ولا يستحون
غالباً ما يشكو العرب من عدم مواكبتهم التاريخ، من خروجهم عنه، يشكون من الإهمال والتهميش، يبكون على مصيرهم وعلى ما آلت اليه أحوالهم، يشعرون بالغبن كما بالعنصرية الغربية المتفوقة ضدهم وأشياء أخرى. لكن لو رأوا ما حولهم من أنظمة فاسدة وباطشة ومتخلفة، لفهموا السبب ولبدأوا بالنقد الذاتي. يكفي أن ننظر الى الأنظمة المعيبة التي لا تزال تحكم شعوبا ً بأكملها، تبطش بالملايين منها وتدوسها بجزماتها وتقتلها بأسلحتها الفتاكة وتحاصرها وتقوم بهجمات عسكرية ضدها وكأن تلك الشعوب في نظر حكامها هي العدو بعينه. أنظمة تدوس على حياة وكرامة الشعوب وما من يقظة ضمير ولا احترام لإرادة شعب يطالب بما هو حقه المشروع.
كيف يمكن الطغاة أن يواصلوا ممارسة سياسة الوقاحة والحماقة معاً، في القرن الحادي والعشرين، سياسة العبودية بامتياز، حيث الشعب برمته عبدٌ مطيع لبطش الحاكم الواحد الأوحد الأبدي الأزلي وما من سواه؟
كيف لا يخجل الطغاة، هم وعائلاتهم، أن يجعلوا المسافة شاسعة بينهم وبين شعبهم، حيث لا حوار ولا تبادل آراء ولا تبادل احترام، حيث نمط حياة أولئك يبعد مئات السنوات عن شعبهم الذي لا يزال في معظمه يعيش ليس فقط في الفقر المدقع، إنما أسوأ من ذلك، في الجهل، في غيبوبة قرون غابرة. فالحاكم الذي يحترم نفسه، أقله، يتناسق على كل الأصعدة إلى حد ما، حياتياً واجتماعياً، مع نمط شعبه. أما ما عندنا في البلدان العربية فمن ضروب الخيال، من ضروب السريالية، وهيهات أن تكون "الف ليلة وليلة" ضاربت عليهم في الفانتازيا.
فأولئك الطغاة الخارجون عن كل العصور، كيف لا يخجلون من أنفسهم عندما يرون أنهم حكام على بشر لا يتساوون معهم في كل مظاهر الحياة الحديثة؟ كيف لا يستحي اولئك من أن يكونوا حكاماً على شعب لا يحترمونه لا من قريب ولا من بعيد؟ كيف يمكنهم أن يشبّهوا أنفسهم تارة ببريطانيا وطوراً بالنمسا، متناسين أن تلك البلدان هي في خدمة الشعب أولاً وآخراً، متناسين أيضاً، وهذا هو الأهم، أن أي خطأ بسيط يرتكبه مسؤول سياسي في الغرب، سرعان ما يقدم هذا المسؤول استقالته الى غير رجعة، حيث لا القانون يرحم ولا الصحافة ولا صوت الشعب. أما عندنا فيمكن المسؤول (وهو غير مسؤول في هذه الحالات) السياسي أن يقوم بأفظع الجرائم وأشنع الأخطاء، فلا يستقيل ولا يتنحى، بل أكثر من ذلك، يزيد بطشاً وشراسة وعنفاً لإسكات صوت من يطالبه بأن "يحلّ عنه" ويتركه وشأنه، يتركه بسلام.
يشكو العرب من أنهم خارج التاريخ، لكنهم هم، أي حكامهم، مَن أخرجوا أنفسهم وشعوبهم من سكة التاريخ ليدخلوا أقانيم الزمن المحنط. وأكثر ما يدعو الى الإستغراب، هو أن الشعب لا يريد سوى الحرية، ويطالب حاكمه بشيء منها، ويدعوه الى التفهم، ويتظاهر ضد الظلم، ويفدي بحياته، بينما الحاكم يتشبّث بسلطته ويخرّب ما يخرّبه، فقط من أجل أن يبقى حاكماً في مجاهل التاريخ، كي يصبح مسخرة ليس إلا.