حرية من طرف واحد - نصٌّ مسرحيّ

عبد المنعم بن السايح قرأها 17,482

مسرحية

حرية من طرف واحد

للكاتب عبد المنعم بن السايح

حرية من طرف واحد - نصٌّ مسرحيّ 

إلى الرصاصة الطائشة .. والدماء

إلى الثورة المنهوبة .. والشهداء

إلى الخاضعين الذين سلبت منهم حق الكلمة

إلى الصمت الذي بات صمتًا ثم أصبح ثورة

إلى الحرية المثالية..

إلى الشيء الذي حدث.. والأشياء التي لم تحدث

أهدي مسرحية

(حرية من طرف واحد)


مسرحية

حرية من طرف واحد

كلمة

مسرحية حرية من طرف واحد،  تنتمي إلى دائرة المسرح الفقير الذي أسس فكرته  المسرحي البولندي غروتوفسكي، وهو المسرح الذي يكون فيه الديكور بسيط في متناول الجميع لا نحتاج إلى مصمم ديكور معقد أو فخم، وخشبة المسرح تكون فيها أدوات الرمزية التي يدلي بها كاتب النص (كالحقيبة تدل على السفر) (الكرسي يدل على الاستجواب) (صوت الصدى يدل على صوت الضمير) والنص هذا لا يتقيد فيه الممثل بإستراتجية الكاتب في النص بل على الممثل أن يمارس جهد جسدي وطاقة ارتجالية في العملية التمثلية، يجب عليه كممثل في هذا النوع من المسرحيات أن يحرر جسده نسبيًا إن لم أقل كليًا ولكن في حالة الاستثناء ليتفاعل مع سيناريو النص وفكرته.. بالمفهوم الوجيز أن يتمرد جسديًا وأن يبرز طاقته كممثل حر.

الشخصيات الأساسية للفصل الأول

المصلوب: (رمز الوطن) شخص مصلوب على جذع مدلول هذا الفعل "الوجع"، وصفٌ سريع للشخصية "هزيل يستر عورته ثوب ممزق بالي، وجهه ملطخ بالرماد، على فمه لاصق مشطوب عليه بالأحمر علامة*، وعلى جسده علقت شعارات منها (من أجلك عشنا يا وطني) (فيك غدي أملي حاضري) (الصحراء لنا) (بنات طارق الذليل لا تعانق) (رصاصة.. كلمة.. موت)

الغريب في وطنه: شخص يظهر عليه التعب واليأس والقنوط، يوحي للناظر أنه متعبٌ من كل شيء، شكله شكل مناضل سياسي، يرتدي ثوبا لا يليق به كمناضل.

وصف سريع للشخصية: "نحيف ومعتدل الطول يظهر عليه البؤس، جبذا ولوكان وسيم الشكل، يرتدي قميص مفتوح الأزرار، مرتديا ربطة عنق، وسروال وحذاء كلاسيكي متسخان بالغبار والوحل والدم"

المخبر: شخص قاسي الملامح، قصير القامة وسمين،  يرتدي معطف وقبعة ونظارة ذات اللون الأسود. حاملا عصا بوليسية.

الشخصين يتبعان المخبر: ضخمَا الجثة، قاسيا الملامح

وثلاث فتيات: مدلول السلام الميتافيزيقي

*

الفصل الأول

(يرفع الستار)

ـ موسيقى المدخل: الدجى لثلاثي جبران ـ

 (المسرح مظلم تمامًا، يمشي الضوء في المسرح بالتدريج متجهًا نحو الوطن المصلوب فيتسلط عليه، يحاول التحرك دونما جدوى، يحاول أن يتحرر لكنه هباء يفعل ذالك، في هذه الأثناء يدخل ثلاث فتيات ' فتيات السلام' يرتدين ثوبًا ملائكي أبيض حاملين مباخر، ويرقصن رقصة تليق بوجع الوطن على وقع موسيقى الدجى، وفي نهاية المطاف يضعن المباخر أمامه ثم يرحلن)

(يظلم المسرح كليًا.. ويرجع السكون من جديد

فجأةً يقرع جرس شبيه بأجراس الكنائس، يسلط الضوء على شخص يدخل لخشبة المسرح زاحفًا ويجر معه حقيبة، يحاول الوصول إلى الوطن المصلوب، وفي لحظة دخوله تمامًا يرد صوت صدى محمود درويش ثائرًا منددًا)

محمود درويش:

أنا من هنا.. وهنا أنا

دور الصدى.. أنا من هنا

وأنا هنا.. أنا من هنا

وأنا هنا.. وأنا أنا.. وهنا أنا

إني هنا.. وأنا أنا.. وهنا أنا

وهنا أنا.. وأنا هنا

إني هنا.. وأنا أنا

ودنى الصدى.. كسر المدى

قامت قيامته.. صدى وجد الصدى

دوى الصدى..

أبدًا هنا.. هنا أبدا

وغدا الزمان غدا

بدَا شكل الصدى.. بلدًا هنا

ورد الصدى

فأكسر جدار الكون

يا أبتِ صدى حول الصدى

"ولتنفجر"

أنا من هنا.. وهنا أنا.. وأنا أنا.. وهنا أنا.. وأنا أنا

(يصمت محمود درويش.. أمام الوطن المصلوب يحاول الغريب في وطنه الوقوف بصعوبة، إلى غاية أن يقف كليًا، يقبل الحقيبة ويخفيها عن الأنظار بحرص وخشية خلف الوطن المصلوب، ينفض الغبار على نفسه، أثار الدهشة والحيرة بادية على وجهه.. في حالةٍ من التيه يلف الخشبة يمينًا ويسارًا كأنه يبحثُ عن شيء ما.. يلتفت نحو الجمهور والذهول باديًا على وجهه)

الغريب في وطنه: أنا.. أنا ماذا أفعل هنا.. وجودي هناك أم هنا الأمر سيان مادمت نكرة.. في كل مرة أحاول فيها معرفة نفسي أين مكانها في كل هذه الفوضى العارمة.. أين أنا في هذه الصحراء الشاسعة ربما أنا مجرد قطرة ماء تشتكي الظمأ.. أين أنا من كل هذه الأسماء والتعريفات الكاذبة، ربما صادقة ولكن في نظرهم وليس في نظري أنا.

أخبروني أني مجرد وعاء حديدي يملْ فيه شعارات زائفة.. وخطابات منمقة وحينما يأكله الصدى يرمى كالحثالة خلف الوراء..

أخبروني أني مجرد عقل صم بكم كلفه القانون المؤرخ بتاريخ غير مكتوب بتصديق بلاغ جبري أصدرته سلطة عسكرية جائرة، فحينما أكلف عقلي عناء الفكر والتدقيق في ملفاتي الخاصة والهوية المشبوهة أجد نفسي متهم بالتفكير الغير قانوني وبالتجسس على عورة الدولة في حرمة القضاء، متهم بهتك عرض المجتمع الدولي بأساليب غير مدونة فيشمع فكري ويحظر اسمي ويصادر مبدئي من وطني.. لا من وطن كان ينسب لي أنا.. أنا.. أنا.

عجبًا من أمرهم سرقوا فكر نيوتن ونسبوا قانون الجاذبية لهم، إسحاق صعد التفاحة بفكره وهم في قمة الجوع أكلوا التفاحة وإسحاق معًا.. بمعادلة خاطئة قننوا الجاذبية على حسب مزاجهم يسحبوننا بجاذبية الخطاب التافه إن لم أقل يجروننا كالأنعام – قَدرًا أزفه ُ للأنعام فحتى الحيوانات لا تعامل هكذا – يسحبوننا.. يفتحونا سمعنا جبرًا.. يطالبون صوتنا جورًا فنحن في نظرهم "صمٌ.. بكمٌ.. عميٌ فنحن في نظرهم بشر لا يعقلون"

(يجثو على ركبتيه أمام الوطن المصلوب.. يرمى البخور في المبخرة التي أمامه يستنشق البخور مرة واثنان.. ثم ثلاث، ويصيح أمام الوطن)

الغريب في وطنه: اليوم وليس غدًا سأعلنها، وأطلق صرحاها في حضرة وجودك يا وطن، اليوم سأبوح بها وأحررها من سجون صدري، اليوم لا شأن لي بسحنٍ ولا سجان، لا شأن لي بسوط ولا جلاد، لا شأن لي برصاصة ولا لغم.. لا شأن لي إلا بك وبنفسي وبمستقبل نطفةٍ في رحم زوجتي.

(يشهق ويزفر بانفعال ثم يفتح يديه بعزة وفخر.. وبصوت عالٍ يصرخ)

الغريب في وطنه: اليوم سأقولها لا خوف بعد الآن، عليك اللعنة يا خوف عليك اللعنة يا خوف.. سأقولها أجل سأقولها.. أريـد حريتي فيك يا وطني.. أريد الحرية من القيد والأغلال والأسر.. أريد حريتي.. أريد حريتي، أريــ...د حر يــ..تـــ..ــي

(ثم يغمى عليه).

(يدخل المخبر مسرعًا باحثًا عن شيء، وخلفه شخصان شديدا الملامح يمشيان بإسقام نحو الوطن يقف أحدهما بيمينه والأخر بيساره.. تفاصيل وجه المخبر ماكرة توحي بالشر والريب إلى كل شيء) 

المخبر: أين هو.. أين من قالها ؟ أين.. أين ؟ من يبحث عن الحرية في وطن ولدت من رحم الحرية حينما هزت جدع النخلة فتساقطت الثمر حرية..حرية

(يرد صدى صوت الضمير من مكانٍ ما يجهله الجميع ساخرًا)

صوت الضمير ضاحكًا: حرية.. تقصد يا ابله حرية في وطن أجهضت من رحمه الحرية فحينما هز الشعب جدع النخلة تساقط الثمر عبودية.. عبودية

(ينتفض المخبر بعصبية رافعًا رأسه للأعلى باحثًا عن مصدر الصوت)

المخبر: ما دخلك أنت إن ولدت أو أجهضت، ثم من أمرك بالنطق بدون تصريح ألا تعلم أن هذا جرمٌ والمجرم يشبهك كثير الثرثرة لا تسكت الثورة التي تتطاير شرًا من فاهه إلا صفعة مني أو ببزقة من فمي وبارتطام كتفي.. أشكر إلهك أني تركتك مستيقظ وإن لم تصمت أيها الضمير لأرجعنك لعهدك القديم مخدرًا نائمًا..

(يضحك ساخرًا)

المخبر:صدقًا افعل خيرًا تلقى شرًا.. تركتك مستيقظ فقط من أجل عيون القوة الناعمة أهل الفن والغناء وجماعة من المستشعرين والشعراء ليتغنوا بك في حالة نكسة ما.. وتراك اليوم تحرك لسانك بعد طول جماد.

(يغني ساخرًا..)

المخبر:  "ماتت قلوب الناس.. ماتت بنا النخوة يمكن نسينا في يوم إن العرب إخوة"

(ثم يضحك ساخرًا معلن سخره باستخفافٍ وشر)

(فجأة يستنشق المخبر كقط يبحث عن مكان وجود الوجبة الطازجة يقتفي الرائحة حيثما كان مصدرها.. إلى غاية وصوله إلى جسد الغريب في وطنه.. يستنشقه بحذر وخشية)

المخبر: إني أشتم ريح لغم قد انفجر من هذا المكان.. رائحة ماذا؟ رائحة ماذا..؟ تذكرني برائحة الثورة والتمرد والعصيان التي شممتها من رعاع الصحراء القذرين.. أم أن أنفي أخطئ الرائحة.

(يحاول الاستنشاق مجددًا للتأكيد.. وبطريقة ماكرة.. يرفع رأسه ثم يصرخ)

المخبر: الرائحة ذاتها.. أجل هو من قالها.. هو من باح بها.. أيتها الأيادي الحمراء احملوا هذا  المفتري إلى مقعد النسخ واللصق لنعيد ترتيب ذاكرته المشتتة علنا نستطيع إعادة تهيئته ذاتيًا.

(يقترب الشخصان وملامح الغضب والهمجية بادية في محياهم، يجران جسد الغريب في وطنه وهو في حالة من الإغماء خائر القوة.. يغرقان وجهه في دلو من الماء.. فينهض الغريب في وطنه هلعًا مرتعشًا)

الغريب في وطنه: أين أنا.. أين أنا؟؟

المخبر: أنت في رحم أمك من جديد يا روح أمك، نريد أن نشهد ولادتك.. أتريد أن تولد ولادة طبيعية.. أم.. أم قيصرية.. أم نجهضك من أول نطفك.. عليك أن تختار والخيرة فيما اختاره المختار.

(يضحك بمكر)

المخبر: وسأزيدك من الشعر بيت.. سأشهد تسميتك..

(بسخرية..)

المخبر: سأسميك مطيع علك تنشأ بمباركتي مطيع.. لا لا سأسميك عبيد علك تصبح في المستقبل عبدًا تخدمني.. لا سأسميك رضا لترضى بما سأقدمه من قهر وعناء.. لا لا سأسميك صحراء لتكون مثلها خالية مقفرة... لا لا سأسميك نوال لتنال ما تستحقه يا جارية من أسيادك الشهوانيين

 (يضحك من قلبه ساخرًا)

(فجأة بعصبية يصرخ ويأمر الرجلان)

المخبر: خوفو.. خفرع.. احملوه.. حنطوه.. وفي التابوت ضعوه.. في التراب ادفنوه فرائحة العصيان تخنقني تسحب الأكسجين المتبقي في هذه الأرض الملعونة.

(يهم الرجلان لتنفيذ أمر سيدهم ولكن يتصلبون بطريقة توحي بأنهم ينفذون عملية قتله بحبلٍ.. وفي هذه الأثناء يفكر المخبر بغباء بأمره الذي أمره ويتمتم بينه وين نفسه)

المخبر: أقلت الآن كفنوه.. ادفنوه !!

ولكن ما زلت لم أتلذذ بهذه الوجبة بعد، ولم أعذبها.. لم أشتم رائحة دمها الساخن، لأم أرش على الجرح ملح، لم أصعق الجسد ليرقص معي رقصة وجع على نغم الفلامنكو.. فليس كل مرةٍ تأتيني هدية من دولتي العظمى وتراني الآن أفرط في الهدية وأرميها بسهولة في جوف قبر..

لا.. لا لن أترك هذا névrosé يقتل دون أن أوثق تعذيبه، أريد أن يضاف لمسيرتي التعذيبية.. آآه عفوا يا إبليس أقصد مسيرتي المهنية.

(يم ترجع الحركة من جديد ويهم الرجلان لتقتل الغريب في وطنه.. ولكن المخبر يصرخ موقفًا عملية الإعدام.. يصرخ)

المخبر: توقفــــوا.. انتظروا.. تمهلوا أيها الأوغاد، يا ذوي العقول المنخورة، لا تقتلوه مازال الطريق طويل.. تعلموا من سيدكم احترافية التعذيب.. أولا القيد ثم الاستجواب ثم التكذيب حتى ولو صدق ثم التعذيب.. إن استجاب لأمرنا وعادت ذاكرته ونفذ أمر النقرة دون دخول فيروس التفكير والعقلنة سيكون سيدًا في هذا الوطن، وإن كان العكس سنعيده إلى رحم التراب كغيره من الأجساد المتحدية لإرادة ملكنا.. هو مجرد رقم كالأرقام والأرقام في حساباتنا تختزل.

(يجر الرجلان الغريب في وطنه وهو خائر القوى فيجلسوه بعنفٍ فوق كرسي ويربطونه بحبلٍ ويشدون الوثاق.. يحاول الغريب في وطنه التحرر من القيد ولكن دون جدوى.. ثم يصرخ لفرط الألم)

الغريب في وطنه: آآه يا وطن.. رحمةً بحالنا يا وطن.. رحمةً بحالنا يا وطن.. رأفتًا بحالنا يا قدر

(في هذه الأثناء يعم الخوف وجوه الرجلان والمخبر ثم يتصلبون بطريقة تحوي بالهلع.. ويبقى الغريب في وطنه يحاول التحرر من القيد ثم يأتي صوت أم كلثوم من مكانٍ ما يجهله الجميع)

أم كلثوم:

 أعطيني حريتي أطلق يديا ** أنني أعطيتك ما استبقيت شيئا

آآه من قيدك أدمى معصمي ** لم أبقيه ولم أبقى عليا

(يتوقف صوت أم كلثوم ويبقى الغريب في وطنه يعيدها متمتمًا وهو في حالة من الإعياء والانكسار)

الغريب في وطنه: أعطيني حريتي.. أطلق يديا، أعطينــي.. أعطني..أطلق يديا..

(ثم يغمى عليه)

(يومض الضوء في المسرح.. وتدق أجراس الكنائس، ثم يأتي صوت الضمير منددًا بنبرة عنيفة)

صوت الضمير: للإنسان حق أن يخطو تراب وطنه دون تكبيل، حقه أن يرقص على نغم الناي والدف، من حقه أن يتنفس صباحه كما يتنفس السيد الحرية في قصره.. من حقه أن يقبل يدي أمه الملطخة بالعجين لا أن يقبل يد ملكه الملطخة بريح دماء القتلى في الحروب الغابرة.. من حقه أن يمجد علمه إجلالا.. من حقه أن يرد صداه.. ويعلن للمدى.. ويصرخ.. أريد حريتـــي ولا حاجة لك بتكبيلي فأنا حرًا ما دمت أحيا في وطنـــي.. حرًا ما دمت أحيا وطني.

(يهرع الرجلان والمخبر.. يتقدم المخبر نحو الغريب في وطنه.. يمسك جيده بعنفٍ حتى يكاد الغريب في وطنه أن يختنق)

المخبر: تريد حريتك.. الحرية هنا مسجونة إن لم أقل أنها منحورة من الوريد إلى الوريد.. الحرية هنا أن  تعيش وتخطو كل خطوة بأمرنا.. تنال ما نرميه لك كالكلب، تتبعنا، نهينك، نهتك حرمتك، نصفعك، نستبيحك، نكسرك، نبكيك، نوجعك.. كل هذا لا يهمك لأن كُلَ كُلِكَ ملكُ لجلالة ملكنا وأنت عنده لا شيء.. ولا شيء.. سوى شيء.. نكرة.

(يصرخ الغريب في وطنه بغضب)

الغريب في وطنه: وطني لنا، وطننا هنا مرعانا ومنبتنا وفيها أعيش وأموت حر.. أريد ملكيتي، أريد حريتي لا أريد أن أعيش هنا الحرية بالوكالة.. لا أريد كي أعيش هنا أن أوقع وثيقة تعهد بعدم تعدي أنفاسي حدود النفس الشاغر.. لا أريد كي أعيش هنا أن أحفظ حق الإشعار بالحياة.. أريد أن أعيش في وطني كإنسان وكأي إنسان في غير هذا الوطن.. أريد وطني أيها الغريب عن الدار.. أريد وطني يا دولة الباطل والشر

المخبر: أصمت أيها القذر، وطنك هو المغرب  وأنت للمغرب عبدٌ قذر.. لا وطن لكم سوي السراب يا ضباع الغاب.. أما الحرية ستعيشها في الجحيم، ولا أظن أن يستقبل جسدك الجحيم لأن مكانك إلا هنا تتنفس العذاب في كل خطوة تتخطاه وفي أي وجهة تقبل علينا فيها..أتعلم أيها الأحمق ما محلك من الإعراب في هذا الوطن.. أكيد لا تعلم.، أنت مجرد ضيف في حضرة وجودنا يا غبي.

(يضحك الغريب بسخرية وباستخفاف)

الغريب في وطنه: بأس بما تفكرون.. وبأس المنطق الذي تتمنهجوه.

(فجأة يصرخ الغريب بغضب بأنفاس وشهقات ثائرة)

الغريب في وطنه: بلاد العروبة وطني وأنتم الغرباء.. أنا ابن هذا التراب وأنتم الدخلاء.. أنا الذي أعيش فيه كريما وأنتم الوضعاء، أنا الذي أأكل من خير خيراته حلالا وأنتم تقتاتون منه بالسرقة.. أنا الذي أرى غده وأنتم لا تعيشون فيه إلا اللحظة.. أنا الذي أضاجعه لا،جب وأنتم تلاحقونه بشهوة فتغتصبون حرمته لتفضوا الذروة الجشعة فيكم.. أنا من يغني فيه بحرية وأنتم ترقصون كجارية عاهرة على وقع الأغنية.. لنا رب يمهل ولا يهمل.. لنا أولاد ترضع من ثدي التاريخ فتكبر على فكرنا.. ولكم أولاد تربو على الحفضات ولن يخلعوها حتى ولو أدركو الأربعين فالخوف لا يمهلهم لوضع وسخهم في فوت لا يشعرون.

(يصرخ المخبر واضعًا يده فوق أذنيه كي لا يسمع كلام الغريب في وطنه ويأمر رجاله بإسكاته.. ثم يهم الشخصان بصعقه يصرخ يألم ووجع ثم يغمى عليه)

(فجأة يظلم المسرح تمامًا.. يومض ضوء الرعد الكل في حالة ذهول ورعب وفي حالة من النفور.. يحاول الغريب أن يتحرر فيتحرر نسبيًا يزحف نحو الوطن المصلوب إلى غاية أن يصل إليه فيجثو أمامه بطريقة توحي أنه عابد له.. وفي هذه الأثناء  تدق الأجراس ويأتي صوت سميع القاسم داعيًا الله)

سميح القاسم:

إلى الله أرفع عيني أرفع قلبي وكفّي يا رب حزناً حزنتُ وأرهقني اليُتم وأهلكت النار زرعي وضرعي
 .. بكاءً بكيتُ ويّممت وجهي إلى نور عرشك
يا رب.. جارت عليّ الشعوب وسُدّت أمامي الدروب
تضرعت، صلّيت بُحّ دعائي وشَحت ينابيع مائي
تمادى ندائي أضاءت شموعي فسامح بكائي وكفكف دموعي ظلامي شديد وليلي ثقيل طويل فأنعم عليّ بنور السماء وجدّد ضيائي وسّدد خطاي سدّد خطاي
لأعبر منفاي يا رب واغفر إغفر خطاياي
واقبل رجائي شقاء شقيْتُ وثوبي تهرّأ برد الكابة قاسٍ
وحرّ التخلّي شديد مقيت شقاءً شقيق ويطردني الجُند عن باب بيتي
وأرجو حياتي بموتي وناري تشبّ بزيتي

وصمتي يزلزل صمتي
ويهدم سَمْتي ولم يبق صمْتٌ سواك ولم يبق صوتٌ سواك
فيا رب بارك براكين روحي واسعف جروحي ومجِّد بوقتك ما ظلّ من بعض وقتي
إلهي وما من إله سواك مراعيَ ضاقت بعشب السموم اللئيمة
ماتت خِرافي على ساعدي 
وبئري أهالوا عليها الصخور
ولي تينةٌ أتلفوها 
وزيتونة جرّفوها 
ولي نخلة وبّخوها 
ودالية عنّفوها 
وليمونة قصّفوها
ونعناعة جفّفوها عقاباً فكيف تفوح بحزني وضعفي وكيف تبوح بخوفي عليها وخوفي
إلهي وما من إله سواك أراك بقلبي وروحي أراك وأنت تراني أسيراً حبيس الشِراك
بلاد أبي أصبحت مقبرة منازل من آمنوا مُقفرة بساتين من آمنوا مُسحره مدارسهم ُمنكرة
وأحزانهم عتمة ممطرة إلهي إلهي وما من إله سواك سألت رضاك طلبت
رضاك تضرّعت صليت هَبني رضاك وسلّط على القاذفات وسلّط على
الراجمات جناح الهلاك ونزّل علينا جناح الملاك إلهي، إلهي أمِن مغفرة؟ ألا مغفرة؟ ولا مغفرة؟
إلهي عذابي طويل وقاس ومؤسف وأنت غفور رحيم ومنصف
إلهي أنا متأسف أنا متأسف إلهي، إلهي أنا متأسف أنا متأسف أنا متأسف

 (يعم السكون في المسرح، الغريب في وطنه يتذرع أمام الوطن، يصرخ المخبر بهلع)

المخبر: احملوه.. إنه يستمد القوة من الراية.

(يهم الرجلان ويكتفان الرجل بقوة وبعنف.. يجرانه نحو المخبر، يمسكه من جيده بعنف ويصفعه)

المخبر: تريد أن تثور أيها المخبر.. إرادة ملكنا أقوى من إرادة شعبك وسلطتك.

(يضحك الغريب في وطنه ومزيج الوجع والفخر بادية عليه)

الغريب في وطنه: وإرادة الله أقوى من العالمين أجمعين.. وإن أراد لسلب منكم ما ليس لكم ويعطي الحق لأصحابه بالثورة أو دونما ثورة.. الله أكبر ولا كبير فوق الله.

(يصرخ بعنفوان الغضب)

المخبر: .. احملوه أيها الحمقى.. احملوه صوته يستفزني يحرك بداخلي نشوة الغضب

(يجر الرجلان الغريب في وطنه ويجلسانه بعنف فوق كرسي الاعتراف..)

(يصرخ الغريب في وطنه بحرقة..)

الغريب في وطنه: رحمةً بحالنا يا وطن.. رحمة بحالنا يا وطن.. رحمةً بحالنا يا وطن

(يعم صوت موسيقى الدجى لثلاثي جبران.. ويدخلن ثلاث فتيات يرتدين الثوب الملائكي يرقصن رقصة أمام الوطن المصلوب تليق بوجعه.. يحاول الوطن أن يتحرر ويئن لكن هباء يفعل ذالك.. ثم يخرجن)

يتبع ……

*

تنويه: المسرحية لم تعرض بعد، وهي مكونه من ثلاثة فصول كاملة.