القالة.. المدينة التي سكنت روحي قبل أن أسكنها

عبد المنعم بن السايح قرأها 2,594

 القالة.. المدينة التي سكنت روحي قبل أن أسكنها

من أين تستمدُ هذهِ المدينة سطوتها؟

هذهِ المدينة التي جرتني إليها لعنة الجغرافيا، فيها من السحر ما يكفي لتفشي ما في داخلك من أسرارٍ ووجعُ ذاكرة متصدع بهمِ الزمن.

مدينة جذبتني إليها بقوة؛ قيل أن للحبِ جاذبية المغناطيس، فكما نحب الجسد تستلهمنا الروح النبيلة، كذالك هي المدن نحب تفاصيلها ويستهوينا خجلها الصباحي حينما تفرك عيناها الناعستان لتستقبلك ببسمةٍ ملؤها الحب فتدنو إليها وكُلك رغبة في تقبيلِ شغاف كل شيءٍ يسكنها.

أدهشتني مدينة القالة يوم زرتها لأول مرة قبل عشر سنوات، ومازالت لحدِ هذا اليوم الدهشة تغزو ملامحي حينما أعبرها، ومازالت تفاصيلها البسيطة المحنطة بسر الجمال اللاهوتي تأسرني وتلمس الروح بعفة.. تكاد تشعر وأنت مرمي في أحضانها وكأن ملائكة الرب بسطت أجنحتها لتحميك من شوائب البشاعة التي كثيرًا ما تسكن المدن القديمة، ولكن هذه المدينة تطفو فيها مسحة النور والإشراق لتصبح الأجمل في عيون كل من يراها أو يعبر تُربتها كيف لا وهي عروسة الشرق –الجزائري- الخجول.

ماذا يمكننا أن نقول إن حضر الجمال؟، لا يسعنا إلا الصمت في حضرتِه، فالصمت أمام الجمال عبادة لا يدركها إلا الروحاني العابد الله بروحهِ لا بجسده الشهواني، فصمتًا أمام الجمال الذي تنثرهُ "القالــة".

يا الله؛ هل سحرتي قلمي أيتها المدينة ليجر تعابير تخبطت فيما بينها للخروج من قاعِ فكري فقط لتُعبِر عن القليل من الجمال الذي يسكن شوارعك/ شواطئك/ بحرك/ شرفات منازلكِ/ وكل أغنيةٍ تعبر الكورنيش القديم.

شدتني حواسي نحو هذهِ المدينة، فبدأت المشاعر الدفينة تنخرني بعنفٍ لأصبو إليها.. كنتُ على يقينٍ تام أنه يوجدُ شيء هناك يستدعي أن أكتب لأجلهِ في حضرةِ الرؤيا الثائرة ضدي، فقليلًا ما تخيبني حواسي وكثيرًا ما يخونني تعبيري في وصفِ مشهدٍ يفوق كل احتمالات لغتي.. فأكبر ذنبٍ يشعر به الكاتب هو خذلان لغته في وصف مكان يعني لذاكرته الكثير، فكم موجع هذا الشعور؛ موجع جدًا حد الموت.

استقلّيت الحافلة من مدينة تقرت البهجة نحو مدينة القالة لتكون رحلتي شاقة وأكثر متعة، فمثل هذه المدينة تستحق أن تشقى من أجلها، فهي لا تحوي الجميع، تضم بحنان أُم كل من قدم لها بصدق النوايا؛ صافي المشاعر وخالي من ريح الكراهية والعنصرية التي ينفثها سواح أتوا ليعثوا فسادًا وفوضى في مدنٍ غير مدنهم.

لفرطِ لهفة الوصول قصرت المسافة من مدينة عنابة مرورًا من بن مهدي إلى سيدي قاسي ثم بحير الطيور ثم بوثلجة إلى الطارف ثم عين العسل إلى الفرين وأخيرًا وصلتُ إلى مدينة القالة، على الساعة التاسعة صباحًا وصلت.

ارتعشت روحي عندما استنشقتُ هوائها الرطب، استقبلتني أصوات المدينة وأحاديثها الصامتة، كانت تخاطبني بشوق، سمعتها صدى الصوت يقول: "ها قد أتيت يا هذا؛ أتيت بعد طولِ قطيعة، وحدها الجبال لا تلتقي، جئتنا أهلا وحللت سهلاً "

يا الله؛ ما زلت طيبة ونظيفة الباطن كما عهدتكِ أيتها المدينة، مازلت مضيافة / مسالمة / مرحبة بحبٍ بكل من أتى إليكِ، لا تُعرين للخبثِ اهتمام، ولا تتركي لشكِ العداوة والكراهية مجال، عُجنتِ بطينة الحب ونثر فوقكِ الله نوره وجماله الذي تجلى فيك.

من مرتفع عالي ترى المدينة بكامل فتنوها مشرعة أبواب سرها بترحاب بكل من دخلها، فلم أنسى ذالك المنظر مذ زمن، فعندما تكون هناك ترى منازل المدينة مفروشة مكتسحة كل شبر لحدِ حدود البحر، هذا المنظر عندما تراه لا تنتظر أحد من أهلِ (القالة) ليقول لك مدينتي مدينة ساحلية بامتياز، فكل شيء هنا يحكي، الطرق تحكي، الأرصفة تحكي، المباني الفرنسية والعربية تحكي، زوارق المواني تحكي، أشجار اليوكاليتوس والكاسيا تحكي، الشواطئ العامرة والمهجورة تحكي.. كل شيء هنا حي يحكي ويحاكي الجمال بصمتِ لا يدركه إلا الروحاني والشاعر والفنان الأصيل.

4 أغسطس 2015م، الساعة 10:44، الرطوبة عالية، الجو حار، والشمس لا ترحم العاري من أجنحةِ الظل، وكل هذا لا يهون من أجلكِ أيتها المدينة الحنون.. كنتُ أمشي ببطءٍ متثاقل الخطوات اخترتُ أن أمشي على أن أستقل سيارة أجرى لكي أتحسس وجه التغير في التفاصيل، مشيتُ على منحدرِ الطريق الذي يصب نحو عمقِ المدينة تاركًا نظراتي تقتحم الأماكن عن بُعد.. رأيتُ جزيرة بحر شاطئ المرجان وذالك المنزل المهجور الذي لم يفتح باب سره لأحد، ورأيتُ فندق المرجان الأرجواني فكم عشقته ولا زلت كذالك -برغم ما حدث به- لأني أرى القالة وعنوانها منه.

من بُعدِ المسافة كنتُ أشتم ريح التغير في المدينة، ولكن بعض التفاصيل ما زالت تحتفظ بذكرياتي القديمة، عشر سنوات كَفِيلة بأن تغير ملامح إنسان وطباعه، فكيف لها أن لا تقدر على تغير مدينة!

ولكن الزمن لم يغيرها كليًا، أعلم أن البحر تجدد أمواجه مياههُ يوميًا ولكن تبقى ذاتَ البحر هو البحر.. كذالك مدينة القالة أعلم أنه تغير فيها الكثير ولكن يبقى طعمها ونكهتها الأصل في حلق كل من عاش فيها زمن يكفي لخلق نطفة الشوق لحظة الفراق، وطعم المدينة ونكتها يكمن في سكينيها، فلم أرَ أطيب من (ناس القالة) لديهم أسلوب مغرٍ لكسبك من أولِ محادثة، فبرغم من أن لهجتهم الشرقية مركزة تكادُ تكون تونسية بقليل من الثقل إلا أنها تروقني، فكم أهوى هذا التغير في الجزائر فلكل منطقة فيها لديها طباعها/ عاداتها/ لهجتها الخاصة ولكن كل المناطق يجمعهم التاريخ الموحد.

أتركني أفسح مجالاً لأتحدث ولو بالقليل عن سكان هذه المدينة صفاتهم؛ طباعهم؛ علاقتهم بالآخر.. فسكان مدينة القالة يرحبون بالجميع دونما استثناء، قلبهم وعاء كبير يصب بداخله هموم الكل، كلهم مجندون لخدمة الزار لينعم بالراحة في جو مفعم بالأمن، يكفي أن تمشي أنثى في منتصف الليل وحدها في شارع منعدم الإضاءة دون أن يتعرض طريقها أحد، وهذا الحديث ليس مجازاً بل حقيقة عاشتها إحداهن.

آهٍ؛ كم أنت راقية/ جميلة/ هادئة/ متفائلة/ مزهرة/ كريمة أيتها المدينة.. صدقًا القالة مدينة سكنت الروح قبل أن أسكنها، غمرتني بطوفان حب فاحتواني غرقًا حد الحياة.

أذكر أني جئتُ لمدينة القالة لأكتب، فقبل أيام كان قلمي يشتكي قحط الإلهام، كان ينهض بعد طولِ أرق يرتشف حبر الدواة دون أن يكتب شيئاً، ولكن عندما جئت إلى هنا أصبح غزير العطاء، فهذه المدينة ألهمت فكري الذي عاش العقم طويلاً، وأغرقت دفتري بكلمات ليست ككل الكلمات، فريح البحر المالحة، ونسمات شاطئ المرجان الرطبة والأمكنة العتيقة ألهمتني وألهبَت خاطري؛ لذالك كتبت.. كتبتُ الكثير.

(لا يوجد مجال للهموم هنا، ففي مدينة القالة كن جميلًا ترَ واقعها/ تفاصيلها وكل شيء فيها أجمل).

أوصلتني خطواتي المتثاقلة إلى فندق "الساحل" هذا الفندق الذي نالت فيه روايتي (البكاء في حضرة الموت) شرف التكليل باللمسات النهائية لها ذات زيارة، واليوم سوف تنال نصوصي المنتظرة شرف التتويج بالبداية.

فالصباح هنا في مدينة القالة موسيقى تكسر عهد موزار ورتشارد كليدرمان وتفتح مجالًا فسيحاً لألحان محمد روان، والمساء أغنية بصوت عذب يكسر سيطرة مشاعر شيرين وتفتح السبيل لأحاسيس فيروز ونجاة ووردة وميادة الحناوي، والليل موال شجن يخضع كل موال عاصمي خرج من حنجرة فضيلة الجزائرية ويترك (الأنا) وحدها تبكي همَّها للبحر.. كل شيء هنا استثنائي، استثنائي بامتياز.

قد ينفق الإنسان عمراً ليدرك الراحة وذروتها، فطوال أيام إقامتي في مدينة القالة أستطيع القول أني أدركت معنى آخر للراحة؛ الراحة أن تنقر زر "ريموت كنترول" أيامك وتتوقف عن التفكير بالهموم والانشغالات التي تكتسح حياتك دونما توقف، الراحة أن تسلم جسدك للفراش والوسادة بعد طول سهرة أنس دون أن تنقب أثر الذاكرة وماضيها المشبع بالوجع، الراحة أن تردد كلمات أغاني تحبها في الصباح وأنت ترتشف قهوتك الصباحية، أن تقرأ رواية حب تحبها وتغوص في عمقِ سحرها، أن تتأمل في الوجوه من الشرفة؛ وجوه لا تعرفها ولا تعرفك بل لا تمتُّ لك بصلة، الراحة أن تعيش الغربة بسلام دون الخوف من الآتي المجهول، الراحة أن لا تندم على كل دقيقة عبث عشتها لأنك عشتها كما تشتهي، الراحة أن توقف اتصالاتك وحساباتك الافتراضية وتدع حاسوبك/ هاتفك معطلاً معلقًا فوقه لافتة كتبت فيها (أنا خارج مجال التغطية !!)، الراحة الحقيقة عندما تعطي وقت كافي لذاتك لتحدثك كثيرًا عنها فقط لترتاح.

صدقًا وجدتُ الراحة في هذه المدينة المسالمة، فقد كانت غايتي أن أضم قبور (الفرنسيس واليهود والمسلمين) الراقدين بسلام في مقابر بمحاذاة الشاطئ الكبير؛ ففعلت، كانت غايتي أن أقرأ رواية "حفنة السراب" للرائع الصادق بخوش فعندما زرت غابة طونقة الساحرة قرأتها بأكملها دون توقف برغم من فوضى العائلات القادمين من كل وجهة.. كانت غايتي أن أنام القيلولة بمحاذاة شجرة ترعى نفسها في منطقة بعيدة عن أقدام البشر فكان لي ذالك يوم نزلت ضيفًا في قرية الفرين عند صاحب فندق الساحل الذي احتوى غربيتي القصيرة (العم صالح)، أمضيت قيلولة كاملة نائمًا بجانب شجرة طاعنة في السن ولم أشعر بوجودي ولا بمرور الوقت ولا أي أثر لفوضى البشر وأشياءهم.

آه أيتها المدينة سقطتُ فيك حبًا، شكرًا لاحتوائك روح فنان فوضوية قليلا ما تسكنها الرتابة، شكرًا لإلهامك/ لسكانك/ لزوارك/ لتفاصيلك، شكرًا لزهر شرفة غرفتي لأنها تحملت رماد سجائري طوال مدة إقامتي اعذريني ففي حالات التفكير أجهل كل تصرفاتي المزاجية.. شكرًا لكِ أيها المدينة الجميلة التي سكنت روحي قبل أن أسكنها.

تهميش:

(*) القالة مدينة ساحلية تقع شمال شرق الجزائر.