما يعيا هذه السُّنن الكونيّة، لقد أشار الشيّخ المسن على صاحبنا فكرة التقرب إلى الله زلفى بالذكر والصلاة لدفع هذه الأخطار المتمثلة في المناخات الطبيعية والمتغيرات البيئيّة طالبين العفو والرحمة من خالقهما، فالذكر والتفكُّر في مخلوقاتِ الله يقرّب الإنسان إلى الله ويجعلهُ في حالةِ اطمئنانٍ وسكينة تامّة وطلب الرحمّة الإلهية إنما يكون من خلال تقرب العبد إلى خالقة بالأعمال العباديّة الخالصة.
بالفعل تعبّدَ كليهما إلى الله تعالى طالبِينَ منه تخفيف هذا العبء الثقيل وما قد ينجم عنه من أضرار وأخطارٍ قد لا تُحْمَد عُقْبَاهَا، وبعد فترات قليلة وإذا بالأمطار والعواصف تهدأ وتتوقف، هدأت الأشجار والنخيل، وبدأت الطيور تُغرّد بصوتها الجميل، استبشرا خيرا وقد تجلّى لهما الخير وأقبل إليهما على هيئة شخص طيِّب النفس ضالّ الطريق فتوقّف هُنيئة عند ذلك المكان وكان ذلك الرجل تائهاً، يرتدي عِمَامَةً بيضاء ورداءَ أصفر فاتح اللون يمتطي فرساً هيئته كأنه رجل دين. وصلَ هذا الرجل إلى مكان مأوى الشيخ المسن واستُضيفَ فأُحسِنَت ضيافته من قِبلِهما وبدأ إعْجَابه بهم وقال لهم هل لي بالجلوس معكما فأنا تائه بين مفترق طرق منذ يومين علّني أجد ضالتي هنا؟!
فقالوا له على الرّحب والسعة يا هذا تفضّل..!!
قال له صاحبُنا هل لديك رغبةٌ بمرافقتنا في المسير فيما تبقّى من مشروعنا الذي كنا قد تباحثنا فيه بشكل مُتّصل يهدف إلى صياغة المفاهيم الفكرية ومن ثمّة تقويمها برؤى تكاملية تنطلق من أسس ومرتكزات جوهرية وتحويلها إلى غايات عملية يتمكّن الإنسان من خلالها فكّ القيود والأغلال التي تكبّله وتعمل على شلّ قدراته وطاقاته.!
إن صياغة تحليل المفاهيم يأخذ أهميته من كونِهِ يوضحُ لنا الشروط المنطقية التي يجبُ أن تستوفيها عملية صياغة المفاهيم أو تعريفها أو اشتقاقها وطبيعة العلاقة التي تربطُ المفهوم بالخبرة والمضمون أو بمفاهيم أُخرى في النظريةِ.
وحوشٌ تتكاسر على إنسان هذا العصر لكي تسلبه لُقْمَة عيشه وتعمل على قولبة هويته وخُصُوصِيّته وشلّ قدراته وطاقاته في شؤون حياته بسبب القيود والأغلال التي يعملُ الأعداء على توظيف معالمها في الخفاء...!