في أمسية نزيه أبو عفش: على إيقاع حزنك نمضي
عباده تقلا *
قبل أكثر من ست سنوات، وفي طريق عودتي من مدينة جبلة، حيث كنت أؤدي خدمتي الإلزامية، وقعت على مقاطع شعرية لنزيه أبو عفش منشورة في جريدة الوحدة.
كانت تلك المقاطع أشبه باللقاء الأول والمتأخر جداً مع شعر نزيه أبو عفش، لكنها في الوقت ذاته كانت أشبه بمعادل شعري للحالة أو المرحلة التي كنت أعيشها: لاتتركيني، كحارس على مهجع جنود موتى.
انتفض قلبي عند قراءة هذه الكلمات، فصباح اليوم كان دوري في حراسة المهجع... كان فارغاً، صامتاً، أشبه ما يكون محتضناً أمواته
الخوف خطيئة
الخوف مقبرة العالم
هنا تكمن المشكلة، فكلما قررت عدم معاودة ارتكاب تلك الخطيئة، رأيتني وقد عدت لأدفن رأسي في رمل مقابرها.
هذا ما كنت أردِّده، مع كل إعادة لقراءة المقاطع، طوال الطريق الممتدة من جبلة إلى دمشق.
بعد أيام قليلة بدأت رحلتي مع شعر نزيه أبو عفش، وكانت البداية مع مجموعته (ما يشبه كلاماً أخيراً) التي تحتفظ ذاكرتي بالكثير من قصائدها، وتحديداً قصيدته عن أم تدّخر لأجلنا الأرغفة والقبل والدموع، وندخر لها الأنين
وما تخلفه الوحشة من حطام القصائد. مروراً بتجربته التكثيفية المميزة من خلال القصيدة اللقطة في مجموعة (الله يبكي):
تحت نعلك زهرتي وقلبي
مع ذلك أنا الذي يقول لك عفواً
وأنت تقول: قلبك أعمى.
وأخيراً مع مجموعة (أهل التابوت)، وهذه الخاتمة المؤثرة لقصيدة أحزان أخرى:
صدقني السعادة.. حزن.. أخضر
لكن اللقاء مع نزيه أبو عفش وهو يلقي قصائده، لم يُتَحْ لي إلا قبل أيام قليلة، وتحديداً في الأمسية التي أقامها الشاعر ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الثاني لطلبة الجولان السوري المحتل، على مسرح كلية الفنون الجميلة في دمشق.
قبل الأمسية، كنا مع عرض فيلم (جنين) للمخرج الفلسطيني محمد البكري، وقد شهد الفيلم إقبالاً كبيراً من جمهور الطلاب. وفي الوقت الفاصل بين انتهاء الفيلم وبدء الأمسية كان نزيه أبو عفش بابتسامته الوادعة وهدوئه الساحر يوقع الإهداءات في معرض الكتاب المرافق للأسبوع.
تقلص عدد الجمهور الطلابي إلى النصف بعد انتهاء الفيلم، ولا نعلم ما إذا كان السبب يعود إلى توقيت الأمسية أم إلى نوعية الجمهور أم إلى شيء آخر..!؟
أشار نزيه أبو عفش عند بداية أمسيته إلى أنه سيحاول تنويع قراءاته لتشمل مراحل شعرية متعددة، وكانت البداية مع قصيدة (ما قبل الأسبرين).
لم يعر نزيه أبو عفش بالاً إلى الضجيج الصادر عن الحضور في سباقهم لالتقاط صورة له.. كان متوحداً مع قصيدته، يلقيها بل يرتلها وكأنه يلتقيها للمرة الأولى.
فكرالألم
فتكتشف اللغة الرسمية
لجدنا العظيم:الله
ويتابع الشاعر، ليطل الموت الحاضر دائماً في شعره، وتنتصب برغم ثقل السنوات الأم التي طلب منا ألا نصدق أنها عاشت أو تعيش حياتها، وتخلق في دواخلنا شهوة للحزن، ذلك الحزن الذي أراه أجمل وأكثر إغراء من أي فرح غبي قد يصادفنا.
يعيش نزيه أبو عفش على طريقة الممثل المسرحي، فيرفع كأس الماء الموجودة أمامه عندما يقول: "أرفع كأسي كي أشرب في صحة نفسي".
ويمر بأصابعه على لحيته عندما يأتي على ذكر اللحية البيضاء
ويتجه بناظريه نحو الباب يرسم الدقات بيديه عندما يتحدث عن ضيف وراء الباب.
في قصيدته إلى ابنه كنان، يوقظ في دواخلنا التفكير في علاقتنا مع آبائنا، يجعلنا نشعر بالرغبة أن نعود مسرعين إلى بيوتنا فور انتهاء الأمسية، لنكمل السهرة مع ذلك الرجل المزروع فينا والمتفرعين منه.
عند نهاية الأمسية تسلم نزيه أبو عفش درع الأسبوع الثقافي.
نزيه أبو عفش الذي يحب أن يكتب بالحبر الأسود، كما وصلنا من إحدى قصائده، ربما ليستمد منه الحزن والحكمة، تركنا بعد انتهاء أمسيته في حالة مشابهة لما قالته المغنية شيلا: (المهم أن تجعل الآخر يتغير، ينقلب على نفسه، ينطفئ، يشتعل، يذوب..ثم يرتدي معطفه، ويسير وحيداً تحت المطر).