لم تعد الصحافة حكراً على أحد
لم تعد الصحافة حكراً على أحد - صباح زوين
وكأن أصبحت الصحافة الورقية اليوم في مواجهة مع نفسها، أي في مواجهة ازدواجية هي فيها منذ الآن فصاعداً، إذ هذه الصحافة تحوّلت من ورقية تقليدية الى إليكترونية افتراضية غير ملموسة رغم احتفاظها بهيأتها الورقية الملموسة، وتالياً فإن عقلية القارىء وتصرفه تغيّر ليتماشى هو مع هذه الحداثة الجديدة ويتأقلم معها، بل رأينا كيف أخذ يفرض نفسه هذا القارىء على هذه الصحافة بالذات، على نمطيتها، وكذلك على القارىء الآخر زميله، دون أن ننسى الأثر الذي يتركه في المقام الأول على مهنة الصحافة ذاتها، وتالياً على الصحفي الذي يعتاش من هذه المهنة ويكتب لصحافة ورقية مبدئياً، لكنه، أي الصحافي، يكتشف أنه كتب تلقائياً لصحافة افتراضية في الوقت ذاته. ومعنى ذلك ان الصحافة المكتوبة لم تعد مقتصرة على المحرر المهني او المحرر الموظف فحسب، بل تعدته لتشمل كل قارىء، أياً كان هذا الأخير، لكي يتحول تلقائياً هذا القارىء من قارىء تقليدي الى "محرر" - صحافي- وكاتب في آن معاً، وهكذا، يكون الأخير قد نقل الصحافة المكتوبة من مملكة مغلقة وخاصة بصحافييها المعتمدين لدى مؤسساتهم، الى ساحة مفتوحة على الجميع.
هذا ما نراه تماماً كل يوم، وفي كل جريدة، منذ عدة سنوات عند بعض الصحف، ومنذ فترة قريبة عند صحف أخرى التحقت بزميلاتها حتى أضحى الأمر شاملاً على كل الدوريات اليومية وسواها، لأقول إن الموجة اجتاحت الجميع ولا يمكن لأحد تجنبها. ففي هذا المجال، وتوضيحاً، رأينا كيف أن أسفل كل مقال تقريباً ثمة فسحة واسعة لآراء القراء ولتعليقاتهم (عندما نفتح الجريدة الكترونياً). وبدا لي، كما لأصدقائي الذين كنت أتحدث معهم حول هذا الموضوع، أن الصحافة أضحت مفتوحة وممكنة للجميع دون استثناء وبكل سهولة، وأصبحت شعبية. وأقصد بذلك أن كل انسان/قارىء استطاع ان يبرهن في مكان ما وإلى حد بعيد، انه صحافي لا يقل "مكانة" كلامية عن الصحافي الموظف في جريدته. فالآراء التي يعبّر عنها الصحافي المحرر "الرسمي"، ليست أكثر تفنناً أو أكثر جاذبية وعمقاً وجرأة وفصاحة من الآراء التي يبديها القارىء العابر في خانة التعليقات. وهذا يأخذنا مباشرة الى فكرة أن الصحافة لم تعد حكراً على أناس معيّنين أو استثنائيين، وأصبحت مفتوحة على كل من أحب أن يقول كلمته. وما ساعد على تطوير هذا الإنفتاح اللانهائي، إضافة الى الصحافة "الرسمية"، هو أيضاً وبشكل خاص المواقع الخاصة الإفتراضية كالفايسبوك والبلوغات والتويتر وما الى ذلك من فضاءات تستوعب الحريات التعبيرية والفكرية الى ما لا نهاية. فإضافة الى "محرري" الصحافة الورقية – الإلكترونية (لاحقاً)، أصبح عندنا محررو تلك المواقع للتواصل الإجتماعي مما ورد ذكره أعلاه وسواها التي تستوعب كميات هائلة من رسائل كلها أشبه بمقالات – زوايا فكرية - كتلك التي تصدر مطبوعة على ورق الجرائد التقليدية كل يوم.
فهل هذه الظاهرة العامة تشير الى تغيير ما في فكرة الصحافة عامة، الورقية التقليدية خاصة، بحيث انها ستفقد شيئاً من جاذبيتها وأهميتها لتحل محلها المواقع الإفتراضية التي نعرفها، وكذلك التي لا نعرفها بعد وقد تأتي شيئاً فشيئاً ضمن منظومة الإبتكارات الكثيرة والسريعة من هذا النوع ؟ وإذا كان أي قارىء قادراً على البرهنة أنه "صحافي" بطريقة أو بأخرى، وأنه يستطيع إبداء رأيه بجدارة لا تختلف عن تلك الذي يمتلكها الصحفي الموظف المتمرس، فأين أصبحت الحدود الفاصلة بين الصحافة واللاصحافة، بين الصحافة "الرسمية" وتلك الأكثر "شعبية" إذ مفتوحة على الجميع من دون استثناء، حتى أنه أضحى ممكناً لكل شخص أينما كان أن يفتح "جريدة" (موقع) خاصة به وينشر فيها ما شاء ولمن شاء، وأمثال ذلك : الجرائد الإليكترونية التي كثرت، والفايسبوكات المهنية، والبلوغات الشخصية.
ربما هكذا تولد امبراطوريات جديدة على حساب امبراطوريات عجوزة.