سردٌ مكسيكي، ودمعتان سوريّتان

علاء الدين عبد المولى قرأها 894

سردٌ مكسيكي، ودمعتان سوريّتان 

لو استطعتُ التقاط بعض صورٍ لهذه المرأة الجالسة على المقعد المقابل منذ مطلع المساء، تُلاعب في حضنها كلبا صغيرا، لا تلاعبه؛ بل تحتضنه إلى صدرها طيلة الوقت، مسرّحةً أصابعها على ظهره، تحكّ له أسفلَ حَنَكِه، ولا بدّ أنه كعادة الكلاب يكاد يغمى عليه من السعادة لهذه الحركة، فيغمض عينيه محاولاً تركيز مشاعره على لحظة الإحساس هذه.

أشعلتُ السيجارة الأولى، والدفتر في حضني عليه القلم يحكّ له السطر الأول من الصفحة البيضاء، لكن الصفحة الأولى لا تعرف بالضبط لأيِّ شعور تستسلم، فربما بدأ السطر الأول برائحة وردة غاردينيا ذوّبتُ عطرها على فخذ حبيبتي داخل هيكل النور، عندها ستصاب الصفحة البيضاء برعشة ولا شكّ، وقد يصاب السطر الأول بشظيّة محمولة على جناح خفّاش سوريّ متسلّل إليّ عبر المحيطات، ستشعر الصفحة عندها بأن عروقها امتلأت دماً محتقناً يهدر غضباً يائساً.

لكنني أرجأتُ ذلك كله، فأنا أمام المرأة المكسيكية حاضنة الكلب الصغير، ضامّته إلى صدرها، راميةً ساقاً فوق ساقٍ، مرتديةً "الجنز" العتيد.

فجأةً يجلس إلى مقعدها المجاور رجلٌ في مثل سنّي المُشارف على الخمسين، معه صبيّة أكاد أجزم أنها في الخامسة والعشرين من عمر جسدها. ما إن جلسا حتى بدأت الشفاه بالقُبَل، ثم شدَّها إلى صدره فردّت له الضمّة بأحسنَ منها وأشهى. في هذه البلاد الغريبة لا تُقبلُ مثل هذه العلاقة مُعلَنةً أمام الآخرين، مع أنها بلادٌ تقبل علاقة رجلين، أو امرأتين معاً، عشقاً أو زواجاً قانونيّاً.

أشعلتُ السيجارة الثانية، وفتحت موبايلي الجديد أواصل تعرّفي على تقنيّته، حين بدأت تلمع من جهة المرأة وكلبها فلاشات كاميرا، وجّهت نظري إلى هناك جيداً، كان مصوّرٌ جوّالٌ يبدو أنه أُعجب بمشهد المرأة وهي جميلة جذابة، وكلبها في حضنها مضموم إلى قلبها، ولا شكّ أنه عرض عليه التقاط بعض صور، ولا شكّ أنها وافقت وراحت هي تختار وضعيّاتها المناسبة للصورة بنفسها، مغيّرةً مكان الكلب من ناحية إلى أخرى، فيما الرجل الخمسينيّ يحرّك فتاته من ناحية إلى أخرى غير آبهَين لأحدٍ، ولا حتى للمصوّر القريب منهما، فهما يعرفان أنه ليس من حقه التقاط صورة لهما، وهو يعرف أنه لن يفعل ذلك ولو سرقةً.

تذكّرت كيف كانت في بلدي صورة فتاة ملتقطة خلسةً على موبايل أحد زعران الحارة، كافية ربما ليسيل دمها على بالوعة التاريخ.

تذكّرت الآن كيف في بلدي تقُطع رأسُ البلاد كلّها لأنهم عثروا على صورتها مع كائن مشبوه.

لم أصحُ من تداعيات بلدي إلا على حركة الكلب الصغير وقد بدأ يتسلّق ساقي اليمنى، وصاحبته تناديه Matelda, no مددتُ يدي أداعب الكلبة ماتيلدا إذاً وليس الكلب، وأبتسم لها، فهنا عليك إظهار المجاملة والاحترام للكلاب في أي مكان اقتربتْ منك فيه، وإلا فأنت معقّد ومريض.

خلال دقيقة ذهبت ماتيلدا وراء صاحبتها، فيما بدأتُ بالسطر الأول من هذا النص، ودمعتان تكرجان من قلبي...

المكسيك - 26 آب 2014 


 

 سردٌ مكسيكي، ودمعتان سوريّتان

اللوحة للفنان الإنجليزي

Charles Burton Barber

(1845 - 1894)