الحياةُ قمامة

لم أكن لأدخل هذه الحديقة المكسيكية ذات الساعة الأرمنية، لولا قنبلةٌ فراغيّة انفجرت في زاوية روحي، وما أعلمه أن روحي ممتلئةٌ بمواعيد زرقاء لا ساعات تضبطها، ولكنني هذه المرة أردت البحث عن ورقةٍ كنتُ ضيّعتها منذ يومين هناك. إما ستكون قرب المقعد الحجريّ حيث يجلس عاشقان كل برهة أو ساعة أو أبدٍ، أو سوف تكون قد طارت إلى كومة أوراق الشجر التي تتراكم بفعل الهواء، أو بفعل تجميع الرجل ذي الثياب المهترئة للقمامة في مكان ثم يعبئها في أكياس يرتبها مستندة إلى الشجرة الضخمة، ليستعملها استعمالات عدة في الليل، حيث ينام هنا. رجل تفحّ منه رائحة مشروب سيء السمعة، مناسب لفوضى مرعبة تعربش جسمه كله.
تبحث عن ورقة بعد يومين؟ وفي حديقة؟ لا شكّ أن ذلك الرجل الذي تتحدث عنه أكثر عقلا منك.
وما أدراك أنت؟ لدي حدس غامض بأن الورقة تنتظرني.
... روح يا شيخ هداك الله
حين وصلتُ إلى الحديقة، ولم أحمل معي ما أحمله عادةً: حقيبة فيها كتاب، ودفتر صغير لفكرة طارئة أو ملاحظة حول الكتاب، أو تسجيل أرقام صفحات سأرجع إليها حين أعود إلى البيت. كانت المقاعد مليئة ولا مكان لي، فاليوم مشمسٌ، والكلاب تهرّ وهي تلاعب الماء حول الساعة، أو تقفز من ركن إلى ركنٍ وأصحابها يديرون شؤون سعادتها كما لو كانت أطفالاً، بل وأعزّ...
لم يكن هناك مكان إلا قرب رجل مغطّى الرأس نائماً، متدثّرا بثيابه، متمدّدا على ثلاثة أرباع المقعد، تاركا فسحة يمكن أن أشغلها. وجلست أبحث عن دليلٍ يشير إلى أنني قد أعثر على ورقتي، كنزي المفقود. انشغلت بمراقبة سكان الحديقة الذين أعرف منهم بعضهم، وبينما كنت أُخرج تلفوني من جيبي، اصطدمت كوعي بكاحل الرجل النائم، بحركة كافية لإيقاظه، حين أزاح الغطاء عن وجهه، فوجئت بأنه الرجل الذي تفوح منه رائحة المشروب السيء نفسه، الذي يجمع القمامة... نظر إليّ بحدقتين مفتوحتين، وجلّس قعدته وصار بمواجهتي. اللعنة كيف أتعامل مع الاعتذار من شخص كهذا أزعجته بأن أفسدت عليه راحته؟ قلت له: المعذرة... المكان ضيّق وليس هناك مقعد آخر.
قال لي:
?Cómo estás¿ كيف حالك؟
?Bien, ¿ y tú جيد، وأنت؟
Bien. جيد Hace dos días que te fuiste esta página aquí.
يا إلهي... إنه يقول لي بأنني تركت هنا الورقة منذ يومين!! ثم مد يده إلى جيب معطفه البالي وأخرج ورقة مطوية حتى ربعها... وناولني إياها سائلاً
?Es este poema¿ هل هذه قصيدة؟
اللعين... يعرف أنها قصيدة!
Sí. نعم
مدّها إليّ قائلاً:
escribí una frase. Yo أنا كتبت جملةً.
فتحت الورقة، لأجد في أسفل الصفحة، وفي نهاية القصيدة المسودّة عبارة هي:
La vida es una basura.! الحياة قمامة...
وعاد يكمل نومه... دون أن ينتظر مني تعليقا ولا شكرا... وكأنني لست موجودا. انتابني إحساس الذنب والخواء، بقيت عيناي معلّقتين على هيئته الممدّدة بكل إهمالها وتراكم الأوساخ عليها، حتى إنني منذ أول جلوسي كنت أشمّ بين لحظة وأخرى من أسفل قدميه رائحة تشبه رائحة الماعز.
في نهاية دهشتي، قمت والورقة بيدي مطوية من جديد، اقتربت من جيب معطفه الخارجيّة، دسستُ له الورقة فيها، ومضيتُ...
1 آب 2014