ثمانون عاماً من الري

سمير عطاالله قرأها 6
 

غابرييل غارسيا ماركيز بلغ عامه الثمانين، صاحب «الحب في زمن الكوليرا» وصاحب «مائة عام من العزلة». حكواتي القرنeeeeeeeegggggggggggggggggg5ttgs5t5t5rt5rtgs5g.JPG العشرين. شاعر الروائيين. ساحر الأقاصيص المفاجئة والغريبة. عرَّاف المشاعر التي يصعب التعبير عنها. خلاّط السياسة والفكر والسخرية والفجيعة. كراس التفاصيل ودفتر اللحظات ومدوّن البروق واللمحات. كتاب الحزن اللاتيني. ساخر الفساد والعادات والأقنعة والأكاذيب ورشاوى المخافر وعشيقات الضباط والروائح المقيتة في أنهر المدن التي يكثر فيها الكسل والموت والخيانات الزوجية وخيانة القانون وأصحاب الأحذية اللماعة.

حتى ظهور ماركيز وخورخي لويس بورخيس وأوكتافيو باث، كان الكتاب الجدد والشعراء الطالعون في الغرب يبدأون بتقليد كتاب فرنسا. او أرنست همنغواي. او عمالقة روسيا. وما ان أطل اللاتينيون من عالمهم الحزين والمتعرّق في أودية الأندلس، حتى تغيرت الصور في الروزنامات الأدبية وعلق الكتّاب صوراً جديدة ومزقوا القديم. ولم تعد الحرب بين الحديث والقديم. بين الرمزية والكلاسيكية. ولم تعد السوريالية تسعى الى إطاحة القديم لتحل مكانه، بل ظهر نوع أدبي جديد، مليء بالغرابة والموسيقى والحقيقة وأغاني اليائسين، وذلك العالم اللاتيني، المولود في البؤس والمحكوم بعدم الخروج منه.

واذ اختلطت شاعرية اللغة الاسبانية بشاعرية المكان الشقي، بغزارة الحكايات، خرج كتاب للقارة وشعراؤها يلقحون الآداب العالمية بهذا الخليط الملون والسحري من الأزهار والصبّار وعذابات التاريخ. وتبدو جميع أعمال ماركيز كأنها ملحمة واحدة من عدة فصول. وكما كانت بوينس آيرس نقطة العودة والارتكاز في كل أعمال بورخيس، هكذا كانت كارتاخينا، سور الحلم في أعمال ماركيز. حيثما يحلم يفيق في كارتاخينا. وحيثما يذهب لا يخرج من عطره الاسباني غنائيات القيثارات الحزينة. ولذلك بدا دائماً وكأن لديه قصة لا يريد ان ينهيها، مثل شهرزاد. ومثلها يعود دائماً الى الليلة الاولى. ليلة القرار بأن يتحول الى رواية، يجوب الأرض ويصغي الى حكاياتها ثم يدونها ثم يعيد روايتها من جديد، كجزء من سيرة ذاتية، يختلط فيها السحر بالشعر بالعمل الأدبي بالعمل الصحفي في أرقى وأعمق نماذجه وصوره.

سر ماركيز انه عرف مبكراً مدى موهبته. ورأى ان من كانت له ملكته الروائية لا يمكن إلا ان يتحول الى كاتب عالمي. ولم يكن من الممكن تصنيف الإرث الذي بناه. لا هو بالرومانسي ولا هو بالحديث ولا هو بالكلاسيكي. انه مناخ أدبي لا يشبه أحداً سواه. لا عمالقة الرواية الفرنسية. ولا عمالقة الرواية الروسية، بل هو بداية عصر الرواية اللاتينية، الشاعرة والساحرة. وقد قلده كثيرون. وحاول كثيرون ان يبنوا عالماً شبيهاً بعالمه. ونجح البعض في ان يكونوا تلامذته. لكن المعلّم الآخر لم يظهر بعد.

الشرق الأوسط