"حسان بن ثابت".. من اللهو والخمر إلى وظيفة شاعر الرسول

محمد علاء الدين عبد المولى قرأها 2,812

"حسان بن ثابت".. من اللهو والخمر إلى وظيفة شاعر الرسول
 

عمره مائة وعشرون عاما، ستون قضاها قبل الإسلام، وستون قضاها مسلماَ، بل كان الشاعر الأميز الذي اعتمد عليه الرسول في حروبه الإعلامية ضد خصومه من قبيلته، والقبائل الأخرى. وكانت العلاقة بينهما نموذجاً مثاليا لكيفية توظيف الشعر في الرسالة الأيديولوجية الدينية السياسية، وتفصح هذه العلاقة عن وعي ذكيّ لوظيفة الشعر وتأثيره، فقد سأل الرسول جماعةَ الأنصار الذين ناصروه بالسلاح، ما الذي يمنعهم أن ينصروه بألسنتهم؟ وهذه رسالة واضحة التقطها حسان، وهو أنصاريّ، وتصدى للقيام بها. وأمسك أمام الرسول طرف لسانه قائلا: أنا لها.

 "حسان بن ثابت".. من اللهو والخمر إلى وظيفة شاعر الرسول

حسان كان يجري على عادات الذهنية العشائرية القبلية في تفخيم ومدح زعيم القبيلة والدفاع عنه، أو مديح ملوك وأمراء، فقد زار ملوك الغساسنة هو وشعراء آخرون، كانوا يتسابقون في نيل العطايا الملكية، ومن الشعراء الذين كان يتنافس معه بطريقة ما النابغة الذبياني.

إذاً فقيامه بدور الدفاع عن الرسول ورسالته السياسية الدينية جاء في سياق العادة، وكالعادة أيضاً أغدق عليه الرسول من عطاياه، وأشهر هذه العطايا أنه أهداه "سيرين" وهي جارية قبطيّة، مهداة من "مقَوقَس" مصر للرسول، وهي شقيقة "ماريا" زوجة الرسول. كما أغدق عليه ببستانٍ هديةً، ومكرماتٍ أخرى. وفي موقف لافتٍ، طلب الرسول مرة من عدة شعراء أن يهجوا قريشاً، ففعل الأول وفعل الثاني، فلم يلقيا قبولا عند الرسول! فطلب حسان بن ثابت، ليكون مسك الختام. فقال له حسان: "والذي بعثك بالحقَ! لأفرينَّهم بلساني فرْيَ الأديم". وفي كتاب" فتح المنعم شرح صحيح مسلم" ورد شرح هذه العبارة كما يلي: "أي لأمزّقنّ أعراضهم تمزيقَ الجلد".

ولنلاحظ بماذا رد عليه الرسول القرشيّ! لقد طلب منه عدم الاستعجال حتى يعرف أنساب قريش، فإنّ له فيهم نسباً، وأوكل مهمة تعريفه بأنساب قريش إلى أبي بكر: (لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخص لك نسبي، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخّصَ لي نسبك، والذي بعثك بالحق!! لأسلنَّك منهم كما تُسلُّ الشَّعرةُ من العجين).

هنا يتجلى الوعي العشائري على خير وجه، الرسول الذي هو بمثابة الزعيم هنا، يوظف الشعر في الهجاء، والهجاء فيه شتم وقدح وذمّ ومنقصة، يرضاها الزعيم لقبيلته، ولكن على الشاعر أن يكون حذراً، فلا يتناسى أن نسب هذا الزعيم من قريش. وما كان من الشاعر إلا طمأنة الرسول الزعيم بأن أحاييل الشعر ستكون كفيلةً بعدم المساس بمقامه المتداخل مع مقامات قريش.

ما هذه الواقعة إلا تدخلا من الرسول في عمل الشاعر، لأسباب قبلية، وما هذه الواقعة إلا رضوخا مسبقا من الشاعر لمشيئة الزعيم في حرف الشعر عن طبيعته. تواطؤ واضح وبالغ الدلالة ولا يحتاج كثيرا من الاستطراد.

حسان هذا كان الذي كان في نصف حياته الأول يحضر مع الأعشى شاعر الخمرة والعبث، مجالس اللهو والطرب، هبط بشعره فنيا وجمالياً حين غادر تلك الموضوعات الحياتية الفنية المحرضة على الفنّ، المنبّهة للمخيلة الإبداعية، وقدم شعره قربانا للإسلام. ففقد كثيرا من أهميته، حين رضي بتوجيه شعره في مهمة أخلاقية لصالح دين أو زعيم أو عشيرة، وحصره في ذلك الموضوع. في الوقت الذي يسمح فيه بالانقضاض على الآخرين دفاعا عن وليّ نعمته، مستندا إلى (أيديولوجيا إلهية مقدسة)...

لم يكن الرسول مناقضا لهذه الحقيقة حين قاله: إن الله يؤّيدك بروح القدس!!

إن هذه المقولة تعني فيما تعنيه تلك النظرة المقدسة للشعر من جهة، وتعني من جهة ثانية تقديم المبرر والسند الأخلاقيين المطلقين للشاعر، فيما يفعله من مديح وهجاء معاً.

روح القدس هو في المعنى الديني الوحي المنزل من الله على شخص الرسول أو من هو مرفوع إلى درجة مقدسة في الذهن البشري مثل السيدة مريم العذراء. لنقل هي كلمة الله المنزلة الحالّة في البشر، أو التي ترشدهم للحق، في الحالتين لا يختلف المعنى العميق للكلمة. ولكن السؤال هنا: هل قول الرسول ذلك يعني إقرارا منه بأن الشاعر يتلقى الوحيَ؟ وهل كان في ذهنه مقارنة بين هبوط روح القدس عليه ليبلغه القرآن، وبين الوحي الهابط على الشاعر؟!!