من نافذتي – حارسة الذكريات

ندى عيد قرأها 754

من نافذتي – حارسة الذكريات 

حارسة الذكريات

جلس الصغيران في زاوية المعلب.

استراحة الغداء تتسع لتناول الطعام واللعب، وإشباع الفضول.

ملعب المدرسة مزنّر بالأشجار.

 يومها كانت مدارس بيروت مبانٍ منثورة بخجل بين بساتين الزيتون والليمون والصنوبر.

عند تخوم الملعب مدّت نبتات الصنوبر رأسها صوب الأعلى، صوب الضوء، صوب الحياة..

عايْنَها الصبيّان، وانتظرا نهاية اليوم المدرسيّ الطويل عند الرابعة بعد الظهر.

عقدا العزم على أخذها معهما إلى البيت.

اعتنى الوالد بما حمله الصغيران. جهّز "تنكة" الحليب الفارغة والتراب. صار للصنوبرة الصغيرة مكان إقامة مؤقت بانتظار اليوم الموعود.

مضت الأيّام والأسابيع والصغيران ينتظران بحُرقةِ الموعود بدء الصيف، والانتقال إلى الجبل.

***

استراحت الصنوبرة في بستان بيت الجبل. أصبحت من أبرز معالمه.

لم يَطُلْ انتظار الصغيرين ليعلقا فيها المرجوحة وليجعلاها شريكة في غالبية ألعابهما.

كَبِرَ الصغيران. تركا الصنوبرة والأهل والبيت. سافرا سعيًا وراء رزقٍ وبناءً لمستقبل أفضل.

عاشت الصنوبرة البردَ والثلجَ والرياح. واجهت الحرب والقصف وكلّ ما عصف بأهل البيت...

مضت السنوات رمشة عين.

ستون عامًا والصنوبرة تظلّل البستان بوقارها وحكمتها، وتغضُّ الطرف عن كلّ حزن جديد، وعن كلّ غياب جديد..

وقف الرجلان في الشرفة يتذكران حكاية الصنوبرة.

سَكَتَ أحدهما فجأة، التفتَ حوله..

غرق في صمته مدركًا:

السنوات تكدّست بعلو الصنوبرة صارت.. مَنْ كان يتحدّث إليه، ويسامره رحل هو أيضًا، تاركًا الحنين والذكريات... والصنوبرة شاهدة عليها.. عليهما!

***