عندما يرثون غسان تويني
كما قلت في حوار لي في جريدة "النهار" سابقا ً، سنة 1993، اني أتذكر "النهار" منذ طفولتي، وهي الجريدة الوحيدة التي كانت تدخل بيتنا. كانت كل يوم حاضرة أمام ناظريّ، يأتي والدي بها الى البيت ليقرأها. اضافة، أذكر الإذاعات على الراديو التي كان يستمع اليها وكان شغوفا ً بالسياسة وبقضاياها. كنت في صغري، ولا أزال اتذكر كل هذه الأسماء، أسماء الإذاعات ليلا ً تتناهى الى مسمعي لا اراديا ً، والأصوات القادمة من الراديو، إذ كانت تلك أيام الراديو لا ايام التلفزيون بعد، والأخير كان في بداياته وأخباره في ساعة محددة مساءً فقط، وليس فيه سوى قناة واحدة. أما "النهار"، فأذكر منها صورة الديك برأسه الكبير محاطا ً بأحرف سوداء تبدأ كبيرة (المانشيتات) وتنتهي صغيرة (الخبر). أذكر الصفحة الأولى فقط إذ لم أكن اعرف قراءة الجرائد بطبيعة الحال وأنا في تلك السن المبكرة. ثم في مراهقتي وبعدها بقليل أخذ والدي يحاول تعليمي قراءة الجريدة، لكني لم أنجذب اليها لأني لم افهم لماذا كانوا يقطعون النص (كان نصا ً بالنسبة اليّ في ذلك الحين وليس مقالا ً او خبرا ً) قبل ان ينتهي وعلينا التفتيش عن بقيته في صفحات أخرى. لكن هكذا اعتدت على رؤية "النهار" يوميا ً وهكذا اعتدتُ منذ صغري على ان أسمع بالشهير غسان تويني وكان اسمه على ألسن الجميع وفي مناسبات عدة، كما أذكر أخبار الشاعرة الراحلة ناديا تويني، أخبار مرضها وعلاجاتها في الخارج وعودتها الى بيروت مراراً وتكراراً وتُلتقط لها صور بالأبيض والأسود في مطار بيروت. هكذا ارتسمت في مخيلتي الصغيرة قصة "النهار" وعميدها كما أخبار زوجته. بل هكذا ارتسمت في مخيلتي الصحافة، وكلها اقتصرت عندي في جريدة كبرى اسمها "النهار" في تبويباتها الجميلة والواضحة وذات الأحرف الأنيقة. ثم كان أن دخلتُ الى الجسم الصحافي، وبدأت مشواري في الصفحة الثقافية في "النهار" منذ منتصف الثمانينات مع أب الصحافة الثقافية العربية الحديثة، الشاعر الكبير شوقي أبي شقرا.
ورأيت اليوم غسان تويني ذاهبا ً الى مثواه الأخير، تاركا ً وراءه ذاكرة في كل واحد منا، حتى في أولئك الذين استعملوا يوم رثائه لأغراض أخرى. لن ارثيك استاذ غسان (هكذا كنت أناديك)، ولن أكرر كلمات باتت معروفة، وأتى بعضها عند البعض وسيلة لمديح الذات. لن اكرر الرثاء ورصف المزايا كما يفعل كل من أحبك من جهة وأذاك من جهة أخرى. لا، بل سأسرد لك كيف في غيابك كثر الرياء وكثرت النرجسيات والتزاحم على تبييض الوجه. فهذا الذي دللته مثلا ً ووضعتَ قبل سنوات بين يديه مسؤولية كبرى في الجريدة، هذا كتب عن ذاته يوم متّ أنت، وهكذا فعل عندما مات فؤاد رفقة. ثم أعطى لنفسه كل الأدوار المهمة في "النهار" من حقيقية ووهمية، ذاكرا ً من بينها أدواره السلبية فيها.
ففي "رثائه" المزعوم لك، يبوح بذنبه (وذنوبه عديدة) قائلا ً انه هو الذي أبعد عنك محبيك من كتاب وشعراء وغيرهم، عاملا ً وقتها، ايام مجده في "النهار"، على إقناعك ضدهم بأساليبه الخاصة والسلبية، وذلك لصالحه وأنانيته ؟! قال ما كنا دائما ً نعرفه ونلمسه جراء ملاحظاتنا. وها هو يطلق السر ويخرجه من جوفه، من باطنيته! هو الذي أقنعك ضد أناس كثر ومنهم ممن هم مهمون جدا ً، ممن أعطوا روحهم وأيامهم للجريدة. هو الذي أقنعك ضد كثيرين ومن بينهم نحن! نعم، نحن. اللعبة كانت مكشوفة منذ البداية. ألم يبعدك عنا، ولدك المدلل هذا، والذي تقاضى رواتب عالية من أجل ساعتي حضور في الجريدة، ساعتان فقط، للذبذبة والتضليل. أولم يبعدك عنا بعد ان رأى اهتمامك بنا في كل مناسبة كتابية وصحافية ؟! أبعدك عنا يا استاذ غسان وأقنعك بغيرنا لصالحه ولأسبابه الشخصية الضيقة، ولو على حساب المستوى المفترض.
وبعد، فموظفك المدلل ذاك، الذي أخذ هذه المهنة او هذا المنبر بالوراثة، رثاك أمس ليمدح ذاته وليقول ما معناه انه كان عمود الجريدة الفقري (هيهات)، وينهي مرثيته بضربة سهم في قلبك الجريح، ليقول ما معناه ان القدر انتقم منك (له!). متى سيتوب اولئك عن كل ما فعلوه بك وبنا. اقول بك، لأنهم أبعدوا عنك الناس الذين كنتَ بحاجة الى محبتهم الصافية والى عملهم النقي، وهم النشيطون الصادقون الدؤوبون وخصوصا ً المبدعون، والذين فقط أرادوا مصلحة الجريدة لا مصلحتهم الشخصية. أتذكر كيف كنت يا استاذنا تعطيني بعض الملاحظات في مبادىء الكتابة الصحافية وأشياء أخرى ذات صلة، اتذكر كيف كنت تهتم بعملي. أتذكر كيف قاموا بالمستحيل ليغيروا رأيك فينا، كيف كانوا حريصين على إبعادنا عن دائرتك. كنا نزعجهم. أتذكر يوم تغديتُ عندكم في بيت مري برفقة شادية الرائعة وبحضور زوجة أحد سفراء ألمانيا السابقين. كذلك أتذكر عدة لقاءات معك حول مناسبات صحافية تخص الجريدة. أتذكر يوم لقائنا في مكتبك مع شاعر فرنسي، وقال لي ذلك الشاعر لدى مغادرتنا مكتبك، انه لاحظ فيك ندما ً ما لأنك لم تصبح شاعرا ً على غرارنا.
أزعجناهم، بل خافوا، فأبعدوك عنا.
غسان تويني لن تتكرر، أنت الظاهرة الثقافية والصحافية التي لن تحدث مرة أخرى. انك تاريخ الصحافة العربية وتاريخ ثقافة وطن بأكمله. كانت اهتماماتك شاسعة ومتشعبة ومتنوعة، تبدأ بالسياسة وتمر بالأدب والشعر والفلسفة والتاريخ، وصولا ً الى أركيولوجيا بيروت الأثارات، بيروت القديمة، التاريخية، العريقة، التي أعطيتها الكثير منك.