طوفان أورفليس

د. بشَّار خليف قرأها 6
 

غبّ يوم شتائي عاصف, تخلّله شعور بالإحباط النفسي والجسدي.. راودني شعور قضّ مضجع إحباطي, فوجدت نفسي أنهض وألفّع جسدي بأسمال سميكة, وأحمل جعبتي الهرمة لأمضي نحو الباب الخارجي لمنزلي الكئيب.. بعد أن أشعلتُ لفافة ورميت ببقاياها في جوفي.

ها أنا الآن أختال تيهاً وسط شوارع مدينتي الحزينة "أورفليس", وصدى همهمات البحر تشعرني بخيبة صامتة, فأحسُّ بنشوة الانتصار حيناً وبنزوة الكآبة حيناً آخر.

 مضيت نحو البحر ولواعج نفسي تدعوه كي يحتويني بجبروته الخالد.. استدرت بحركة لا شعورية, محبطة لكيّ أشيع مدينتي الخالدة بنظرة أخيرة فوجدت الغيوم المتلبدة تذرف دموعها على تلك المدينة الغافية, ومن خلال الوجوه طالعت باصرتي امرأة حيزبون ترمقني بنظرات توسل وشفقة – كانت تقترب مني بأناة وصبر حتى وجدتها قبالتي بغضون وجهها التي التهمته... والدموع التي قهرت ابتسامتها الشاحبة وكوّرتها بمشقة على شفتيها الذابلتين.. اقتربت أكثر ثم همهمت وقالت بصوت كابدت على نفسي كي أسمعه:

- أيها المشرد المسكين! إذا لم تخنّي باصرتي لكأنني أراك تحمل جعبتك وتمضي.. ألا أخبرني إلى أين تمضي في هذه الأويقات الباردة الماطرة..

ألا تسمع صوت الآلهة يشنف الأسماع. ألا ترى غضب الآلهة كيف يحجب الشمس.. فكيف تمضي والغضب الإلهي يكفّن كل خطوة من مسيرك.. وكل بارقة فكر في لواعجك؟..

شعرت العجوز تشيح بوجهها عني كي تخفي عن بريق عبراتي دموعها التي ساقها ألمها إلى أخاديد وجهها غير أني لم أستطع التجلد وسط هذا الموقف الكئيب.. فاخفيت عبراتي ببسمة مرتجفة وقلت لها:

- أيتها الغريبة.. لعلّني أعرفك.. أم أنني قد لمحتك يوماً.. فقسمات هذا الوجه المغضن لا اغتراب فيها عني.. فهلا أخبرتني من تكونين؟!..

قاطعتني بتؤدة ورويّة قائلة:

- لا حاجة لأن تعرف هذه الجيفة التي تمْثُل أمام رحيلك.. قد عانيت الكثير وعالجت الحرقة المؤثرة وهضمت الألم الدامي وأذكر أن المنية رحمتني يوماً فتلقفتني بأهدابها إلى مرقدي الساحر بعد أن أصبحت مجرد دمية باكية في اصطخاب هذه المدينة غير أن الأقدار الإلهية ما رحمتني فتلقفني شبح من ذلك المرقد الهانئ ليعيدني إلى قفص المدينة الشائخة وإلى عنكبوت الفساد.. و ها أنت تراني أهيم في الشوارع دون أن يكترث بي كائن أو حشرة.. إنني تائهة يا ولدي في أتون ضياع يتأجج ناره ولا يطرق عاقلتي سوى إحساس بالعودة إلى ذلك المرقد..

للحظة شعرت بأن الدموع عادت ازدراد محاجري فانهمرت سيلاً يبدد غضبي وعندما وقع بصري على تلك المسكينة وجدتها تنثني على كلومها وتأسوها في حنان وتوجع باديين.. غير أنها أومأت بيدها ثم قالت دون أن تكلف نفسها عناء التطلع لتقاطيعي المدفونة في كآبتي:

- يا بني.. إن لي أمنية وددت لو أحققها قبل رحيلي الأبدي.. إنني أحس بقوى روحية خفية تهدهدني بدعة وطمأنينة وكأنها تنبئني بقرب ذلك الرحيل الأبدي.. إن هذه الأمنية يا بني لا تتحقق إلا إذا وافقت على طلبي...

قاطعتها باندفاع:

- إنني على استعداد لكل ما تطلبين.. فها أنا أمضي إلى كل شيء و إلى لا شيء وأمنيتي الآن أن يجد طلبك مكاناً له بينهما!..

أجابت:

- حسناً يا بني.. في هذا البحر الممتد على آفاق بصيرتك.. وعلى الشاطئ الشرقي منه بالقرب من شجرة الآلهة يرسو مركب قديم شائخ.. ارتاد آفاق البحار وآماد الزمان. لقد تركته هناك قبل دنو منيتي وبالأمس عدت لأجده في مكانه ينتظرك!.. نعم ينتظرك أنت فاذهب إليه ولا تكلف نفسك عناء تسييره فإنه سوف يسير دونما أية مساعدة منك وإلى وجهة معروفة له مجهولة بالنسبة إليك...

أحس بقشعريرة استولت على كيان تلك الحيزبون.. واعتلى الاصفرار إهابها.. غير أنها تجاهلت مخاض منيتها واستدركت ك

_... اعتلِ ذلك المركب وامْضِ إلى حيث يرسو بك هناك!!. وسوف... تجد...

ألاحظ فكها الأسفل قد تراجع حتى ارتمت خائرة العزم فاقدة الوعي.. لم أدر ماذا أفعل!!..

بيد أنني ألمح أسنانها السوداء تصطك وتتفتت كأشبه ما تكون بأرنب بُقر بطنه... جثوت أمامها وحاولت أخفف عنها وطأة الوباء وجور الزمن ولهنيهة عاد إلى ذاكرتي كلامها...

"إنني أحس بقوى روحية خفية تهدهدني بدعة وطمأنينة وكأنها تنبئني بقرب ذلك الرحيل الأبدي"..

إنه الرحيل إذن – قلت في نفسي – لكن شهقة قوية صدرت من أعماق هذه المسكينة جعلت فرائصي ترتجف هلعاً.. لقد رحلت وما تركت لعقلي سوى التخبط والغموض.. ولنفسي سوى الإبحار إلى كنه الغموض بعد أن تكاتفت أنوال القدر على نسج أكفانها ثانية.

 شاع الظلام ولم يعد لي بد من أن أتركها وأمضي إلى المركب.. وفعلت لأجد نفسي بعد مسير غير طويل أمام البحر المديد ونفسي تهفو للحظة تلقى بها ذلك المجهول.

 ثمة دافع يستحثني للإسراع إلى المركب... إنه في الجهة الشرقية... عدوت.. عدوت.. حتى بدأت ألمح تقاسيمه الشائخة.. وصلته.. وقفزت إليه بعد أن نضيت جعبتي عن جسدي إلى قاعه واستلقيت مستمتعاً بلسعات غيث الغضب الإلهي..

يا لها من عظمة عندما يتحدى الإنسان الطبيعة برغم ما يصيبه من حظ عظيم من جورها وغضبها..

أحسست بالمركب يبدأ بالإقلاع والأمواج تعتلي شراعه فينة لتداعب قاعه فينة أخرى...

" أيها المركب العجوز.. كان أملي أن لا تحتوي مزقي في يوم من الأيام.. تلك المزق الجسدية التي عرّاها الزمن من الحياة.. فيها أنا أستلقي على هيكلك المتعب علك تقلّني إلى مرتع الأحياء الذين عانقوا شمس الموت فاحترقوا.. كم أود يا مركبي أن أذوب في تضاعيفك فأستحيل شجرة يتفيأ المخلصون بظلالها.. هيا يا صديقي العجوز قبل أن تدخل أمواج البحر في مخاضها الكبير فأراك عندها تقذع البحر الغاضب بوجوم باد في ألسنتك الخشبية.. أيا عجوزي.. أي مركب منكم يبقى ملتحماً مع تجاليده إلى الأبد؟.. إذا ما تحاذفت عليه جبال الأمواج العاتية.. بيد أن البحار الثائرة والرياح والقواقع المتراكمة لا تألوا أن يداخلها عطف وتحنان عليك وعلى الغموض الذي يعتليك ويوشحك..

أرى شعاع البدر الكامل يداعب أوصاب السماء عبر تموجات أثيرية اعتلت الغيم المشرئب تارة والمتمزق تارة أخرى.. أما الوجيف الذي يتملكني فجعلني أتخوف من أن يخور عزمي من هدير تلك التيارات القارسة الجامحة.

ومن بعيد يرنو إلى مقلتي ضوء بعيد معلق بين طيات البحر وطيف السماء ومازلت أرفل بأسمال الغموض.. والضوء البعيد يكبر.. أما الليل فقد أضحى في هزيعه الأخير مع بداية استيقاظ مردوخ (1) من هجيعه.. دخلت أهداب السحر أحلام الأفول القاتم وبدأت أميز الأشياء من حولي.. أما ذلك الضوء فقد بدأ يخبو مع رؤيتي لجزيرة تحمل فوق أكتافها المائية جبالاً سامقة وصخوراً شاهقة..

المركب يتابع سيره مع أنين مكتوم ينبعث من تخاشيبه و القتام تبدد عن ناظري.. ها أنا أمام صخور وجبال تشمخ بقممها إلى العنان لتعانق السحب بألوان المطر الغاضب..

توقف المركب حذاء الضفة الغربية حيث نهضت واعتليت ناصيته وقفزت إلى وحل الجزيرة الرطب.. ومضيت مسرعاً في طريقي الذي اجهله.. بدأت أصعد على سيل الصخور الشاكية من اندفاعي.. وسط عناء وقوة لا يقذف في روعي أنني سوف أجد ضالتي عبر هذا الغموض الذي تكوّر في عاقلتي وتململ في جلدي إنني أقترب من القمة والبحر حولي يرسل توسلاته كي أهبط أو أعود.. و لكن ما جدوى التوسل عندما يكون الغموض حقيقة!؟ نظرت حولي فلم أجد سوى ظلال الحجارة والآكام لكن شيئاً ما خطف باصرتي لألمح من بعيد شبيه مغارة تظللها النسور.. فهمت إليها ونفسي وجلة حذرة..

وصلتها مع رحيل النسور المظلمة لغموضها.. وكل اعتقادي أنها ظنت أنني ذلك الصياد الذي يروم لجمعها أو يصبو لقتلها!..

وقفت أمام باب المغارة بعد ذلك المسير المتخلج حتى كدت أن أكبو صريعاً على كثبان الأرض الرملية غير أنني عركت بجبني مشقتي  ودخلت المغارة لأجد نفسي أمام شبح ملفع بقباء اسود تكور على جسده فبدا للناظر وكأن سلحفاة منقرضة وجدت بين تلك الآكام المدروسة!..

أحس ذلك الشبح بحفيف ملابسي وهسيس تفكيري فتحرك ضمن إزاره الأسود وطالعني وجه تكفنه أخاديد طالما عانيتها أثناء صعودي إلى هذه المغارة..

لمحت في عينيه بصيصاً خافتاً عبر محاجر تسكنها أحجار لامعة تتحرك ببطء لتبقى ثابتة وقتاً طويلاً.. بيد أنني لا أخفي أن تلك الكومة التي أمامي وما يبدر عنها يعبر عن هيئة هادئة وادعة.

ألقيت تحية مترددة مشفوعة بوجل وحذر. فأومأ يرد على تحيتي بكفه العظيمة التي لمحت من خلالها آثار سنين بائدة.. وزمن سحيق..جلت بنظري في المغارة فوجدت في ركن معتم قصي ريشة صدئة مغروسة بدواة خشبية تعانق صدأ الريشة وخشب الدواة.. اقتربت من الشبح وربتُّ على كتفه فاهتزت أنباضه واشرأب عنقه بتعب وجمود فشعرت لهنيهة بأن المحبة قد نسجت حول قلبي أوشحتها وغرست فيه بذور السعادة لأول مرة..

أرى الشبح قد استدار نحوي بعناء باد ونظر إليّ نظرة ملؤها الريبة والحذر... غير أنني أشعر بأن حديثه سوف أستطيع أن احتسيه بأذن ظمأى لاهفة.. تململ من ثبات لسانه فوجدت لسانه يعارك نفسه حتى استطاع أن يزم شفتيه ليقول لي:

- قد انتظرتك طويلاً يا بني.. وكم كانت خشيتي من أن ألاقي رفيق الروح الكلي قبل أن أحدثك, إن حرارة الشوق جعلتني أصبو إلى ملاقاة أحد منكم واحد من أبناء مدينتي الغافية "أورفليس", يا بني.. لقد رحلت عن مدينتكم في ذلك اليوم السابع من شهر الحصاد وقد وصلت بمركبي إلى هنا حيث الصومعة التي أخلو بها إلى ذاتي المجنحة.. لقد أضحى الصيف صديقي والخريف شقيقي. وفي الشتاء أحس بأنني مع حبيب لي يغرقني بقبلات الغيث المقدس وترانيم الرعد الرائعة... أما الربيع فإن البنفسج يتفتح ليذكرني بكم.. بكل واحد منكم..

لقد أحببتكم جميعاً كما لو كنتم واحداً... ففي ربيع قلبي كنت أترنم من جنانكم... وفي صيف قلبي كنت أحرس بيادركم... أجل لقد أحببتكم جميعاً... وأحببت من يتلمس منكم سبيله في الظلام.

إن الشوق يا بني عندما يسكن تضاعيف القلب يقهر العاقلة.. فتجده ينشد الإفلات من سحب العقل إلى مساحب العاطفة.. و هنا تنصهر النفس النقية مع فرس المحبة الجموح..

لقد هرمت واعتلى جبل شبابي غيث الهرم.. فبتُ كذاك العمود الذي يسند ذلك الهيكل.. فانهيار العمود سوف يصدع الهيكل.. غير أنه لن يهدمه.. وكي لا أهدم ذلك الهيكل القابع في نفوسكم.. انتدبتك أنت كي تقوّم اعوجاجه وتعيده إلى ذلك العهد الذي كان فيه نبراساً للذات البشرية العليا.. والروح الكلية الحقة. لقد وجدت طيفي يعانق أحلامكم بيد أنكم تستيقظون كالبرق كي تطردوه علّكم تحلمون بكنز يمزق أشرعة قناعاتكم.. وبغادة تحرق إخلاص قلوبكم... ويل للهشيم في حياتكم لأنه علمكم كيف تسرقون... ويل للرعد في أيامكم لأنه أرشدكم إلى صم أذانكم عن همس الآلهة الشاكية..

"لم أستطع أن أنبس ببنت شفة غير أنني وجدته يصمت لبرهة حيث استرد أنفاسه الضائعة ثم أردف:

- لقد تردد في أذني في الخريف الأخير صوت الغراب وهو ينعق بالويلات!.. وقد راقبته سبع ليال وستة أيام فوجدته في اليوم الأول يأتيني بعبرة تحترق... وفي اليوم الثاني جاءني بمقلة ضريرة... وثالث يوم وافاني بعقل عششت فيه الطيور المتحجرة... ومع غروب اليوم الرابع أتاني بالقمر ينزف دماً... ومع أصيل اليوم الخامس أتاني بزجاجة دم أبيض... وكف مدماة... ومع فجر اليوم السادس كان ينعق ويصرخ وهو يقول لي: "الريح تأمرك بألا تفارقهم "... فحلّ اليوم السابع فطلبت منه أن يوافيني بواحد منكم فكانت تلك المرأة الحيزبون التي لم تكن في الحقيقة سوى ذلك الغراب الذي أخبرك بالمجيء إلى هذه الأرض المقدسة... وفي أصيل يوم ماطر... قررت أن أجوس في مرتعكم وأجوب في أفكاركم... فوصلت مدينتي والبرق يخطف بصيرتي والرعد يقعد أسماعي... وكنت أمام معبد عشتار (2).. فولجته لأجد عشتار تتخبط وتسحب أذيال جدائلها المقدسة وتحرقها ثم تقتنص المدية من عشاقها لتطعن نفسها آلاف الطعنات... فرثى قلبي لحالها... وتركت المعبد... واجماً ذاهلاً... بيد أن الأمل الأصم لم يغش في قلبي بعد... وذهبت إلى أحد الأحياء القديمة المحببة إلى نفسي حيث كانت تجلس المطرة الطيبة فلحقني أطفال لم يعركوا عجينة الحياة بعد... فأذاقوني علقم الألم بسبابهم وألفيتهم يقذعونني بألسنة الأفاعي وعقول العصافير الغريدة... لقد أذاقوني كاس الألم بأصناف الخيبة والفجيعة وبألوان الحزن والشقاء.. فنكِئ الجرح وما كان يندمل... أجل يا بني لقد تذكرت بُعيد ذلك هموم عيشي السالف ونكد أيام البائدة... فانطلقت كالأرنب المذعور عبر صحراء مدينتي... ووصلت بذهولي المحمول في قلبي إلى بستان تحجبه وشائج تتعانق مع تذكاراتي السحيقة فدخلته لاهثاً ظمآناً وجلست في ظل شجرة عانقت جذورها مركز الأرض... فسمعت الأنين في أبشع صوره... فتمزق القلب وما كان ليندمل. لقد تفجرت في نفسي براكين الدماء والدموع... وشاع الظلام في نفسي ودنياكم حتى الشجرة تموت بأنينها والوليد يحتضر بماء الوجه... وتوأد البسمة بأتراح مسيجة بوشائج الزيف وبراقع الكآبة ومضيت بعد ذلك إلى جدول ضحل كي أخرس ظمأ جسدي... فوجدت عبر طيات تموجاته.. وجه يسكن في فم تنين جبار... كنت أعلم يا بني أن صاحب هذا الوجه قارع ذلك التنين وقتله... وقد قلت عنه.. "كل تنين يلد مار جرجس يقتله..." فألفيت الثاني مصروعاً وساكناً في طلائع أحشاء ذلك الشر الآثم... ترى ما الذي حل يا أبناء بجدتي!...

"لقد مضيت مع الريح ولكني لم أهبط إلى العالم السفلي... إلى الفراغ المرعب.. واعلموا أنني سأرجع إليكم من عالم الصمت والسكينة...".

وها قد عدت إليكم فما وجدت سوى النساء وكيف تسبى والقلوب وكيف تحرق والرجال وكيف يساقون كالإبل... ورأيت المحبة المسكينة وكيف تباع بمزاد الحقد العلني...

ألفيت السعادة في شرعكم... مال يجنى ونفس تحتقر... وما وجدت صلة بين عاقلتكم وعاطفتكم، وعندما ولجت أبواب أفئدتكم رأيت كيف تعانق شرانق أفراحكم... تويجات أتراحكم.. حتى عطائكم قد وجدته يشد أذيال أخذكم بقدرة النسر على الطيران.. لقد عالجتم داء نفوسكم النقية بدواء أجسادكم البالية وبذا أعدتموني إلى ذكر ذلك الرجل الذي جلس بقرب الشاطئ وهو يمتح مياه المد علها تضمحل وتقل... بيد أنه عندما سحب الجزر أذيال المد.. ظن ذلك الرجل أنه استطاع كبح جماح المد فهلل واستبشر وأخذ يتخبط تيهاً وخيلاء..

بؤساً يا أبناء بجدتي... بؤساء بقدر جبروتكم المجوف... تعساء بحجم قوتكم المحنطة... ويل للجبروت إن تمخض عنه البؤس... وويل للقوة إن ولدت تعاسة... الحق أقول لك يا بني آسف لما كان منكم.. " إن قلبي الطافح بحبكم قد حوّل قلوبكم عني.." (5)

فما وجدتم إلى خلاصكم سبباً سوى الخديعة والنفاق.. " إنكم لا تحبون سوى السيوف التي تطعن قلوبكم والسهام التي تمزق صدوركم.. لأنكم لا تعتزون إلا بجراحكم ولا تسكرون إلا بخمرة دمائكم" (6).. أجل يا بني لقد امتحنتني الأيام بيد أنها لم تهزمني فالقلب النابض بالصفاء لا تحوجه استغاثة غادرة أو عبرات ماطرة...

"أراه قد توقف عن الحديث بعد أن اعترته صولة تشنج و رجفة شاحبة... وبيده المرتجفة اقتنص كوباً من الماء ورشفه حتى آخره.. ثم مسح بأطراف كمه بعض القطرات المتطفلة على لحيتيه وشاربيه ثم تابع قائلاً والارتجاف يرافق صوته:

- قد كنت كالغيث لكم... لكنكم أخذتم الغيث عدواً لأنه يوشح أيامكم بالأحزان المقدسة ولا يني ينغص عليكم العيش الزائف... غير أنكم ما شعرتم يوماً بأن ذلك الغيث كان بمثابة البئر الذي تمتحون منه نقاء صحراء نفوسكم وأرواحكم الصافية...

ها قد أخبرتك يا بني بما سمعت ورأيت... تراني أتكور لأنتحب عليكم... أم أبصق كلماتي لكم... إن هروبك المقدس يا بني لم يكن إلا صدى لهمهمات روحي في فضائكم الملوث فعد إلى مدينتك وأخبرهم بما رأيت وعرفت, ولكن أقول لك.. برغم كل ما كان ليكن قلبك دليلك إلى خلاصهم وعقلك ضميراً إلى أفئدتهم.. اذهب يا بني وكن كالشمس إذا ظهرت حجب ضوءها سجف العتمة...

تراجع الشيخ قليلاً ثم ركع والبكاء يسبقه.. حتى وجدت سيلاً من دموع حمراء قانية يجتاح قاعه المغارة.. فعدوت إلى شيخي كي أخرجه من المغارة بيد أنه هدّأ من روعي وقال:

- لا تخش يا ولدي فكل يوم أركع هكذا وما غرقت يوماً بعبراتي.... وكم كنت أتمنى لو أني غرقت وسط هذه المغارة على أن أفنى برؤيتي لأبنائي الذين فقدوا نفوسهم وجالوا يبحثون عنها في أجسادهم المدنسة....

دعني يا بني وامض من حيث أتيت وسوف تجد المركب الذي أقلك إلى هنا جاثياً على الشاطئ...

تراجعت إلى الخلف وأنا أومئ بتحية المحبة وعدوت وكأنني أرنب مذعور.. حتى وصلت المركب حيث اعتليته وانطلقت يصحبني الجنون بيد أن ثمة صوت كان منبعثاً من المغارة... سمعت صداه يطرق آذاني... وقد أخذ يعلو أكثر وأكثر... كان يردد :

" قناعتي في تخليصكم.. قناعتكم في انهياري.. وما بين خلاصكم وانهياري شفق أسود إنه طعنة غدر..."

وبينما المركب يسير... عاركني شعور أن أعود إلى شيخ المغارة.. فقفزت إلى الماء دونما أي تردد... وبدأت أقاوم أمواج البحر المديد... حتى اشتد إعيائي... ها قد وصلت إلى الشاطئ... حيث ارتميت على رمله مع شعوري بدوار عنيف وخمار ينهش رأسي المحطم... وهامتي المتمرغة في ذلك الوحل؟... تلقفتني غيبوبة لم أدر كم استمرت حتى وجدت نفسي أنهض بتثاقل بعد ذلك.. وأصوات النسور والغربان تتعالى... مضيت بتثاقلي مسرعاً نحو المغارة... وما إن طالعني ظلها حتى أحسست بالخوف... مما جعلني أخفف من شدة اندفاعي.. وبدأت أقترب بحذر لألمح بعض عظام تشكل هيكلاً عظمياً أمام باب المغارة... أما الجمجمة فأراها بين فينة وأخرى ترتاد آفاق ذلك الهيكل الذي أحيط بأربعة نسور والتي ما إن شعرت بوجودي المذهول حتى حملت الهيكل ذاك ومضت إلى السماء المتلألئة بالنجوم الدامية...

صرخت... وعدوت... باتجاهها... بيد أنها لم تكترث لصراخي فكبوت على الرمل ممرغاً جبيني في ثناياه المحرقة... ومن خلال الشفق اللامتناهي من الهزيع الأخير من ذلك اليوم أذكر أنني عدوت حتى تجاوزت الصخور الشامخة إلى العنان.. ووصلت إلى القمة وما زلت أعدو في الهواء لاحقاً بالشيخ الهارب... وناديته صادعاً...

- عد إلينا يا شيخ الحقيقة.. عد قبل أن تذكر الآلهة في مجلسها الطوفان الآتي... عد ولا تحمل النفوس النقية وزر آثام الأجساد البالية الملوثة والعاقلة المترنحة بين غباء وعماء... عد...!!

وكبوت ثانية على رأسي وقد التف جسدي عليّ حتى تكورت على نفسي... فحنت عليّ الأحجار والرمال وغطت مزقي وبقاياي بفضلاتها... حتى أصبحت جزءاً منها مع اجتياح الزمن... ومع مرور زمن الحصاد تكسرت القشور الحجرية ونهضت لأجد في كبد السماء شعلة متقدة ينبعث منها صدى يقول:

- "يا صاحبي... إنني سأظل وإياك غريبين عن الحياة... غريبين أحدنا عن الآخر.. وكل عن نفسه إلى اليوم الذي تتكلم فيه فأصغي إليك حاسباً صوتك صوتي وأقف أمامك وكأنني أقف أمام مرآة " (7).

ومضيت نحو الجهة الشرقية من البحر ولا يحدوني إلا إحساس بالغرابة المشتركة مع ذلك الشيخ المتقد.. شيخ أورفليس... وسرت في البحر وصدى الكلمات يلاحقني..." سأظل وإياك غريبين عن الحياة..."

1-        إله عند السوريين القدماء يعزى إليه خلق النظام في الكون بعد الظلمة والعماء.

2-        4-5-6-7     أقوال لجبران خليل جبران.

3-        عشتار: إلهة الحب والجمال عند السوريين القدماء.

* تاريخ كتابة القصة: 1982

من كتاب الحفيدة – قصص سرجون الشامي. دمشق 1990.