فذلكة في الرياضيات والفنون

محمد علاء الدين عبد المولى قرأها 1,667

فذلكة في الرياضيات والفنون 

1

صحيح أنني كنتُ (أكْسَلَ) تلميذ في المدرسة في الرياضيات، ولكن يمكن الآن أن يُفهَمَ الأمر بصورة لا علاقة لها بامتحانات الرياضيات، والمعادلات والجداول اللوغارتمية كمادة للحفظ والملل. يمكن رؤية معنى الرياضيات كمنهج دقيق وواضح الأسلوب، في عدد من الفنون الجميلة مثل الموسيقى والعمارة واللغة الشعرية. نعم اللغة الشعرية، من حيث ضرورة بنائها بوعيٍ صارم، وملاءمة التصورات الشعرية والخيالات الشاطحة لعدد من الكلمات لا تشتطّ ولا تنداح لتسقط في مرض التداعي واللغو الذي يعاني منه شعرنا، كصورة منعكسة عن حياتنا كلها. لاشكّ أن الشاعر لا يكتب بتخطيط عقلاني واضح، ولكنه مع التجربة والتراكم ينبغي عليه تقليم أظافر قصائده بقسوة، لكي لا يختبىء تحتها وسخُ التداعيات المجانية والاستطرادات العشوائية. ويصبح لديه الخبرة الباطنية اللاواعية لمراقبة قصيدته حتى وهو في حال الانخطاف والسحر.

الشعر الإيقاعي تحديداً متصلٌ بهذه السّمة الرياضياتية أكثر لتوفّره على عنصر الوزن، القائم على عدد محسوب من الأحرف والحركات والسكنات.

بناء السونيتة بناء عددي واضحٌ، بناء شعر الهايكو أكثر دقّة وتكثيفاً بهذا الخصوص، لا يمكن فيه زيادة مقطع صوتي آخر على القاعدة.

سعيد عقل كان يتحدث عن فضل معرفته بما يمكن أن نسميه الآن روح الرياضيات، أو جماليتها، في كتابة قصائده المختصرة جُملاً ومفردات، حتى بات سعيد عقل معلّما في تنقية قصائده من الحشو، لا سيما قصائده ذات الأوزان القصيرة والخفيفة، التي يتألف منها البيت من 5 كلمات لا غير، يمكنه أن يعبّىء في هذه الكلمات القليلة ما يشاء من الفكرة والمعنى والصورة.

في الموسيقى هناك بناء رياضياتيّ ايضا من خلال اعتماد المؤلف على سلّم موسيقي هو نفسه يحتوي على علامات موسيقية يستعان في ترميزها بالأعداد. الأعمالُ الكلاسيكية العالمية شديدة الدقة في توخّي الانضباط والتقدير الرشيق من أجل التقاط جموح الروح الموسيقية المجنونة، في تكوينات محددة لا تعرف الشتات.

إن التداعيات والحشو في أي عمل فني، حتى في هندسة العمارة، التي لا تخلو أبدا من الحسابات الدقيقة، هذه التداعيات هي ضعفٌ وهشاشةٌ تنتاب عمق العمل الفني، وتظهره بمظهر ناقص من حيث القيمة الجمالية. الجمال هو تكاملٌ وانسجامٌ وأناقة، ولا يقبل الخلل.

يقال إن فيثاغورث الرياضياتي الأقدم، كان يقدّس الرقم 10 لأنه يعني الكمال، كان يرى أن العالم مبنيّ من العلاقة الوثيقة بين العدد والنغم... وفكرته المختصرة: إن كل شيء في الوجود متعلق بالرياضيات.. يقال "كان فيثاغورث نبيّا من الأنبياء"...

2

أكثر النقاط التي تلتقي فيها الرياضيات مع الموسيقى، هي في مسألة التجريد، حتى يمكن القول إن النوطة الموسيقية هي عمليات رياضياتية مجردة. التجريد هو رفع الفكرة إلى مفهومٍ لا يُدرَكُ بلغةٍ مرئية محسوسة، أو لا يمكن للمجرد أن يكون محسوسا، هو فضاءٌ سابح في ملكوت الخيال الأعلى، يستعين الإنسان من أجل إدراكه بالرموز والإشارات، تماما كما يفعل رجل الرياضيات ورجل الموسيقى. هنا حيث البراهين الرياضية والأعمال الموسيقية المسموعة. شخصيا لا أحسد أي صاحب جنس إبداعيّ ولا يحيّرني ويدهشني مثل الموسيقيّ، فنحن نسمع موسيقاه عبر الهواء، تصدرها آلاتٌ مختلفة، السؤال الذي يحيّر كيف وصلت قدرته الخارقة على التجريد وهو يؤلّف لنا هذه الأصوات حين كان يرسمها علامات ورموزاً على الورق؟ كيف يتمكن من تقديم هذا اللامرئيّ وهو يكتبه فقط؟ ومثل ذلك بالضبط مقرىء القرآن، الذي يحوّل الكلمات أمامه إلى موسيقى، ويتفنّن بتنويعها وتنغيمها حسب مقاماتٍ موسيقية بالأساس. وكثيرا ما كان يتبارى مقرئون كبار مبدعون في تقديم السورة نفسها، أو الآيات نفسها من سورة ما، ويتنافسون على من يكون الأفضل والأكثر امتلاكاً للحضور الموسيقي والجلال الربّاني المبثوث في اللغة القرآنية.

كان الشعراء الرمزيون في فرنسا ينشغلون دائما بالموسيقى، "بول فاليري" كان يريد أن يستردّ من الموسيقى ما ضيّعه الشعراء، وكان "مالارميه" يرى أن موسيقى "فاجنر" هي قمّة المطلق المرعبة! "مالارميه" أراد في قصائده تقديم تجربة قمة المطلق هذه، فلجأ إلى التجريد كثيراً، وزوّجَ ذلك بالموسيقى. لذلك نلمح في لغته ذلك الغموض العالي، ولا سيما أن معظمنا يقرؤه مترجما، بمعنى أن عنصر الموسيقى سيذهب كليةً مع الترجمة. وهو كان كرمزيّ يعتمد الموسيقى كحامل أساسيّ للتجريد. 

الشاعر مهما قدّم المجرّدَ يبقى هناك مفاتيح مرئية هي عبارة عن كلمات وصور وعبارات، ثم إن استغراقه في المجرد فقط نقطة ضعفٍ في موهبته وعمله الشعري. محمود درويش كان أفضل شاعر أقام سحرَ التوازن بين المجرّد والمحسوس في شعره، حتى إنه التقط أرواح القراء من خلال كيفية تحويله المجرد إلى محسوس وكأنه قطعةٌ مادية بين يدي القارىء. ولا ننسَ كيف كانت تجربته مكوّنةً من عدد من المميزات، أبرزها الموسيقى، التي امتلكَ جماليتها كما لم يفعل كثير من الشعراء في ثقافتنا.

ربما كان من أهم أسباب الإبهام في أجزاء من شعر أدونيس، أنه استغرق في المجرد كثيرا، وأهمل عملية توازن المجرد مع المحسوس. رغم أن لذلك مبرّراته عنده وفي طبيعة شعرية ذات مزاج معين في التعاطي مع اللغة الشعرية والمجاز. ورغم أن لذلك أيضا جمالياته الخاصة، لكنها جمالياتٌ للخاصة!

محمود درويش ليس واضحا هو الآخر، بل مشبع بالغموض، لكن غموضه يتسرب إلى المتلقي كسحرٍ خالص، لأنه لعبَ على شهوة ثنائية (المادي والروحي) (المجرد والمحسوس) معاً في نفس الإنسان. كثيرون لا يفهمون شعره على وجه التحديد، لكنه يوهمهم بأنه مفهوم وواضح لهم. إنه صاحب مكائد شعرية خاصة، يوقع بها المتلقي في لذّة الجمال المطلق.