جمهور المسرح .. إلى أين؟

فرحان بلبل قرأها 4
  

قد لا نأتي بجديد إذا أكدنا أن المسرح فن الجمهور. لكننا نضيف أنه من غير جمهور كثيف يقبل عليه بحماسة له واندفاع إليه ودفاعfgdgvdfvbdfvbdfsvsfdvrewfrwef44444443.JPG عنه وخصومة معه ومن أجله، لا يمكن أن يترك تأثيره الاجتماعي والجمالي، ولا يمكن أن يدفع المجتمعات إلى التقدم وتغيير بنيتها الفكرية والاقتصادية.

فحين يكون جمهوره نخبوياً أو مقتصراً على فئات بعينها، كجمهور الطلاب أو العمال، فإنه لا يترك تأثيره الداعي إلى مناقشة ما يقدمه ولا يكون محرضاً على المشاركة في الفعل الاجتماعي، لأن المجتمع مؤلف من كل الفئات والطبقات والشرائح. وحين تتفاعل هذه المجموعات في العرض المسرحي مختلفة أو متفقة فإن المسرح يؤدي رسالته ودوره. ومن غير ذلك يكون ترفاً فنياً يرتاده الناس كما يرتادون أماكن اللهو البريء أو غير البريء.

 ولو عدنا إلى تاريخ المسرح لوجدنا أن هناك مراحل كان فيها صاعقاً ومؤثراً، لا بسبب موضوعاته وأساليبه الفنية فحسب، بل بسبب الجمهور الصاعق الذي كان يلتف حوله ويؤيده بحماسة واندفاع يجعلانه أشبه بمعركة يغلي معها المجتمع.

 ونذكر من أمثال هذه المراحل مرحلةَ المسرح اليوناني القديم حين كان المسرح احتفالاً دينياً واجتماعياً يجتمع فيه شعب أثينا بكل فئاته وتناقَش فيه أمور السياسة والاقتصاد. وقد بلغ من قوة تأثيره في الناس أنه أدى إلى الحكم على سقراط بشرب السم. ونذكر من هذه المراحل مرحلة المسرح الشكسبيري الذي كان يحشد جمهور لندن من بائعات الهوى والسمك إلى النبلاء. وكان معرضاً لتاريخ إنكلترا كما كان سياسياً بامتياز مما جعل أهمَّ مبدعيه يساقون إلى السجن. لكن إنكلترا في ذلك الوقت كانت تخرج من نهاية عصر الإقطاع إلى بداية العصر الرأسمالي. وكان ذلك معركة اقتصادية شارك فيها المفكرون والاقتصاديون والجمهور الذي كان له موقف مما يجري.

 ولا يغيب عن بالنا عصر موليير الذي كان فيه المسرح يحشد الفرنسيين لتحويلهم من مجرد قوم إلى الأمة الفرنسية التي سرعان ما ستقلب وجه أوروبا بثورتها. وكان المسرح فاعلاً وفعالاً بهذا الانقلاب الخطير. وإذا كان هذا المسرح - مع بقية أعلام الفكر والأدب - قد مهد للثورة الفرنسية، فإن هذه الثورة سرعان ما تفجر عنها ثورات جزئية كثيرة فكرية واقتصادية واجتماعية. وكان المسرح وجمهوره في كل ذلك وقوداً لهذه الثورات. ويكفي أن نذكر ما جرى يوم عرض مسرحية (هرناني) لفيكتور هوجو. فقد انقسمت باريس إلى قسمين: واحد مع القديم الاجتماعي ومع الكلاسيكي الفرنسي، وواحد مع الجديد الاجتماعي ومع الرومانسي الفرنسي.

فإذا انتقلنا إلى الواقعية في القرن التاسع عشر وما جرَّه مسرحها من اتِّقاد الأفكار الجديدة أدركنا مدى مساهمة جمهور المسرح في انحيازه إلى المعارك الاجتماعية في ذلك القرن الحافل. فقد قسا على الرأسمالية الوليدة بمقدار ما دافع عنها، وشنَّ حرباً على مفاسدها بمقدار ما دفع المجتمع إلى التقدم. ويكفي أن نذكر ما قيل عن مسرحية (بيت الدمية) لإبسن. فعندما صفقت باب بيتها متمردة على زوجها وزواجها، فقد هزت أوربا من أقصاها إلى أقصاها. وقد دافع عن المسرحية أقوام من شعوب أوربا. وهاجمها من تلك الشعوب أقوام. وماتزال أصداء تلك المسرحية تتردد أصداؤها في كتب النقد حتى اليوم.

 ولا يقل تأثير المسرح في أوربا في القرن العشرين عما سبقه. فإن الحربين العالميتين الكبيرتين هزتا أركان الحياة وولَّدتا تمردات إن لم تكن بحجم ثورة أكتوبر في روسيا، فإنها غيرت الكثير من ملامح الحياة في أوربا وأمريكا. وكان المسرح راصداً لهذه التغيرات. وكان جمهور المسرح متابعاً ودافعاً لهذه التغيرات. ويكفي أن نذكر مثالاً على ذلك ما فعله بريخت في عالم المسرح. فقد هزَّ ضمير الناس في العالم كله حتى انقسموا إلى قسمين في الدفاع عنه أو الهجوم عليه. فإذا جئنا إلى مسرح العنف والقسوة في إنكلترا فيما تلا الحرب العالمية الثانية، استرجعنا كيف توتر الشعب الإنكليزي البارد في حرارة تذكرنا بحرارته أيام المرحلة الشكسبيرية.
 هذه المراحل العنيفة في تاريخ البشرية وتاريخ المسرح لم يقتصر الأمر فيها على تقديم نشاط مسرحي يرصدها وجمهورٍ يؤيدها، بل كانت تولِّد اتجاهات مسرحية جديدة تغير من تركيبة فن المسرح ومن أصول بنائه وعرضه. فالكلاسيكية والرومنسية والواقعية وما تلاها من تيارات انبثقت عنها أو تمرَّدت عليها، ليست إلا انعكاساً لتلك الهزات الاجتماعية العنيفة. وهذه الاتجاهات التي غيرت أصول فن المسرح ساحت في أركان المعمورة ولم تقتصر على البلد الذي نشأت فيه. وأهم ما نلاحظه في تغيرات التركيبة الدرامية أنها كانت تتم دائماً في الفترات التي كان فيها الجمهور يقف مع المسرح العنيف الذي تحدثنا عنه. فمرحلة الكلاسيكية الفرنسية استخلصت لنفسها قانون الوحدات الثلاث حين كانت الملكية تقلب المجتمع الفرنسي.

والرومنسية نسفت الكلاسيكية حين كان الجمهور يلتف حولها وهي تساهم في نسف ما أرسته الكلاسيكية.
 أما إذا تركنا هذه المراحل العنيفة التي استجابت لحركة التغير الاجتماعي وساهمت فيه وكان فيها الجمهور مؤيداً وداعماً، وانتقلنا إلى ما تلا كلَّ واحدة منها، فسوف نجد أن المسرح كان أقرب إلى النشاط العادي الذي يستعيد النصوص التي سبق أن هزت الحياة الاجتماعية دون أن تترك في غير عصرها أثراً إلا على قبيل الاستذكار لما جرى. فكأن المسرح في هذه الفترات كان جرجرة للتيارات التي هُزَّتْ وغُيِّرَتْ. وكان الجمهور يتابع هذه الجرجرة في نوع من متابعة النشاط الثقافي أكثر مما هو تأييد وحماسة واندفاع. وهو في هذه الحالة يصبح (متفرجين) ولا يكون جمهوراً مسرحياً. وهذا ما يجري اليوم في أكثر أنحاء العالم. فالمسرح في أكثر الدول الغربية تراث ثقافي لا تصح الحياة من دونه. لكنه لا يزيد عن (فرجة) متعددة الأنواع. لكنها لا تترك آثارها الفكرية والاجتماعية عليه. فلا يغضب الناس مما كان يُغضِب فيها.

 وهكذا يمكن أن نعرف الحالة العامة للمسرح في العالم كما نتسقَّطها في أخبار الصحف والمهرجانات والزائرين والقائمين بهذا المسرح. فهو نشيط كعهده في كل العصور. بل هو اليوم أكثر اتساعاً وانتشاراً بعد أن تقدمت فنون البصريات. ويتسارع الناس إلى مشاهدته لما فيه من متعة بصرية هي الغلاف الجمالي الذي يطوي تحته كل الفنون. فالموسيقا والغناء يحوطهما الكليب والفيديو كليب ويخطف بهما الأبصار بالألوان والأضواء والرقص المرافق لها لا بأصالة الموسيقا وجودة الغناء. والرسم والنحت شاعت منسوخاتهما لتزيين البيوت في حين لا ينبغ رسام أو نحات. والمسرح صارت البصريات فيه أهم أجزائه. ويا ويل المسرحية التي لا تسبح في بروجوكتورات الإضاءة وأفانين عبقريات مصممي الديكور. ومن وراء ذلك كله يطغى فن السينما والتلفزيون بما يقدمانه من جماليات تفتن البصر مع إهمال بسيط وحاسم للبصيرة.
 وهكذا أيضاً لم يعد المسرح شريكاً في المعارك الاجتماعية، وليس وقوداً لتجليات الفكر ودفع البشرية إلى الدفاع عن الحرية والعدالة والتغيير الاجتماعي كما كان شأن الفنون منذ القديم.
 فإذا جئنا إلى المسرح العربي وجدنا شيئاً شبيهاً لما يجري في العالم ومختلفاً عنه في الوقت نفسه.

وقبل الحديث عن المسرح العربي وعلاقته بالجمهور وبإقباله عليه وانحساره عنه وبالتقدير الذي ستكون عليه هذه العلاقة في المستقبل نستثني المسرح التجاري من كل أنواع ونشاطات المسرح العربي. فهذا المسرح له تاريخه الخاص به وخصائصه التي تجعله متفرداً عن جميع الأشكال المسرحية الأخرى.

ونلخص هذا التاريخ بخصائصه أن هذا المسرح نشأ في بدايات القرن العشرين في مصر، وانتقل منها إلى سورية في بداية ثلاثينات القرن العشرين. وهو موجود في بعض الأقطار العربية بنسب مختلفة قد تكثر وقد تقلّ.

وهذا النوع تشكلت له خصائصه التي تقوم على مزيج من التهريج والإثارة والفرجة السمحة التي تقصد إلى قضاء سهرة لطيفة قد يتخللها غناء وموسيقا. وقد ينـزلق هذا النوع أحياناً نحو الإثارة الجنسية. فيتحول إلى فرجة غير سمحة بل هي أقرب إلى تدمير الذوق الجمالي عند الأجيال الناشئة وإلى تدمير ما يؤسس له المسرحيون. وقد يتعرض لبعض المواقف السياسية والاجتماعية في طرافة لا تؤذي ولا تجرح ولا تخرج عن إطار الطرافة المضحكة.
وهذا النوع يمتاز بأنه سهرة طويلة تبدأ غالباً بعد العاشرة ليلاً وقد تمتد إلى ما بعد منتصف الليل. ثم يخرج المشاهدون وهم يتندَّرون بما سمعوا وشاهدوا. وقد وجدوا في سهرتهم ما لا يجدونه في سهرات أنواع المسرح الأخرى التي قد لا تكون ممتعة كمتعة هذا النوع. وهذا النوع بهذه الخصائص لم يتغير ولم يتبدل ولم ينقص جمهوره. فهو نوع واحد مستمر. وما يقدم منه في مصر والكويت وسورية والأردن لا يختلف عن نوعه في سورية أو في غيرها من بقية الأقطار العربية.

وهذا النوع يُخرجه الدارسون من ميدان المسرح ويُدخِلونه في باب اللهو البريء أو غير البريء. وملخص وصفه أنه (متعة مقابل مال). مثله في ذلك مثل أية سهرة غنائية راقصة في واحد من المرابع الليلية. وكما لا يعتَدُّ دارسو الموسيقا بهذا النوع ولا يحسبونه من الثقافة الموسيقية والغنائية لشعب من الشعوب لأنه لهوٌ وليس فناً، فإن المسرح التجاري يعد لهواً وليس فناً أو أدبا.

فإذا استثنينا المسرح التجاري مما سنتناوله من تاريخ المسرح العربي نجد أن هذا المسرح منذ نشأته حتى اليوم عرف مراحل كان فيها مشاركاً في الأحداث الجسام التي مرت على العرب منذ تعرفوا على فن المسرح في منتصف القرن التاسع عشر. بل يمكن القول إن تعرف العرب على المسرح إنما جاء استكمالاً للنهضة التي أخذ العرب يجددون حياتهم بها. بل يمكن القول أيضاً إنهم ما خاضوا غمار المسرح إلا دفاعاً عن نهضتهم الفكرية والسياسية والقومية والاجتماعية والوطنية. ولذلك وضعوا المسرح في خدمة هذه القضايا منذ بداية تعرفهم عليه. ولعل دليلنا على ذلك قول يعقوب صنوع: "إذا لم تكتب روايات تذكر فيها لفظة حرية وحب وطن ومحاربات، فقل على التياترو العربي يا رحمن يا رحيم".

لقد ولد المسرح العربي في عصر متوتر مشحون بالأماني الكبيرة القومية في مختلف المجالات. فكانت العلاقة بينه وبين جمهوره واضحة لدى الطرفين: المسرح يقدم أعمالاً تنصبُّ في هذه الأماني. والجمهور يؤيد ويقبل ويستفيد من الأعمال المسرحية في تدعيم مواقفه من هذه الأماني. وقد استمرت هذه العلاقة منذ نشأة المسرح العربي حتى منتصف ثمانينات القرن العشرين.

ويمكن القول إن البناء الفني للمسرح أداءً وكتابة كان يستجيب لهذه الحالة المتوترة المشحونة. فكان فاتناً لجمهوره لأنه كان يلبي الحاجة الجمالية والحالة الفكرية والاجتماعية. ففي النصف الأول من القرن العشرين كانت الخطابية التي تجلجل بها حناجر الممثلين وهم يختالون على خشبة المسرح سمة الإخراج المسرحي. وكانت هذه السمة تفتن الجمهور لأنها كانت نوعاً من الرد على المستعمر وعلى التخلف الاجتماعي. وبسبب هذا الأسلوب الفني المتميز حقق المسرح جماهيرية طاغية لم تقتصر على الإقبال الشديد على العروض المسرحية، بل تجاوزتها إلى أفعال سياسية واجتماعية. ولعل العودة إلى ما جرى مع المسرح والمسرحيين من بعض الحوادث دليلاً على ما نقول. ونسوق مثالاً واحداً من عشرات غيره نؤكد فيه ما نقول. من ذلك مشهد مسرحي صغير كان له نتائج خطيرة هو مشهد (حادثة جريح بيروت) وما جرى له ومعه في دمشق. ففي عام 1911 احتلت إيطاليا ليبيا وأرسلت أسطولها إلى بيروت. فضرب مرفأها مما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى. فقام حافظ إبراهيم وإسماعيل صبري بتأليف منظومة شعرية تمثيلية غنائية تشرح حالة جريح من جرحى بيروت. وأُهديت المنظومة إلى سلامة حجازي الذي لحنها ووزع أدوارها وكان يقدمها مع بعض مسرحياته. وعندما زار دمشق في العام نفسه  أعلن عن تقديم مسرحيته (شهداء الغرام) - أي روميو وجولييت - على أن تليها حادثة جريح بيروت على مسرح زهرة دمشق. فلما انتهى عرض (شهداء الغرام) طال انتظار الجمهور أكثر من عشرين دقيقة دون أن يقدَّم المشهد. فدوى الصفير والصياح لا حباً بالمشهد الضعيف، بل دفاعاً عن قضية عربية. وقد استمر الصفير والصياح إلى أن ظهر مفوض البوليس وأعلن عن منع عرض جريح بيروت. فتحولت الصالة إلى ساحة مظاهرات. وقام الأحرار بإلقاء الخطب النارية التي اندفعت إلى الحديث عن السلطة العثمانية وعن رغبة التحرر وغير ذلك من القضايا السياسية التي كانت ساخنة في تلك الأيام. وفي حين كان الصالة تشهد هذا الغليان فإن ساحة المرجة امتلأت بالمتظاهرين ومعهم السكاكين والخناجر استعداداً للرد على مانعي المشهد. فطوقت الشرطة ساحة المرجة. وأجبرت فرقة سلامة حجازي على مغادرة دمشق لتنام في دمر لتغادر سورية إلى بيروت في الصباح.

وحينما زارت فرقة يوسف وهبي دمشق عام 1929 اعتبر السوريون هذه الزيارة تظاهرة قومية لأنها تدل على عمق الروابط بين البلدين مما أزعج الفرنسيين في سورية والإنكليز في مصر. فكان الرد على هذا الانزعاج أن مجموعة من الشباب المثقف خرج إلى دمر لاستقبال الفرقة القادمة. وكان على رأسهم فخري البارودي.

وقد يضيق المجال عن ذكر تلك العلاقة المتوترة بين المسرح والسلطات القائمة يومذاك. فالنصوص المسرحية تخضع لرقابة شديدة وللمنع في كثير من الأحيان. فيرد المسرحيون على هذا المنع بالتحايل مرة وبالرفض للمنع مرة. وكان الجمهور يعرف هذه العلاقة بين المسرح وبين السلطات، فكان يقبل على هذه المسرحيات المراقَبة الممنوعة بكثير من التعاطف والتأييد والحماسة. ولعل حادثة مسرحية (خالد بن الوليد)) في حمص معروفة بدلالاتها العميقة. فهذه المسرحية التي قدمت عام 1925 أثارت من ردود الأفعال لدى السلطات الحاكمة يومذاك ما جعل أهل حمص يخرجون في مظاهرات ضد الفرنسيين، وما جعل السلطات تمنع عرضها وتسرِّح العاملين فيها من وظائفهم.

فلما أهلَّ النصف الثاني من القرن العشرين كانت الأماني القومية قد اتسعت بعد رحيل المستعمر لتتحول إلى رغبة بالتغيير الاجتماعي الذي يحقق العدالة الاجتماعية بدءاً من أقصى حالاتها وهي الاشتراكية إلى أبسط حالاتها وهو العدل في توزيع الثروة. وهنا قام المسرح بتنفيذ هذه المهمة في أقصى ما يستطيع من الجرأة والصراحة.

وإذا كانت المعركة مع الاستعمار تقتضي ناراً حارة، فإن المعركة في سبيل التغيير كانت تقتضي ناراً باردة تدعمها التنظيمات السياسية والأبحاث والدراسات والمقالات والأفعال الاجتماعية على مستوى الجماهير. ومن هنا وجد المسرح طريقاً جديدة لخوض هذه المعركة. وهي تقديم (فن مسرحي) بدل تقديم (المسرح). وكان الداعي إلى ذلك أن العرب أتقنوا الكثير من جوانب المعرفة بهذا الفن عبر الترجمة والمشاهدة وتأسيس المسارح الرسمية المعتمدة على الطلاب القادمين من الغرب بعد أن درسوا فيه فن المسرح. وازدادت الثقافة المسرحية بين الناس. فقد أنشئت لها المجلات وحلقات البحث والدراسة. فكان حال المسرح أنه لم يعد حاجة اجتماعية فقط، بل صار حاجة ثقافية أيضاً.

وفي حين كان المسرح العربي يطور أدواته الفنية كتابة وتمثيلاً وإخراجاً، كان الجمهور يقف منه الموقف ذاته الذي وقفه منه منذ نشأته. فهو يقبل عليه بكثافة وتأييد. ويناقشه بقوة قد تصل أحياناً حد النـزق. ويطلب منه أن يحلل الواقع وأن يعيد النظر في التاريخ والقيم والأخلاق السائدة والتقاليد وكل ما يمكن أن يكون عنصراً مساهماً في تطوير العقل العربي وحياة المواطن العربي. ولنتذكر - وهذه المرحلة ماتزال قريبة منا - حشودَ الجمهور في دمشق وحلب وحماة وحمص واللاذقية وغيرها من المدن السورية. ويمكن أن يتحدث أي ناقد عن الحشود الجماهيرية في كل قطر عربي. ولنتذكر الشحناء التي كانت العروض المسرحية تُقابَل بها حيناً أو الشحناء التي كانت تجري بين الجمهور في مواقفه المتباينة من العروض المسرحية.

 وفي هذه المرحلة ارتقى فن الكتابة المسرحية كما ارتقى فن الأداء المسرحي. وظهرت نصوص مسرحية تقف موازية لأعرق وأقوى النصوص الأجنبية. وكذلك صارت العروض المسرحية موازية في كثير منها لأقوى العروض المسرحية الأجنبية.

وفي هذه المرحلة نشأت المهرجانات المسرحية. وهذه المهرجانات لم تكن مجرد تجميع لعدد من العروض المسرحية في مكان محدد في زمن محدد. بل كانت معرضاً للمسرح كي يؤكد دوره القومي والوطني والاجتماعي كما يؤكد حضوره بقوة في التصدي لهذا الدور. وإذا كان مهرجان دمشق للفنون المسرحية أول المهرجانات العربية فقد وجد فيه المسرحيون العرب فرصة لا لتبادل الخبرات فيما بينهم فحسب، بل وجدوا فيه أيضاً مناسبة لتحدي المجتمع الذي ينوون تغييره. ومن هنا ترافق المهرجان منذ نشأته بندوة فكرية تعالج شأنا مسرحياً من وجهة نظر اجتماعية. وكان حاضرو الندوات الفكرية لا يقلون عن حاضري العروض المسرحية. وكان لهم رأي حاسم في موضوع الندوات وفي مخاصمتهم أو موافقتهم للمنتدين.

وإذا كانت سورية قد فتحت باب المهرجانات بإقامتها مهرجان دمشق، فإنها فتحت باباً لم يكن أقل شأنا وخطراً في المسرح هو مهرجان الهواة الذي جاء بعد عامين فقط من إنشاء مهرجان دمشق. وفي هذا المهرجان تقدم المسرح السوري كله بعرض تياراته واتجاهاته وأساليبه في معالجة الواقع. ولكي ندرك موقف الجمهور المؤيد والداعم للمسرح نذكر أن كل مدينة سورية كانت تحتفي بعرضها المسرحي المشارك في هذا المهرجان.

ولم تلبث الأقطار العربية أن بدأت تقيم مهرجاناتها. وكل واحد منها كان يؤكد المهمة الوطنية والاجتماعية للمسرح العربي. وكان هذا التأكيد هو المبرر الأساسي لوجوده. فلما توقف مهرجان دمشق وانتهى مهرجان الهواة في سورية نهاية بائسة، أخذت المحافظات السورية تنشئ مهرجاناتها التي كان مهرجان حمص فاتحتها. ولعلنا مانزال نذكر عنف العروض في هذه المهرجانات كما نذكر عنف النقاشات الحارة التي كانت تمزج الشأن السياسي والاجتماعي والفكري بالشأن المسرحي. فالخصومة مع العرض المسرحي أو الموافقة له لم تكن فنية بقدر ما كانت مواقف يتخذها المناقشون من الأفكار التي يقدمها العرض المسرحي.


إن هذا الوضوح في المهمة والهدف والمعالجة في أشغال المسرح العربي هو الذي جعل من هذه المرحلة (مرحلة الازدهار العظيم) التي دخلت تاريخ المسرح العربي تحت هذا الاسم. فكان لها سماتها وخصائصها. كما تركت وراءها عدداً من النصوص القوية التي تشكل تراثاً مسرحياً سوف تبني عليه الأجيال المقبلة نتاجهاِ.

غير أن شيئاً ما منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين بدأ يحدث في الساحة العربية. فالأحلام العريضة في التغيير والعدالة والاشتراكية وتحرير فلسطين والوحدة العربية وغيرها من الأهداف التي سعى إليها العرب بقوة وشراسة كانت قد بدأت تتبخر، ليحل محلها يأس وإحباط وتردٍّ نلمس نتائجه اليوم.


لقد انطفأ الحلم فكان لا بد أن ينطفئ النشيد له. وهكذا بدأ الجمهور ينفضُّ عن المسرح لا في سورية فحسب بل في الوطن العربي كله. وأعتقد جازماً - وأنا شديد المتابعة للمسرح السوري ولما يتاح لي من المسرح العربي - أن المسرح ظل طوال النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين وأول سنوات عقد تسعيناته يقدم الأحلام القديمة ذاتها وإن صار يشوبه اليأس. وظل ينادي بالتغيير وبمجابهة العدو والتخلف وإن خفَّت نبرتُه. لكن الجمهور فقد الكثير من اهتمامه بهذه الموضوعات. فانحسر القسم الأكبر منه عن المسرح. وتحول الباقي إلى (متفرجين) شبه حياديين مما يجري. ولم يلبث هؤلاء المتفرجون أن أصبحوا يضيقون بما صار يسمى (الإيديولوجيا). فانحسر عن المسرح اهتماماته السابقة بمعالجة الأوضاع والأماني القومية. وبرزت هموم عادية توصف بأنها إنسانية وفكرية جديدة تبتعد في كثير أو قليل عن الواقع العربي أو تتناوله بسطحية أو بإطار من العزلة والتشاؤم.

إن انحسار مرحلة الازدهار العظيم كان يعني أن الجمهور تخلى عن مسرحه لأنه فقد الأمل بما حلم به. فكان لا بد للمسرح أن يبحث عن أساليب جديدة تشد إليه ما بقي من الجمهور. فظهرت فكرة الجماليات البصرية. وهذه الفكرة تُضحِك بقدر ما تُبكي. فقد كان المسرح طوال عمره عبارة عن مشهد بصري يشكل الممثل والديكور والإضاءة عناصره الأساسية. وكان يأتي من هذه العناصر بما يناسب الكلام الذي يقوم عليه العرض المسرحي. ولم يكن المسرح قادراً على التواصل مع جمهوره من غير المشهد البصري الجميل الذي بُنِيت المسارحُ لتقديمه. فلماذا برز ما يسمى بالمشهد البصري في هذه المرحلة التي تلت مرحلة الازدهار العظيم؟
إن ذلك يعني بالضبط أن تزيد كمية المشاغِلات البصرية تعويضاً عن فراغ المضمون أو ضعفه. ومن هنا لا يكاد يُبنى عرضٌ مسرحي إلا وتكون للسينوغرافا المكانة الأولى. فإن تجرَّأ عرض على وضع الديكور والسينوغرافيا في موضعها الصحيح وهو ما يحتاجه الكلام ودلالاته في النص، فإنه يعرِّض نفسه للهجوم عليه بأنه يفتقد المشهد البصري. وإذا أسرف العرض في عناصر السينوغرافيا حتى من غير حاجة إليها، فقد كسب نصف الشوط لدى النقد والمتفرجين. فكثيراً ما تسمع العبارة التالية (العرض سخيف. لكن السينوغرافيا جميلة).

لكن الجماليات البصرية بكل بهرجاتها لا تستطيع أن تخلق جمهوراً مسرحياً. ومن هنا ندرك لماذا اقتصر المسرح على نخبة ليست دائماً من المثقفين. بل إن مقولة (المسرح للنخبة) عادت لتحل محل مقولة (المسرح للجماهير). وبعد أن كان الإقبال الكثيف من سمات المسرح العربي منذ نشأته حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين، صار الإقبال القليل من سمات المسرح العربي اليوم. وكلنا نعرف أن أعظم عمل مسرحي اليوم لا يحظى بإقبال يوازي أقل من ربع ما كان يحظى به عرض مسرحي متوسط الجودة.

هذه الحالة من تراجع الجمهور والإسراف في البصريات سيكونان السمة الأساسية للمسرح خلال السنوات المقبلة. ولن تُفلح كل الجهود في تخليص المسرح من هاتين السمتين. وعلينا أن ننتظر انبثاق مرحلة اجتماعية جديدة لتخلق مرحلة مسرحية جديدة بسماتٍ جديدة وموضوعات جديدة. وسوف تخلق هذه المرحلة الجديدة كتابها ومخرجيها ورجال مسرحها.

أما متى تنبثق هذه المرحلة؟ فإن ذلك مرهون بأمر أثبت التاريخ العام للبشرية صحته. وهو أن يضع العرب لأنفسهم أهدافاً قومية ووطنية واجتماعية كبرى. فكما نشأ مسرح شكسبير على أعتاب زوال الإقطاع وبداية النظام الرأسمالي، وكما ولد مسرح الكلاسيكية الفرنسية مع بداية ولادة فكرة (الأمة الفرنسية)، فقد وُلِد المسرح العربي على أعتاب عصر النهضة وما تلاه من الطموحات الكبيرة. وعندما تبدأ الأمة العربية بالانعطاف نحو استرداد الكرامة المسفوحة تحت أقدام التذلُّل، وعندما تستعيد العمل على توحيد صفوفها من جديد لتسترد أرضها وحقوقها، وعندما يبدأ المواطنون العرب بالدفاع الحقيقي عن حقوقهم التي تسلبها الأنظمة ويسرقها الناهبون، فسوف يولد مسرح عربي جديد. وسوف يتحول (المتفرجون)  إلى جمهور. وسوف يحظى هذا المسرح بجماهيرية طاغية أشد من كل ما عرفه المسرح العربي من إقبال وتأييد، لأن الجمهور سوف يرى في هذا المسرح الجديد وسيلة من وسائل الحياة. وسوف يكون مع المسرح في خندق واحد للقتال.