رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل -(49)-
.jpg)
تصرّ الذاكرة على حذف سطور من حياتنا تنتمي إلى "دائرة اليوم". وأحياناً تنثر غبار النسيان على فقرات قد تكون موجزة أو موسّعة من "دائرة الأمس".
على مائدة تتضوّر جوعاً تبدو أيّامنا أحياناً أشبه بطبق متنوّعٍ فيه نكهة من حقيقة ونكهة من ضياع، لمسة من خيال وأخرى من واقع.
أمّا يوميّات النسيان فأشبه بمسلسل في أجزاء، في كلّ حلقة منه قصة، وفي دوّامة التسلسل نختار بعضاً من أجزاء، نطلق العنان لمخيّلتنا ونستظل الحاضر بحثاً عن فكرة قد توضح المستقبل قبل أن يحلّ ضيفاً يعلن استحالة الحفاظ على أي الخيارات مُحَوِّلاً الحاضر الحيّ إلى ماضٍ ملتوي الذاكرة.
ترفض الأفكار التجمّع في ظلّ الموضوع الواحد. تتيه كطفل يتيم لم يرضَ باستقباله آخر المياتم المعترف بها، فقرّر أن يطرح سؤالاً يعرف مسبقاً عشوائية جوابه: ماذا يجدي إقفال نافذة الذكرى، والذكريات تطوف بحثاً عن أحلام جاهزة للاغتيال؟
لا شكّ في أنّ قانون الحماقات لا يخضع لأنظمة سبق إعدادها ودراستها وإصدارها. إنّه قانون حرّ، والانتماء إليه، أيضاً، قرار حرّ.
ها أنا أخلع ذاكرتي وأقفل نظري بحثاً عن رداء لا جيوب فيه تخفي معادلة النسيان، أعلن إقفال أدراج الريح وطرقات عبور الشمس، فتتربّع دفاتري على منصّة الجهل الأحمق.
تنتظر أوراقي منذ أجيال أن تنهمر عليها الكلمات لتتحوّل إلى بناء جديد في مدينة تهدّمت أبنيتها ولم يبقَ على مداخلها لاستقبال الوافدين إلاّ شواهد القبور. ولكن...
بشطحة قلم تحوّل عري التاريخ من أوراق تنتظر أخباراً زيّنت الماضي إلى شاهد على ما سيحدث لا الذي حدث.
هل يحقّ لنا تحويل دفاترنا إلى موقد نشعل فيه الذكريات حين تتكسّر الوقائع على حدود الهزائم المتكرّرة؟
أبنية الحزن المأهولة صارت أشبه بمدينة يحكمها ربيع دائم، فصل زهر مستمر يجعلها مكتظة بالسيّاح على مدار الزمن. نتمسّك بآخر الحروف منعاً للقاء قد يجمع ضجيجهم إلى صمتنا، فتتجوّف خرائط البلدان لتبتلع أكبر عدد من زوّار لم يأتوا ليبقوا.
أثاث الذاكرة خشبة لوعة نحتتها أيّام أحزان وأفراح مرّ عليها الزمن وبين الاثنين ضاعت نسبة الجودة وتحوّل الغبار إلى قوارض تحاول نقر ما تبقى من خشب سليم.
نماطل في سحق الأحزان، نلتف حول الوقت في محاولة لخداعه واقتناص بعض الدقائق النازفة صمتاً جرّاء الإهمال، تطالعنا أخبار اجتياح الواجبات المفرغة من مضامينها لنبضات الفرح الأخيرة، فتنسحب الصفحات خجلاً أمام فشل المحاولة.
مجموعة أفكار عمودية تصدّ هجومها أفقية العقول الرازحة تحت نير الاستسلام.
وفي محاولة لاستنهاض همّتك المريضة المستقيلة من مهامها العشقية، لملمت بعض الحروف المبعثرة، وأودعتها في رسالة، "قد" تكون الأخيرة، في محاولة للتخلّص من لعنة بريد،
لم...
ولن يصل.
![]()
تعليقات القرّاء
I love it, very deep, meaningful and very touching! I just enjoy reading your writings ... especially during my exams' period.
Thank you Guy for reading, understanding, loving and sharing .Still have a long way to go .Good luck for yr exams ** Manal, Hadi, Joseph and leila: Thank you for always being there. I have a connection problem and will answer yr comments once it's fixed (don't we always have to check our mail??) Love U all Suzanne