تابوكي الإيطالي أو البرتغالي؟!

صباح زوين قرأها 922

تابوكي الإيطالي أو البرتغالي؟! 

قرأت أنطونيو تابوكي مرتين فحسب. مرة في روايته "سوستييني بيريرا" ومرة في "لا تيستا بيردوتا دي داماسينو مونتيرو". قرأت الروايتين بالإيطالية، في اللغة الأصلية التي استعملها الكاتب، لغته الأم. أحببت منذ ذلك الوقت تابوكي. أحببت لغته. لا تعنيني تطلعاته اليسارية ولا انتقاداته لبرلوسكوني، ولا مآخذه السياسية الكثيرة ضد سالازار الديكتاتور البرتغالي. أحببته بسبب لغته السلسة ونسيج رواياته الجذاب والحبكات التي توقظ كل اهتمام القارىء. يقرأه المرء بعفوية ولا يحب ان تنتهي القراءة. هذا ما حدث معي.

أما ما يحدث دائماً معي أيضاً، هو أني أخلط لا إرادياً بين جنسيته الإيطالية وبين جنسية شخوص رواياته البرتغالية! كلما كنت أقرأه كنت انسى أنه إيطالي وكان عليّ كل مرة أن اذكر نفسي بأنه غير برتغالي. تغلغل الى درجة قصوى في الحياة البرتغالية، وهو أقام في البرتغال مرات عدة في شبابه ومؤخراً، وتالياً كتب الكثير حول الحياة البرتغالية وحول شاعرها العالمي فرناندو بيسوا رغم اني قرأت الرواية حول الأخير بقلم جوزيه ساراماغو الكاتب البرتغالي الجدير تحت عنوان "السنة التي توفى فيها ريكاردو ريس". إذاً عندما اقرأ تابوكي لا يمكنني أن اتذكر انه ايطالي سوى بعد تفكير متعمد او بعد انتهائي من الرواية، وذلك رغم اني اقرأ بلغته الأم الإيطالية!

فأثناء قراءتي الرواية، أشعر وكأني إزاء كاتب برتغالي يكتب عن برتغاله، عن بلده "الأم" البرتغال، عن ذكريات طفولة وشباب وما شابه. أنسى اني لست إزاء فرناندو بيسوا ولا إزاء جوزيه ساراماغو ولا إزاء انطونيو لوبو انتونيس. لهذا فهو يضاهي البرتغاليين برتغاليةً، في الدخول الى أدق تفاصيال الحياة البرتغالية التي لا يمكنها سوى أن تشدني اليها وقد زرت البرتغال أكثر من مرة وتعرفت الى اكثر من مدينة فيها. بالمناسبة، لا أزال أفضل ايطاليا حياةً ونمطاً ولغة على تلك البرتغالية منها، فأقف بإعجاب أمام كاتب ايطالي يعشق البرتغال الى هذه الدرجة، ولكنت فهمت هذا العشق لو أتى من كاتب ألماني مشتاق الشمس والحياة الدافئة انسانياً المفعمة حباً للسهر والأكل والبسط. قد أفهم هذا العشق لو أتى من قبل كاتب انكليزي أو سويدي مثلاً. إلا أن عشق تابوكي ربما كان سببه سياسياً وربما شخصياً أيضاً. ولا يهم. ما يهم هو جودة كتابته، عظمة رواياته. قد تكون عظيمة بالنسبة الى الآخرين سياسياً فحسب. أما أنا فأضع جانباً توجهاته الإيديولوجية وأمدح لغته الصرفة.

ذهب باكراً جداً أنطونيو تابوكي، لكنه ترك وراءه إرثاً غنياً.