فذلكة في الوطن والأحزاب

محمد علاء الدين عبد المولى قرأها 953

فذلكة في الوطن والأحزاب 

1

هل نحتملُ مثل هذا السؤال: ما هو الوطن؟ أنا شخصيّاً أحتملُه بل وأحتمل تقديم الإجابة التالية أيضاً: ليس هناك وطنٌ في ثقافتنا العامة، حتى بات الوطن معنى خاصّا بالشعر والأغاني والروايات والمسلسلات.

كنا ندرس: الوطن في شعر الأرض المحتلة، الوطن في شعرِ الأدب المهجري، الوطن في روايات (س) أو (ع) من الروائيين، الوطن في مسرح الرحابنة، بل هؤلاء الأخيرون دار حول مسرحهم وأغانيهم، كلام كثيرٌ ملخّصه "الوطنُ الرّحباني"، ومن الناس من اعترض على الجانب الطوباوي المثالي للوطن في أعمال الرحابنة. حتى زياد رحباني نفُسه، كثقافةٍ حديثة من جيلٍ مدنيّ مختلفٍ، كان أبرزَ من هشّم مفهوم الوطن في تراث الأخوين رحباني، وكان يسخر من هذا التراث سخريةً عالية النبرة عميقة المعنى والدلالة.

2

في هذا السياق، ماذا فعلت الأحزاب الوطنيةُ للوطن؟ وهي أحزابٌ ليست نخبويةً أو ساكنةً في البرج العاجي الذي نسأل بسخرية حوله: من كم طابق مؤلف هذا البرج، بل هي أحزابٌ نشأت في مسار علاقة شعبية مع أفكار النضال والتحرر والاستقلال والأممية واليسارية والدينية... الخ.

 الأحزاب هي تعبيرٌ سياسيّ عن الجماعات البشرية التي تنشأ فيها، أو في أجزاء منها. كانت هذه الأحزابُ إضافةً لذلك مرتبطةً بمرجعيتها الفكرية بثقافات مراكز القوى السياسية والاقتصادية في العالم، ولاسيما الأحزاب اليسارية، وفي ظلّ النظرية الشيوعية غاب مفهوم الوطن أكثر، لأن المجتمع الشيوعي مجتمعٌ عالميّ أمميّ، وليس وطنيّاً، وليس هناك نضال من أجل تحقيق دولة وطنية.

الأحزاب الدينيةُ (وللتحديد: الإسلامية) التي دارت حول مفهومات شبه مستنسخة، لا وطن عندها أيضاً، بل هناك (أمّة) افترقت عن منهاجها الربانيّ وعلى هذه الأحزاب أن تعيد هذه الأمةَ إلى رشدها. بل كان طموح الكثيرين هداية العالم الجاهلي المعاصر وإنقاذه.

أصحاب أحزاب النظرية القومية العربية، تشابهوا في فكرة الأمة مع الأحزاب الإسلامية، فابتكرت نظرية الأمة العربية الواحدة التي تتطابق في الجوهر مع الأمة الإسلامية، وحتى الآن لا أحد يعرف بالاختبار الواقعي ما هي هذه الأمة العربية الواحدة، أو ما هو هذا الوطن العربي المنسجم الواحد.

3

لا أجد معضلةً محرجةً في أن أرى أن الحزب الوحيد الذي كان يبني مفهوماً تاريخيا وفكريا وفلسفيّا للوطن، هو "الحزب السوري القوميّ" كما أسّسه وأعلنه أنطون سعادة، وليس كما تمظهر في مكاتب الأحزاب فيما بعد. لذا فالحديث هنا عن نظرية سعادة تحديداً، كمفكر. ولستُ مسؤولاً عن تسطيح نظريته لدى أحزابه.

حملت نظريته ملامح أكثر واقعية وانسجاماً مع التاريخ والجغرافيا، لصورة وطنٍ سوريّ ممكنٍ. ومع قراءة لواقع الحال في الجماعات العربية المبعثرة من عُمان حتى مراكش، نرى أن نظريته هي الأقربُ لمنطق الجماعات البشرية وتكتلاتها وفق قوانين أو أنساقٍ ما.

لا أرى في الوقت نفسه نظريته مثاليةً منزّهةً ومحميّةً من الخطل، أو غير قابلة للنقد والتحليل والاعتراض، على العكس من هذا، فهي قد تنمو وتتطور وتتّضح اكثر، من خلال قراءتها ونقدها. ولا يعتقد أحدٌ أنني منتسب لأي حزب سوري قوميّ، فكلامي كما قلتُ متعلق بأنطون سعادة وحده، سواء أسّس حزباً أم لم يؤسّس. إذاً هذا الكلام ليس غزلاً لأي كيان سياسيّ منهم، بل أنا أحمل موقفاً رافضا لجميعهم، موقفاً من انتهازيتهم وتبعيتهم للسلطات الحاكمة، وتسويغ ديكتاتورية هذه السلطات وعسفها وجرائمها.

4

في هذه الوضعية السالفة، تبعثرت معاني الوطن فيما بين أتباع الأحزاب، وبقيت فكرة الوطن غائمةً متفلّتةً من التعيين الواقعي، وبدل أن تتنافس الأحزاب فيما بينها من أجل الصراع المثمر على معنى الوطن، ضيّق كل حزبٍ فضاءه، ورفع أسواره، وانقلب الصراع على معنى الوطن إلى صراعٍ على مكاسب حزبية ومناصب ووظائف وأرصدة ووفود إلى الخارج. وبقي الوطنُ ينتظر من يضيء معناه، ومن يوفده إلى الداخل...