عشق للتراث وأمانة في نقله
|
ما ذُكر التراث الغنائي السوري في محفلٍ أكاديمي أو مهنيٍّ أو شعبي دون أن يسطع اسم شيخ المطربين السوريين، صاحب الصوت العذب والوجه اللطيف الحيوي رحل شيخ الطرب الأصيل. مساء السبت، التاسع عشر من آب/ أغسطس فارق عشاقَ الطَّربِ في سوريا والعالم العربي ومحبِّي التراث الغنائي السوري في الأوطان والمهاجر، المطرب الشيخ صبري مدلَّل عن عمر يناهز الثمانية والثمانين عاماً كان الغناء الكلاسيكي السوري والموسيقا الشرقية الخاصة به خلالها شغله الشاغل وحليفَ كلِّ ما جعل حياته حلوة مرحة مليئة بالعطاء والأمل والتفاؤل والرقَّة والعذوبة والإنسانية في التعامل مع المحيطين به طوال ساعات أيامه الطويلة التي شعر أصدقاؤه ومعارفه على الدَّوام أنه قادرٌ على تخصيصها لهم وللفرح والغناء. في كلِّ إطلالة على الشاشات أو فوق خشبة مسرح أو فضاء مهرجان كنتَ ترى وجْهَ الشيخ صبري بارزاً مقترباً من حاضريه، وكأنه لشدَّة محبته لمستمعيه، لا يكتفي بخلق الإحساس لديهم بأنه يغني لهم ناشداً الوصول بهم إلى حالة الطَّرب الفائقة، بل يودُّ أن يطبع على خدِّهم قبلات المودَّة الصادقة! كان صبري يغني بكلِّيَّته .. متجاوزاً نحوله وكهولته ومتحرِّكاً بنعومة ورقة وكأن النغمات المرافقة لصوته والإيقاعات المالئة للفضاء في الاستوديو أو حوله وحول الفرقة والمستمعين، تحفِّزه للرقص في المكان فيتجاوب الشيخ معها دون التخلِّي عن علامات الوقار وهيبة الشيخ بطربوشه الأحمر، رمز الامتداد الثقافي العميق والمكانة الاجتماعية، مصدر العزَّة والافتخار. في حلب، مدينة الثقافات والفنون وحاضنة المثقفين والفنانين، وُلد الشيخ صبري مدلل في عام 1918. وكانت بيئة حلب الاجتماعية والثقافية في فترة يفاعة صبري توفِّر لمن يودُّ الانخراط في الحياة الفنية فرصاً معقولة لمدينة يعاني سكانها مع دولتهم من الاحتلال الأجنبي. فقد كانت في حلب مدارس ومعاهد وجمعيات تعنى بالراث الثقافي والفني جعلت منها مقصداً للباحثين عن الأصالة ومركزاً لوضع المعايير التقييمية للغناء السوري الأصيل. وسرعان ما بدأ احتكاك صبري بكبار الموسيقيين وأساتذة الطرب في حلب ومنهم عمر البطش وعلي الدرويش وبكري الكردي، فبدأ الشاب حياته الفنية بالاطلاع على سِيَر وإبداعات أساطين النغم الشرقي واقتناء الكتب والمدوَّنات والتسجيلات واستمر لما يزيد عن الستة عقود لصيق الحياة الفنية الحلبية يدرس التراث الغنائي المصري والمغاربي ويبدع في تطوير التراث الحلبي بجرأة وحرفية ويعلِّم تلاميذه بإخلاص وحرصٍ صادق مؤمن بخلود التراث الإنساني النابع من بيوت الناس والمصاحب لحياتهم والمكتنز بإضافات الأساتذة والمبدعين والمتألق بالتفاعل الطبيعي بين المؤدين والمتلقين ينتقل بهم ومعهم من جيلٍ إلى جيل فتفتخر به رفوف المكتبات وتتلون باستعراضه وتكراره لوحات الفرح واحتفالاتها. في لقاءاته كان الراحل صبري مدلَّل، الذي اعتبر آخر المطربين الكبار، يذكُر الأساتذة الكبار ممن عاصروه ورافقوه، في سوريا أو في بلدان أخرى، ولكنه كان يتذكَّر بفخر أستاذه عمر البطش ويسلط الضوء على تراثه وعمق تأثره به، خاصة في الموشَّحات ومقاماتها. وفي مهرجاناته في بلدان عربية وعالمية أضاء صبري وفرقته، من خلال مختاراتهم المحبَّبة، التُّراثَ وكأنما ليس لهم أيُّ فضل سوى (جودة الأداء)، مقدِّمين مثلاً رائعاً في نكران الذَّات، ما لا نجده عند الكثيرين من (نجوم) أيامنا. وبسحرٍ عجيب كنتَ، وأنت تستمع لعروض صبري وفرقته المحدثة، تشعر بأنهم يسافرون بك عودة إلى تاريخ تلمع في جوانبه أصالةٌ أفقدتنا التكنولوجبا المعاصرة رونقها ووجدانيتها. وبالرَّغم من بدايات صبري، التي كانت أقرب للإنشاد الديني، وتأسيسه لفرقة إنشادٍ بتشجيع من والده في أواخر أربعينيات القرن العشرين مع عدد من معاصريه، فإنه كان عاشقاً للموشحات الغنائية بمواضيعها الغزلية والتعبيرية والوجدانية. مما تميَّز به صبري مدلَّل عن غيره طول الأناة .. والصَّبر أيضاً، وكأنَّك ترى فيه اسماً على مسمَّى. وقد انعكس هذا في إحجامه عبر عشرات السنوات عن السعي الحثيث للظهور والبروز، حتى أنه وفرقته كانوا يعانون من ضعف الدَّخل المادي مما يجعل بعضهم (أو قل جميعهم) يعملون في حقول أخرى لتأمين متطلبات الحياة. وفوق ذلك كان صبري يطالب تلامذته وأعضاء فرقته بالهدوء والتأني و(طلوع السلَّم درجة درجة) وكان زمن الارتقاء بالنسبة إليه يقاس بالسنوات الطويلة لا بالأيام أو المواسم. ذاكرة صبري المتَّقدة تجعلك تصغي إليه وهو يتحدَّث إليك مباشرة أو عبر وسائط سمعية أو بصرية متلهِّفاً لالتقاط المزيد من تفاصيل الحكايات الجميلة التي يرويها بتلذُّذ عن أيام غابرة وذكريات مع أصحاب أسماء اشتهرت في أدوارها في الحياة الفنية. وفي هذا كان صبري يجلب التاريخ إليك مضيئاً صوَرَه وكأن ما يتحدَّث عنه حصل بالأمس فقط. ومن الممتع أنك باللاشعور تنتقل معه وهو يتذكَّر الحفلات والألحان البديعة وتفاعل المستمعين، فتلتقط في عباراته وبين كلماته ألحاناً وموسيقا، وربما من مقامٍ هو الأحبُّ إليه (الصِّبا). وما تحدَّث صبري مرَّة في لقاءات معه إلا وذكَّر مشاهديه أو مستمعيه أن أحد أهم عناصر ووظائف فن الغناء خلق حالة الفرح والمسرَّة. وهو، برغم بعض ملامح الجديَّة التي تكلِّل وجهه، خاصة في عقديه الأخيرين من العمر، أكثر ميلاً للمرح واستخدام الدعابات اللفظية استكمالاً لوظيفة الغناء التي كان يعطيها على الدوام بعداً مع فرقته المتميزة بقدرات أفرادها والمتواضعة في تجهيزاتها، مقارنة مع فرق (نجوم) الأغنية الحديثة، طاف صبري مدلَّل بين عواصم الدول العربية والأوروبية وكذلك البرازيل وأوسترايا، حاملين التراث الموسيقي الحلبي رسالةً ثقافية فنية، فحقَّقوا نجاحات تماثل ما حقَّقوه في المدن السورية التي لم تلغ طفرات الغناء المُعاصر وضجيجه انشدادَ الجمهور الشاب إلى جانب الكبار إلى أغاني وتسجيلات صبري مدلَّل وفرقته (فرقة التراث الحلبية) والتي رافقت حفلاتهم ومناسباتهم السعيدة بما تضمنه لهم من نشوة طربٍ أصيل ومادة للفرح والتعبير عنه. وتذكر من بين أغنياته التي قدَّمها صباح فخري ومحمد خيري، (وكانا من أكثر من أحبَّ من المطربين)، الأغنية الراقصة الشائعة والمحببة (إبعتْ لي جواب وطَمِّنِّي) وهي من ألحان الموسيقار بكري الكردي. لصبري مكانة كبيرة في مجتمعات مدينة حلب استمرت وتعمقت مع محبة وثقة غالية ناجمة عما عرف عن من استقامة ونزاهة وطيبة .. فكان سفير حلب في سائر المدن السورية وكان سفير سوريا في مهرجانات فن الغناء العربي التقليدي، وخاصة بعد عام 1986 حين مثَّل سوريا في مهرجان الأغنية العربية، وبقيت لصبري المكانة ذاتها حتى بعد اعتزاله في عام 2001 واستمرار فرقته تجوب بلداناً عربية وعالمية تنقل تراث الطرب السوري المليء بلمسات الشيخ الراحل. ورثت تركات صبري مدلَّل فرقته التي أسسها بالتعاون مع ابن أخته الفنان محمد حمادية في عام 1985 والذي رعاها وطوَّرها شكلاً ومضموناً مكرِّساً المنهج الذي تبناه الشيخ صبري والمتمثل بتوسيع مساحة الحرية في الأداء مقرِّباً إيَّاه من الغناء الإرتجالي مما اختزل المسافة بين المغنين والمستمعين ورفَعَ من حالة السلطنة والقدرة على خلق مشاعر الطرب عندهم. واستطاعت الفرقة أن تصل إلى أوسع نطاق عربي فشاركت في مهرجانات في دولٍ أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا وهولندا والنمسا وبلجيكا وأسبانيا وهونغ كونغ واليونان، ودولٍ عربية مثل لبنان والأردن ومصر وتونس والكويت وقطر والإمارات والمغرب. وتكريماً لمؤسس الفرقة سميت رسمياً بـ (فرقة صبري مدلَّل). وكانت آخر مشاركات الفرقة في مهرجان الموسيقى العربية الأندلسية في قصر الثقافة في الأردن والذي أقامته وزارة الثقافة الأردنية بالتعاون مع السفارة الإسبانية في عمان ومعهد ثربانتس الإسباني وقدمت الموشحات الاندلسية التي اشتهرت بها مدينة حلب الشهباء بحضور أعضاء الفرقة الفنانين المؤدين والعازفين محمد حمادية، خالد عقل، حسام الدين على، يوسف سالم، عبد الرحيم عجين، محمد عبد الله الدوش، حسام تالجابيني وأنور عجين. وقد متَّع عازفو الفرقة على الوتريات الشرقية وآلات الإيقاع بالمزيد من التقاسيم الشرقية الأندلسية من مقام الرصد، وقدموا وصلات من الموشحات الاندلسية والقدود الحلبية. وللفرقة ترتيبات وتصانيف مبنية على أسس حرفية وليست مطلقة البساطة كما يظنها البعض انطلاقاً من قلة عددها وبساطة تقنياتها. فهناك فصل بين مجموعة في فيلمه (حلب – مقامات المسرَّة) صوَّر المخرج السوري محمد ملص الفنان صبري مدلَّل وأبرز شخصيته (الغنية بالوجد والذاكرة والتجلِّي)، كما قال المخرج عنه في كلمة عزاء في وفاته مبدياً خشيته بعد صبري (صبري مدلَّل، ذاكرة الغناء الأصيل التي لا أعرف في غيابه من سيحميها). وبمناسبة اختيار حلب عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2006 أصدر الباحث الموسيقي محمد قدري دلال دراسة تحليلية موسيقية لتراث مدينة حلب من خلال كتاب بعنوان (شيخ المطربين صبري مدلَّل وأثرُ حلب في غنائه وألحانه) الذي استعرض فيه سيرة هذا المغني الذي أبهر الشرق والغرب بأسلوبه الغنائي التراثي المبدع, وأشهر الموشحات والقدود إضافة إلى دراسة وتحليل بعض الألحان والمقامات والقوالب اللحنية التي قدمها الشيخ الراحل وإلى أسلوب المزج الذي اتبعه مدلَّل مع الطرب الأصيل. صدرت مختارات من ألحان الشيخ صبري مدلَّل في كتاب صادر عن دار الأنس وقد دوَّنها قاسم التراس ومحمد حمادية في عام 1999 تحت عنوان (الكتيب المجلل بألحان الأستاذ صبري المدلَّل). |
العنيد في مواجهة ما نسميه الكهولة، الفنان صبري مدلَّل.
روحياً إضافة إلى بعدها الجمالي.
المغنين الختصين بأداء الموشحات والأدوار والقدود الحلبية والأغاني الشعبية والقصائد والمواويل, والآخرين المختصين بالإنشاد الديني والصوفي وحلقات الذكر والمدائح النبوية . وهناك ما يسمى بفرقة الدراويش وهي الفرقة التي تؤدي الحركة الدورانية الصوفية مرافقةً لغناء الأناشيد الدينية والصوفية. أما الفرقة الموسيقية فهي ما يسمى (التخت الشرقي) والتي تقدم المقطوعات الموسيقية الشرقية والعربية بالإضافة إلى مهمتها في تلحين الأغاني ومرافقة فرقة الغناء بالعزف على آلات التخت.