قصة شاعرين مع الإسلام

محمد علاء الدين عبد المولى قرأها 2,018

قصة شاعرين مع الإسلام 

1.  أمية بن أبي الصلت:

من أكثر الشعراء تميزاً في عصر ما قبل الإسلام، والذي يسمى ظلما وبهتانا بالعصر الجاهلي. حيث تفيد المصادر بأنه كان من فحول الشعراء، ويؤمن بالأفكار الدينية التي اصطلح على تسمية من يعتنقها بالأحناف، وهؤلاء قومٌ نبذوا عبادة الأصنام وطوروا رؤيتهم إلى مستوى البحث عن إله واحد. كان أمية هذا مولعا بالكتب الدينية القديمة وقصص الأديان، يزور الكنائس والأديرة، ويقال إنه يشكل مع قسّ بن ساعدة وورقة بن نوفل نخبةً فكريةً تتميز عمّن سواها. ولا ننس هنا أن ورقة بن نوفل هو الذي زوّج الرسول الكريم محمد من خديجة زواجاً ليس على الطريقة الإسلامية، إذ لم يكن الرسول حينئذ قد تبلغَ الدعوةَ والرسالةَ.

أمية كان في قصائده يتكلم عن قضايا كبيرة وردت فيما بعد في القرآن، ووجد الباحثون تطابقا حرفيا أحيانا بين عبارات شعرية له وآيات قرآنية. حتى إن الرسول محمد قال عنه: كاد أمية أن يسلم. والحقيقة أنه التقى محمداً ليرى ما عنده، قرأ عليه أمية شعره، وقرأ له الرسول من القرآن، ومع إعجاب أمية بذلك لكنه لم يعلن إسلامه. الذي سيعود إلى التفكير فيه بعد غزوة بدر، حيث قدم ليعلن إسلامه، ولكنه في الطريق أنبأه القوم بأن من ضحايا غزوة بدر اثنان من أقاربه، قتلا فيمن قتل في المعركة التي انتصر فيها المسلمون. حين خبر بمقتل أقاربه جدع أذني ناقته وقطع ذيلها، ثم قال: لو كان نبيا لما قتل أقاربه...

ثمة من يرى أن بعض شعره مدسوس عليه، لما رأوا من تشابه بين شعره وبين القرآن، وقضية الانتحال في الشعر واردة دائما، ولكن قول الرسول محمد عنه أنه كاد أمية أن يسلم، يدلّ على أنه رأى في شعره ذلك التطابق. وقد رأى د. عبد الحفيظ السطلي في دراسة مهمة عنه، بما معناه أنه ليس كل شعره الدينيّ منتحلاً. ولكن طه حسين يرى أن شعره ذلك منحول! كذلك يرى د. جواد علي.

وصل الأمر بأمية من خلال اهتمامه بالأديان القديمة أنه كان يؤمن بأن ثمة نبيا يسوف يبعث، وأنه كان يتوقع أن يكون هو ذلك النبي...

من أبياته التي يختصمون في نسبتها إليه ونرى التشابه الحرفي بينها وبين آيات قرآنية:

ويوم موعدهم أن يُحْشَروا زُمَرًا           يوم التّغـــابن إذ لا ينفع الحَذَرُ

وأُبْرِزوا بصعيدٍ مستــــوٍ جُــــــرُزٍ           وأُنـْزِل العرش والميــــــزان والزُّبُرُ

***

يُسْقَـــــوْن فيهـا بكأسٍ لــذّةٍ أُنُـفٍ           صفراء لا ثرقبٌ فيها ولا سَكَرُ

مِـــزاجها سلسبيلُ مــــاؤها غَدِقٌ           عذب المذاقة لا مِلْحٌ ولا كدرُ

في أي حال، يشير كل ذلك إلى الأهمية الكبرى التي يؤمن بها العرب بمن فيهم الرسول، بالشعر، فالرسول كان حريصاً على إطلاق بعض أحكامه على الشعراء، فكما رأينا قال عن أمية إنه كاد أن يسلم، في حين قال عن امرىء القيس إنه حامل لواء الشعراء في النار.

2. الأعشى – صنّاجةُ العرب

شاعر مما قبل الإسلام، وعاصر الإسلامَ أيضاً. هو الشاعر ميمون بن قيس، لُقِّب بالأعشى لأنه كان خفيف البصر، والأعشى هو الذي لا يرى ليلاً. وقيل إنه أصيب بعمى كامل آخر عمره. أما الصنّاجة فلأنه كان يغني شعره. وهذا غير الحُداء طبعاً. والصّنّاجة على وزن "فعّالة" مثل: علاّمة، صيغة مبالغة من صنج، والصّنجُ هو آلة موسيقية ذات أوتار، أو هي في حالة ثانية ذلك القرصان النحاسيان يضرب أحدهما الآخر. وقيل هي تلك الصّنوج التي توضع على مدار الدفوف.

ما يهم في سيرة الأعشى أنه كان مولعاً بمتع الحياة حتى العبث والمجون. ومن الغريب أن يغيب موضوع الخمر عن كثير من شعراء ما قبل الإسلام، مع أن مجالس أشراف القوم كانت تدار فيها الخمرة ويقام الرقص وطقوس وثنية ينبغي أن يتّخذ منها الشعر مادة للكتابة أكثر مما قدم هذا الشعر.

الأعشى اختلف عن زملائه فكتب أكثر عن الخمرة، وعرض وجهة نظره في الحياة واللهو والمرأة جسداً ومتعةً وعنصراً من عناصر الحياة الحرة اللذيذة. ليس وصف اللذيذة مجانياً، فالموقف الذي يختفي وراء شعر الأعشى ذلك، هو موقف اللذة الحسية الخالصة. ونعتقد أنه يشترك في ذلك مع موقف كل من طرفة بن العبد في معلقته، وامرىء القيس.

في شعره صور فريدة وخاصة ورائدة، لم يشاركه أحد فيها، هو الذي ابتكر صورة المرأة / السّحابة، حين قال شبّه مشيتها بحركة السحابة:

كأنَّ مشيتها من بيتِ جــــــارتها        مرُّ السحابةِ لا ريثٌ ولا عجلٌ

وهذه من الصور الشعرية التي لا تفنى دلالتها الجمالية، وما زال شعرنا الحديث يتفنّن في استعارة مثل هذه الصورة النادرة للمرأة. كانت مخيلة الأعشى حركيّةً كثيراً، حيويةً يستعمل فيها تشكيلاً وكأنه يرسم. البيت السابق من قصيدته الشهيرة التي أضيفت إلى المعلقات العشر والتي مطلعها:

ودِّع هريرةَ إنَّ الركبَ مرتحلُ         وهل تطيقُ وداعاً أيُّها الرجلُ

في سيرته أيضاً، أنه أراد التوجه إلى المدينة ليمدح الرسول محمد، في نيّة لإعلان إسلامه. فاعترضه أبو سفيان وقد عرف مقصده، قال له: إن محمداً يحرم عليك الخمر والزنا والقمار. فأجابه الأعشى: فأمّا الزنا فقد تركني وما تركته، وأما الخمر فقد قضيت منها وطراً، وأما القمار فلعلّي أصيب منه خلفاً.

وفي رواية أخرى قال له إن محمدا يحرّم الخمرة، فقال الأعشى: أرتوي منها سنةً ثم أعود. وربما كانت هذه الرواية ألصقّ بشخصية شاعر ماجنٍ عابثٍ لا يريد أن يمنعه دينٌ ولا دنيا عن متعه الدنيوية.

الروايتان تذكران أنهم قدّموا له كنوع من الرشوة الباهظة مائة ناقة ليكفّ عن تحقيق مأربه هذا العام، فعادَ راجعاً. يقال مات في طريق رجوعه، ويقال مات في العام نفسه في اليمامة حيث ولد. عاش الأعشى ستين سنةً تقريبا.

أبو سفيان كان يدرك خطورة دخول شاعر مثل الأعشى في الإسلام، فهو من طبقة الشعراء الأولى في عصره، وما سيقوله في محمد سوف يذهب شرقا وغرباً وهذا نصر معنوي للرسول، لقد كان أبو سفيان يعي أهمية الشعر، فاستعمل مكانته الاجتماعية والرمزية في منع الشاعر من ذلك.