رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(45)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,640

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(45)-

       على نغمات أجراس تقرع في الذاكرة وقع خطوات حبيب يبتعد... سأحبك أكثر.

     على أدراج معبد أقفلت أبوابه الوثنية، سأتنسّك لك... حبّاً بصمتي.

     غداً، تنام تجاعيد الذاكرة على بقايا صدى صوتك الذي سيلتحف ذاكرتي المقيمة في دفء رحيل لم يحن أوانه بعد.

         غداً، قد يتعلّم حبّنا نسيان الغضب ويساكن الفرح في طيّات ذاكرة خيّل إليه أنّه يرحل عنها فإذا بها تتطاول وتعرّش بين تفاصيله أكثر.

        يا الذي بحنوِّ حضورك جفّفت عن جبين العمر عرق الوحدة، وأضأت بوفائك قنديل قلب امتهن احتساب الوقت الهارب من نعاس القدر، سجِّلْ على رموش سهرك أنّك في كلّ إطلالة، وإن وجيزة، تكتب نسمة إنقاذ من الغرق في محيطٍ أبجديتُهُ أحرف ارتحال تجاهد في كتابة باقة مواعيد للقاءات لم يدوّنها تاريخنا معاً.

      سجن حضورك يبدو لي اليوم كأنّه لا يتَّسع إلاّ لزنزانة غيابك. لذلك، قلّمت أظافر الوقت، شحذت همّتي ورتّبت حقائب السّفر بانتظار أن يجيبني ساعي الوقت المقيم في عتمة المحطة عن موعد انطلاق الرحلة. وحين قرّر الكلام قال لي إنّ الأمس كان الموعد الأخير، فكيف أسترجع أمسي؟؟؟؟

        ها أنذا في سجن غيابك أفقدُ تفاصيل ذاكرتي، أحاول نبش الوقت الماضي لعلّ ما أسترجعه منه يذبح آلام الحاضر، فأجدني أحترف استنزاف الدّمع على ما كان. يتراءى لسمعي صوتك ممّزقاً جدران الخوف، ويتناهى إلى بصري حبّك الغارق في صحراء انتظار لا واحات لقاء فيها. وأحلم....

      أحلم بك مشرقاً من صقيع الغربة، محاولاً إسقاط الوقت في فخّ الانتظار الفارغ للـ"ما بعد".

       تحار وجنتاي بين قبلة فرح لحظة اللقاء ودمعة حزن في ساعات الغياب. أيّهما تتمتّع بالقدرة على محو الأخرى؟

          العيش في المناطق الوسطى يُفقدني قدرتي على التقدّم أو حتى التراجع، لذا أرفضها بمنطق الحكمة المختبئة في زوايا ذاكرة ترفض النسيان.

       أرفض المناطق الوسطى. ليست تغريني ولا تحرّك حشريتي لاكتشاف ما خفي منها.

          أمحو الأرقام التي توصلني إليك، أشذّب أعناق الأشجار التي تتطاول على سجن المكان وأستعيد بياض ذاكرتي ونور الشمس.

          أتحرّر من وقتنا المهجور منّا، أستولي على بقايانا المهملة في زوايا لم نعد نزورها، ألملم أشلائي المرهقة من أسفار ذات وجهة واحدة، وبكامل قواي العقلية أنحدر إلى هاوية الصمت.

         برغم عطشي الدائم إلى مزيد من التوحّد فيك، لن أرتوي بمياهك بعد الآن.

          برغم جوعي الأزلي إلى تناوُلك قرباناً يطهّرني من أخطائي، لن أقبل بالإيمان الملوّن بمزاجية ريشة الوقت، ولن يغفر لي الاعتراف خطيئتي. سأحمل وزرها طوال العمر.

       وكالعادة، ولو بصمت ما بعده كلام، أنتظر وصول جوابك وأعرف أنّه لن يصل.

       ...رياح الفراق بعثرت أفكاري، عصفت شوقاً بين كلمات رسالتي ورمتها في... بريد لن يصل.

رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل-(45)-