فذلكة في السرد والشعر وأنوثة الشاعر
هل انتشارُ "السّرد" داخل النص الشعري شأنٌ يقلّل من القيمة الجمالية للشعر؟
السّرد مفهوم متعلّق بالروايات والقصص، ويقال الآن "علمُ السّرديات"، "نقدُ السّرديات". ولكن السّرد بالأساس هو طريقةٌ في الكلام تستدعي القيام بنقل حركة وفعلٍ وقولٍ عبر أفعالٍ وجُملٍ تتحدّث وتحكي عن شيء ما. ربما كان شخصا، أو حَدَثا، أو مكانا، تسود في هذه اللحظة أفعالٌ حكائيةٌ بأزمنة مختلفة.
يمكن لأي قراءة واعية لتاريخ الشعر أن تلاحظ أن السّرد بهذا المعنى كان موجودا، داخل القصيدة. بل إن السّرد عنصر تشويق وتحفيز للمتلقّي. وإضافةٌ فنية لجماليات اللغة الشعرية. كلنا نتذكّر نصوص امرىء القيس وعمر بن أبي ربيعة وجميل بثينة والمتنبي على سبيل المثال المميّز، كانوا ينقلون لنا ضمن نصوصهم حكايات جرت أو تخيّلوها، وكذلك الفعلُ السّردي ليس بالضرورة أن ينقل واقعة ذات زمان ومكان وشخوص معروفين وواقعيّين، بل هناك ضرورة للتخيُّل وتحويل المتخيَّل إلى واقع مقنع على الصعيد الفني.
فكيف إذا لاحظنا الآن تطوُّر مفهوم الشعر عبر العالم؟ ألا يكون أجدى بنا أن نقبل بشكل أكبر ضرورةَ توظيفِ السّرد داخلَ القصيدة؟ إذا تهيّأت الموهبة الشعرية الكبيرة التي تعرف كيف تتحكّم وتسيطر على آليّة السرد بحيث لا تسيطر على طبيعة اللغة الشعرية، فينقلب النصُّ الشّعري حينئذ إلى نصٍّ قصصي مفرط في نثريّته.
كل الشعراء الكبار اكتشفوا أهمية توظيف حتى النّثر في سياق الشعر، من رامبو وبودلير حتى محمود درويش وجوزف حرب وأدونيس وشوقي بزيع و...الخ
العالم المعاصر ليس شعراً، هو موغل في نثريّاته الفجّة والدموية والنفعية... وينبغي لكل ذلك أن يتسلّل إلى مفهوم الشعر الحديث...
قد تكون المرأة الشاعرة قادرة بشكل مضاعف على استعمال السّرد، ففي تاريخ ثقافتنا هناك نموذج سرديّات ألف ليلة وليلة التي كانت صاحبتها المرأة. في علم نفس المرأة كما أعتقد هناك قدرةٌ خاصة للأنثى على التأمل في تفاصيل لا تكاد تُرى بالعين المجردة للآخر. لديها قدرة نفسية على الوقوف عند أدقّ العناصر والأشياء والأحداث. وحين تكون هذه الأنثى شاعرة فسوف تفاجئنا بما لا طاقة للرجل على قراءته...
الشاعر الحقيقي الكبير، وأنا أصرّ على مفهوم الكبير، بعكس ما ينتقد زملاء وأصدقاء هذا التوصيف، هذا الشاعر في داخله أنثى كامنة، بل هناك مفهومٌ حضاري أعمق في علم النفس للشخصية الإنسانية، لا سيما عند عالم النفس "بيير داكو"، يفيد هذا المفهوم في أن الذكورة والأنوثة طاقتان أساسيتان توجدان لدى كل إنسان... ونظراً للتجربة الشخصية، ولمتابعتي لكتابة المرأة، أجد أن هذا المفهوم متحقّق بشكل كبير ولا مفرّ منه. الشاعرُ الشاعر ينبغي أن يكون مخلصا للأنوثة التي فيه... وكثير من الشعراء كانوا قساةً ناشفين باردين، منفّرين، لأنهم أنكروا أو تنكّروا لأنوثتهم...
بعضُ الشاعرات كذلك ينكرن الجانب الأنثوي فيهنّ...!
21 آب 2014