لا تحلق بأجنحة الحلم أكثر فالواقع أقهر
دائمًا أشكر الله على موهبة الكتابة التي ما عرفتُ موهبة سواها، والتي ما عرفتها لحدِ اليوم أهي نعمة أم نقمة؟.. ففي كلِ مرةٍ أتساءل: لماذا أكتب، لمن أكتب؟ لماذا خُلقت أناملي عطشى للدواة ومدادِ الحبر؟، لماذا عقلي فُطِم مبكرًا عن الرضاعة من نهدِ الطفولةِ واستعجل بخطاه إلى الركض في براري الرؤيَا والسفر بلا جواز سفر إلى عالمٍ مليء بالإيحاءات وطبيعته الموشمة بالسر والغموض؟
في كل مرة أطرح السؤال بطريقة لا مبالية عبثية، أطرحه بيني وبين نفسي، أما اليوم فسأطرحه علنًا مُشهِرًا خطورة التعجّب والاستفهام، وسأحاول أن أجيب عليه بكل جدية.. ترى لماذا أكتب؟
أكتب؛ ربما لألمس حقيقة الحلم، فإن كنا كبشر عاجزين عن إدراكِ الحقيقة ومضاجعة الحلم، أحاول الكتابة عَلّني أفلح لألمس أحدهما أو كليهما.. أكتب لأواصل سيري وأتحرّر من عرقلةِ مجتمعٍ محنّط العقل حيث دفعته أفكارهُ الغبية إلى الدخول في دوامة الصراعات الأزلية والحروب الطائفية، فمن أجل تمجيد الراية السوداء يهبُ، بكل غباء مطلق، مليون جسد نحو التهلكة لذلك أكتب لأستحضر الإنسانية الغائبة الحاضرة فينا.
أكتب لأستطيع المشي حافيًا في طريق ملغم / شائك دون أن أصدر آهاتي من قاع صدري المثقل بالهموم لعلّي أدرك الأمل المكبّل في ضفة الخلاص الأخرى التي لا يراها سواي.. أو ربما أكتب لأعرف ذاتي أكثر، لأكون حرّاً أكثر وأتنفّس في مساحة تسعني أو أكثر، وأتحرّر من بروتوكولات شيّدتها تقاليدُ عمياء لا تعنيني وتمتُّ لمبادئي بصلة.. أكتب لأثبت خطواتي على أديم أرض كثيرة التزلزل، أرض مستفزّة الجغرافيا..أكتب لأرقص إحتفاءً بملامستي خطوط أضواء اخترقت عمقي المظلم.. أو ربما أكتب ليسعني أن أعرف الله عن كامل إيمان، وأطرد كل ذرّة شكٍّ بداخلي، فالجمال الذي أنقّبه وأقتفي أثره بفكري يعينني على إدراك ما تجاهلته عيون الآخرين من البشر التي لا تكاد ترى إلا القتلى /الشهوة / الغريزة المشبعة بالخطايا والدماء.
أكتب لأُلحد بمعتقداتٍ عبثية استفزت الفكر بداخلي وتركتني أعارض /أثور/أعاند /أتمرد/أصد مسرى الفيضان الطاغي وأشق الموج الهائج وألمس البركان الثائر بعنادي ونرجسية عباراتي.
كل مرة أرفع فيها قلمي وأبسط رأسي مدقّقًا في ورقي أشعر بأشياء جميلة تلفّني، وتحوطني هالة من الجمال.. أشعر وكأني أداعب الحلم وأتحسّس التفاصيل بنظرات نبي، أشعر أني أحقق الكثير من الأشياء التي تنقصني، وأبني مدناً تليق بي، وأشيد أبراجاً تطلُّ إلى المغيب، وأبني معابدَ لا يسجد فيها إلا أنا.. ولكن كلما أباشرُ بالكتابة يسقط الصحن من يدي أمي ليعيدني صوتُ الانكسار والتحطّم إلى واقعي المشؤوم المعفن المشبع بالبشاعة والمعبق برائحة التنهيدات البائسة والمروي بدموع المعذبين الخاشعين في حضرة الألم.
أن تكتبَ الواقعَ أمرٌ صعبٌ يجعلك دائم الكآبة والاختناق، فالواقع مُرٌّ وعيشه أمرُّ وأما الكتابة فمعاناةٌ وقهر، فكلما حاولت أن أنسلخ من واقعي يمسكني شيء بمكر مخاطبًا إيّاي بلهجةٍ عنيفة ماكرة تقول (لا تحلّق أيها الكاتب الحالم بأجنحة الحلم أكثر فالواقع أقهر). يا بؤسي.. أشعر بأن أحلامي باريسية وواقعي صومالي لا أذكر قائلها لكنها العبارة الوحيدة التي لخّصت حالتي التعيسة.. أشعر وأنا أكتب واقعي المعاش كأني عالقٌ في بئر عميق لا أحد يسمع صرخاتي وأنا بداخله، هناك أبقى وحدي أتّكئ الزمن وأشكو لصدى صوتي/ أبكي/ أترقب موتي الآتي نحوي بخطى متثاقلة/ أعيش تخبط التناقض الذي يطاردني أينما كنت، ولكن في لحظة صدام بالذات وشجار عنيف مع الروح يأتيني صوت صموئيل بكيت مخاطبًا ذاتي المنهزمة الغارقة في وحل الإحباط واليأس من إثبات حقيقة فرضيتها في عالم لا يحتفي إلا بالحمقى؛ قال لي بصوتٍ يفتز النّبض فيا ويحرك طاقة العزيمة الخامدة بداخلي (حاول دائمًا، أفشل دائمًا، مهما يكن، حاول مجددًا، أفشل بشكل أفضل)، من أجل هذا الخطاب أطلقت عنان الاستمرار، فأصبحت أكتب كثيرًا وأمزّق أكثر، وأحاول الكتابة عن كثبٍ في وسطٍ فوضوي لا يعترف بوجودي نكاية في الصارخات/ الأوجاع/ العهر المسيطر على مجتمعي العربي.
كل هذا يحدث وأنا أكتب من أجل أن أستمر/ أن أعيش/ أن أواصل سيري قدمًا لبلوغ حلمي لأحرّر أملي المقيد في الضفة الأخرى منتظرًا عبوري... ولكن بيني وبين نفسي سأكون أكثر صراحة وأجيب عن سؤال (لماذا أكتب؟)؛ أكتب لكي لا ينساني الزمن ولكي يكون لي مقعدًا حيث المجد وأن أكون أحد الأنبياء المختارين في عالم الأدب، ولتكون لي لحظة لقاء من العظماء هناك حيث لا أدري.