بيروت في صور من الماضي
وصلتني من أحد الأصدقاء قبل أيام، عبر الإيمايل، صور قديمة جداً، من نوع صور السيبيا، بالبني والأبيض، صور عن بيروت في بداية القرن العشرين، وتحديداً بين 1900 و1945، مروراً ب 1920 و1930!! نظرت بحب كبير الى تلك الصور، ليس لشيء سوى لأنها أخذتني الى حنين الماضي. صحيح أني لم أعرفه ذلك الماضي، لكني كم رغبت في أن أكون رأيته حقاً، لأني أتخيل أن بيروت كانت أصلاً في ذلك الوقت المبكر قرية ساحلية أليفة ببيوتها الجميلة ذات السطوح القرميد، بيروت القرية البحرية الهادئة والمنعش هواء شواطئها واللطيفة بابتسامة شمسها البراقة فوق خضرة شجر بساتينها او الأحرى أحراجها، تلك الأحراج التي تكوّنت من الصنوبر بشكل خاص وبأشجار وارفة أخرى أيضاً، كما تريني الصور، وكما يخبرني سكان المنطقة القدامى. لم تكن بيروت قاحلة كما اليوم.
رأيت ساحة البرج، وتلك عرفتها قبل الحرب وكنت في مراهقتي الأولى، أرى تلك الساحة في الصورة اليوم بعين نوستالجية، وصور أخرى كثيرة لبيروت عن فترة ما قبل ولادتي بكثير، كانت فارغة من الناس ومن السيارات. فأنا عرفتها في عجقتها، حيث الضجة كانت تختلط بالصخب على أنواعه. مع ذلك، تلك البيروت التي عرفتها والتي لا علاقة لي بها سوى من بعض مروري الاضطراري بها في تلك الآونة، بقيت جميلة في ذاكرتي، ربما لأنها ذكرى وكل ذكرى تصبح رائعة. فكيف الحري ببيروت 1900 او 1920، ويا له من مشهد مؤثر. مؤثر لأني اكتشفت في الصور هذه، المدينة التي كانت ولم تعد. المدينة التي لم أعرفها في براءتها وعرفتها من ثم في فوضاها وعجرفتها وحروبها. آسفة لأني لم أعش فترة بيروت الأليفة والمتواضعة. وأقول بيروت لأشمل ما شملته مجموعة الصور تلك: من الأشرفية جهة حي سرسق حيث فقط هذا الحي وشجر الصنوبر حسب الصور، بعيداً عن هول البنايات الإسمنتية الطويلة والمخيفة والغريبة وذات القياسات غير البشرية، ثم جهة الأشرفية حيث كان أوتيل ديو بمثابة "ثكنة" كما أتت التسمية في أسفل الصورة، ولا يحيطها اي شيء إطلاقاً، سوى فسحات واسعة من الأرض الخالية من أي عمارة ومن أي شارع وأي سيارة! لم أصدق ما رأيته. الآن نحتاج الى طوافة لتقلنا من بيوتنا الى "أوتيل ديو" بسبب الزحمة المقيتة. كما رأيت المرفأ الهنيء ولا باطون يحيطه ولا سيارات، وكذلك سكة الترامواي على طريق الجامعة الأميركية، كذلك طريق المطار الواضحة الشفافة المسالمة والنظيفة حيث الطمأنينة التامة! الخ الخ.
فقط للنوستالجيا، لا لأي سبب آخر، أحببت هذه الصور. لم أنشأ في بيروت ولم تعنِ لي بيروت الكثير، خصوصاً أيام الحرب الطويلة، لأني لم أكن أعرفها، بل لأن بيروت أيام الحرب تسيّست كثيراً ولم أتمكن من الانسجام معها او مع فكرتها. كانت مدينة غريبة عني في فترة الحرب إذاً، بل كنت بعيدة عنها فكرياً وعاطفياً لأنها لم تكن تمتُّ اليّ بصلة، سوى أن لي منها صوراً أخرى، صوراً قديمة من أرشيف العائلة. منها صورة بالأبيض والأسود وأنا على ذراع والدتي وكانت الأخيرة جديدة العهد في لبنان. أما الصور الأخرى فنسجتُها في مخيلتي عندما سمّاها والدي "بيروت الحبيبة" في إحدى رسائله الى الأقارب وهو في بلاد الغربة، تلك البيروت حيث قاد هو مرّةً مظاهرة شبابية سياسية. لكن ثمة أيضاً صوراً أخرى بقيت في ذاكرتي ولكن من "تجربتي" أنا، عندما كنت أتردد مع والدي وأنا صغيرة الى صالات السينما في منطقة البرج: الريفولي والأمبير في الجميزة وغيرهما، وربما الروكسي ولست أكيدة، وفي ما بعد، في مراهقتي، الى صالات الحمرا قبل الحرب.
هذه هي بيروت في مخيلتي: خليط من الحنين الجميل ولو الضئيل، ومن الغربة الباردة في آن تجاهها، وقد أعادتني اليها هذه الصور عبر الإنترنت.
7 نيسان 2012