تنورة ماكسي
شاهدتُ مصادفة قبل أيام على التلفزيون برنامج الإعلامي المعروف طوني خليفة الذي أثار موضوع فيلم اللبناني جو بوعيد. على أثر هذا البرنامج رحت الى أقرب سينما قرب منزلي وشاهدت الفيلم. لا بد أن هذا العمل ركيك إخراجاً وتصويراً مع استعادات لمشاهد تأثر بها من نادين لبكي حيث يكفي مشهد السكر لنتف وبر السيقان، ومشهد الكنائس والجماعات القروية و"طبيعية" الحركة والكلام، لكن الى درجة الابتذال السخيف عند بوعيد في الشتائم، بل حيث قلة كلام وكثرة شتائم. والمخرج أفاد أيضاً ولا شك من السينما الغربية لكن من دون التركيز على أسلوب واحد إنما كأنه نتش من هنا وهناك كيفما اتفق. التصوير مضجر الى حدٍّ لا يطاق. تقف الكاميرات دهراً على الوجه او على المشهد ولا تبارح، وكل هذا في غياب الفن التصويري السينمائي العميق خلافاً لأفلام غربية عملاقة في بطء كاميراتها!! كاميرا فارغة شكلاً ومضموناً، ثم فراغها آتٍ أيضا ليس فقط من ركاكة التصوير والمعنى لكن من الفجوات الصامتة الى ما لا نهاية. ليته كان فيلماً من نوع السينما الصامتة لكنا استمتعنا به أكثر! فيلم ليس عنده ما يقوله سوى بثّ بهلوانات "أنتي- يمين" و"أنتي- كنيسة" كما بدا واضحاً: قناني لا تحصى من النبيذ، وفارغة، على طاولة عشاء الرهبان (أراد المخرج الفذ أن يرينا بطريقة "غير مباشرة" ان الرهبان يسكرون). ثم ممارسة الجنس والإغراء في قلب الكنيسة والدير. كما اشرتُ أكثر من مرة سابقاً، اليَسار الغربي وما شابهه في بلداننا يستمد الحق (لست أعرف من أين، ربما هو حق إلهي لأنه جداً تسلطي!) بأن يسخر كيفما شاء من الرموز المسيحية والمسيحية فحسب! فأعتقد أن العلمانية يجب ان تكون علمانية في كل الأديان وليس فقط على حساب المعتقد المسيحي وأتباع هذا المعتقد. وبالمناسبة، لنا مثال على ذلك، وهو بعض المظاهرات التي يدعو اليها أنصار العلمانية في بيروت وعلى الأرجح كما أعرف، فإن وراء هذه الحركة "البريئة" منظمات أجنبية غير حكومية وثمة إحداها تشجع على العلمانية من جهة، بينما أرباب هذه المنظمة من جهة أخرى هم أشدّ المناصرين لحزب متطرف مذهبي في لبنان!! لنا مثال آخر في هذا المجال، وجود زياد الرحباني في الصفوف الأولى في مهرجان لحزب لله! فأين علمانية ويسارية هذا العلماني الشهير؟ أم فقط نكون يساريين على المسيحية؟! وثمة أمثلة كثيرة قد تطول لائحتها ويكفينا هذا النموذجان.
إذاً صورة مشهوّهة أطلقها بوعيد إذ صوّر الواقع اللبناني من زاوية واحدة وجامدة، كما صورة بطرس حرب التي أساساً كانت جزءاً من حركة لم ينهها المصوّر الفوتوغرافي وهي ان حرب كان في الواقع يهمّ بالجلوس كما رأينا في الفيلم الكامل على التلفزيون، بل كان يهمّ بالجلوس قبل السفيرة وقبل فيلتمان ذاته! في حين ان الصورة الجامدة أوحت بالشيء النقيض. وأعود الى فيلم "تنورة ماكسي" لأقول في المجال ذاته الكامن في التصوير: كان يمكن جو بوعيد مثلاً ألا يشوّه الرسالة التي أراد إبلاغنا إياها، فكما صوّر القبلة تحت الشجرة، كان يمكنه أن يجعل العشيقين يتجامعان أيضاً تحت الشجرة وليس في قلب الدير. وصورٌ أخرى شوّهت كذلك ما "تمناه" وناقضت ما قاله في منشوره.
إذاً، لماذا أصرّ جو بوعيد في هذا المنشور الصغير الذي يوزَع في السينما، على ان يقول انه يحترم الكنيسة الخ الخ ومع ذلك عمل في فيلمه على عكس ما يقول. فيفسر لنا انه لجأ الى هذا التصوير من أجل حبكة القصة! كأن الحبكة لا تنجح سوى بهذه الطريقة الرخيصة! وأبشع ما يمكن أن يقوله وهو عذر أقبح من ذنب، عندما يشرح في هذا المنشور بالذات ان المرأة هي تمثيل للشر او هذا ما معناه عندما يكتب: "(...) خطايا المرأة بغية ايقاعه في التجربة"!!. آمل لجو عيد ألا يقع في براثن الفيمينستيات الشرسات! في أي حال لم ينجح المخرج في إبلاغنا رسالته. هو أراد أن يرينا الشر من الخير لكننا لم نرَ سوى الشر الكامن في الدير وفي قلب المرأة. في جميع الأحوال: لم يكن مضطراً بوعيد الى مناشير ليشرح احترامه للكنيسة وهو حرّ في خياراته كما كل واحد منا، لكن ما هو مطلوب، أن يكون أكثر انسجاماً مع ما يفعله ويقوله.
من ناحية أخرى: لماذا فيلم "شو صار" لديغول عيد مُنع بحجة انه يمس بالسلم الأهلي ولذلك لم نرَه، ولماذا فيلم جو بوعيد لا يمس بالسلم الأهلي رغم انه ينطوي على مشاهد تثير نعرات طائفية ومذهبية نحن بغنى عنها؟! سؤال يطرح لربما استفاقت الرقابة من تناقضاتها الكثيرة.