هل هناك من يسمع

تامر رسوق قرأها 595

مما لاشك فيه أننا نعيش واقعاً مختلفاً عمّا كان قائماً قبل بضعة أشهر. ولكن ما هو هذا الواقع وما الذي يميزه عن ما سبق؟ العالم كله يتطور ومجتمعاتنا العربية لا بدّ أن تسير في ركب التطور ولو تأخرت عنه.

 يواجهنا اليوم مصطلح سهل اللفظ وعر المسالك بمحتوىً خطير جداً إسمه {التغيير} الذي يحمل لنا في واقع ممارسته اليوم الكثير من المعاني التي تخفي خلفها تداعياتٌ غير واضحة المعالم. فمن يجزم أنه يدرك محاسن أو مخاطر هذه التداعيات لابد أنه من المنجمين..

نحن أمام مشهدٍ عربي متوازي الخطوط بغض النظر عن خصوصية كل دولة فلا أرى في هذه الخصوصيه شيئاً يتعلق بالشعب. قد تكون هذه خصوصية منحصرة ضمن االسلطات القائمه المتباينة المواقف من المواضيع القومية رغم تشابهها في أكثر الصفحات.
فلا بد لنا في هذه المرحلة أن نعرف ماذا نريد وماذا يجب أن يكون.
في الأزمة السورية ما زال الوقت متاحاً لكثير من القول والفعل إذا أردنا فعلاً الاستفادة مما حصل في تونس ومصرعلى وجه التحديد لأننا لاندرك إن كنّا في أفضل حال مما هو واقع في دولٍ أخرى. مع إحترامي لدماء جميع الشهداء التي سقطت في تونس ومصر والتحية الطيبه لأرواح جميع الشهداء اللذين سقطوا بطيب خاطر وهم يهتفون بإخلاص للحرية. ظناً منهم أنهم يعملون لخلاص شعوبهم ويقيمون ثوراتٍ بنّاءة. وبناءً على النتائج الظاهرة لا يمكننا القول أن ماحصل في مصر وتونس ثورات بالمعنى الحقيقي للكلمة. والخطأ كان قد بدأ عند بدايات الإحتجاج حين راحت الأصوات تتعالى من المحتجين ومن بعض القوى التي ليس لها حيثيات شعبية تؤهلها لقيادة ثورة اجتماعية بالتباهي بالعفوية الشعبية ولا بد للجميع أن يحترم هذه العفويه ويتوقف عندها.. ناسين أو متناسين أن العفوية لاتصنع ثورة فالثورة لا بد لها من قيادة وتنظيم وبرنامج محدد تلزم من يتقلد زمام الأمور تنفيذ مطالب الشعب.
والثورة الحقيقية تعني اقتلاع نظام سياسي واجتماعي وثقافي من جذوره وبناء نظام جديد يلبي الطموحات المتمثلة بالتغيير الصحيح الذي يجعل المجتمع يلتحق فعلاً بالركب الحضاري. .
ولكن ما حصل لم يكن كذلك فقد أطيح برأس النظام وبعض أزلامه مع بعض تعديلات دستورية متفاوتة. والتي يقوم بها أي انقلاب عسكري {والتاريخ يشهد} دون كل هذا الضجيج وكل هذه الدماء. ثورة شعبية بهذا الحجم كان لا بد لها أن تكافأ بنظام جديد يواكب الحداثة والتطور ويضمن حق المواطنة لكل فرد في المجتمع. فلو رجعنا بضعة وثلاثين عاماً لوجدنا هذه الثورات {مجازاً} مشابهة من حيث الشكل في حركتها الشعبية للثورة الإيرانية مع الاختلاف الكامل بنتائجها لأن الثورة في إيران سارت على برنامج واضح لمطالب الشعب وراء قيادة آمنت بها فتمكنت من إقتلاع النظام بكل ثقافاته من الجذور.. وهذا ما سقط من حسابات المنظرين للثورات العربية التي بدأت أصلاً بمطالب سقفها بعض الحريات ولم تحصل فعلاً على أكثر من ذلك رغم سقوط رأس النظام وكثير من الدماء وبقيت الأنظمة على حالها بقوة أكبر بسبب الدعم الشعبي الآني لها وتلملم نفسها بهدوء. فقد كان أكبر هم تلك القوى السياسية المدعية والمتآكلة متقوقعاً ضمن إطار يمكنها من الحصول على حصة من الكعكة في نهاية الأمر ضمن نفس النظام. ولا أستخف بما حصلت عليه هذه الشعوب إن قلت أن ما حصلت عليه لم يتجاوز المساحة التي مُنحت لاقتسام الحصص.
ورغم كل هذا الوضوح ما نزال في سورية خارج الخط البياني الصحيح فكلٌ يدفع بالكرة إلى ملعب الآخر. دون محاولة للحسابات الصحيحة لكيفية وقف نزيف الدم وحل الأزمة.
وأوجه هنا الإتهام للجميع فلو أراد أي منّا الوقوف مع السلطة وجلس أمام أي معارض لتمكن كل منهما من إيجاد الرد على كل حجة يطلقها الآخر والعكس بالعكس ولا نتيجة..
المؤامرة قائمة ولا أخشى من إطلاق هذا المصطلح بكل ما يحتوي عليه ولا أتحفظ. ومن حق حماة التحالف الإمبريالي أن يعملوا ما بوسعهم لحماية مشروعهم وتحقيق مصالح المؤسسات التي نصّبتهم أصلاً لهذا الغرض. دون المراهنة على وازع أخلاقي…
وهنا السؤال: هل يكفي أن نوصف الموقف ونكتفي بكشف خيوط مؤامرة واضحة ومتجددة ونتكلم عن نتائجها المدمرة ونشغل كل وقتنا بالحديث عن أصحاب النفوس الضعيفة المسخرين طاقاتهم البالية لتنفيذ المؤامرة لتحصيل بعض المصالح الضيقة؟
أم يكفي إبراز الأخطاء الحكومية والأمنية وشتمها والتحريض ضد السلطة وتشجييع الفتنة ونحن نرى الأرض تحترق.

وغبي وأعمى من يصدق أنه يمكنه السيطرة على الحريق إذا نفخ به ظناً منه بأن الحريق لن يطاله..