بين عقم الإنسان وخصوبة الشَّجر
جلست بجوار زنبقة الدّار أقلِّب صفحات كتاب ألّفه ناسك رأى في العنوسة سبيلاً لمعرفه الله, ففضّل أن يحيا وحيداً في الجبال, فلم يقرب نساءً ولم ينجب ولداً، وإذا بصوت خافت يهمس في أذني:
- سيدي .. سيدي. يا صاحب الدار
- نعم .. من أنت ...؟
- أنا الكرمة, أحَبُّ الأشجار اليك, أتوسط دارك , أتسلل بشعري الى خلواتك وجلسات سمرك, أشاركك أحاديث الصيف, أمدّ أذرعي عرضاً وطولا وأنشر عليها أوراقي الوارفه ليحضن فيؤُها جبهتَك. وَرَقي يزيّن مائدتك وعناقيدي تتدلَّى كأثداء العذارى مُثْقَلةً بكؤوسٍ ذهبية ...
أنا الكرمة, اسْقِني ماءً, أسقيكَ خمراً تخزنه في أنْفَس خوابيك وتخبئه في أقبيتك لتذرفه على شفاه الحسناوات وموائد الأمراء ..
أسميتَني الكرمه لأني رمز العطاء, أنا الكرمه، شجرتك المفضلة يا سيدي ..
- حقاً ما قلتِه يا كرمه, ما أكرمَك بين الشجر وما أحبَّك لقلوب البشر، تعطيني الحصرمَ في تموز والعنب في أيلول و الزّبيب في كانون. ما أطيب ورقك وثمرك، وما أورف ظلَّك .. ولكني ألمس في صوتك رجاء !!
- نعم , صدقتَ يا سيدي ..
- ما هو يا كرمه ؟
- قرب زاوية الدار التي تطلّ على قارعه الطريق, هناك شجرة سرو، تقف هناك بلا حراك .. عقيمه كعجوز شمطاء. تمرّ السنون والفصول والأيام, فلا تطول ولا تقصر, لا تورق ولا تزهر, لا صمغاً تذرف ولا ثمراً تعطي, وقد أخبرتني دودة الأرض أن بعضاً من جذورها قد امتدّ صوبي وأخاف أن يخنق جذري. اقْطَعْها يا سيدي وألقِها طعاماً للتنُّور اذا كان لي عندك رجاء. اقطعْها قبل أن يجفَّ خمْري ويصيب النتنُ حُلوَ ثَمَري.
- حقاً تقولين ياكرمه, فليس للشجر العقيم مكان في داري, إن من يخنق جذر الكرمة يستوجبُ الموت ودقّ عنقه بفأسيَ الحادّة
- تمهّل يا سيدي ... قف .. إرْمِ من يدك تلك الفأس
- من أنت...؟
- أنا الحسّون ..
- و ماذا تريد؟
- أراك تهم بهدم مرقد بيوضي وعشِّ أنثاي ..
- نعم, فلا مكان في داري لشجر عقيم نحيل بلا ظلّ, ورقه مرّ لا تستسيغه حتى الدواب
- تمهل يا سيدي, إنّ من طولها ونحالة خصرها ومرّ ورقها حكمة. ذروة السرو بيتي الآمن, بعيدة المنال عن أفعى تبتلع بيوضي أو هرّ يلتهم صغاري. أما في مرّ ورقها فرغْدُ الرقود لأنثاي, فلا يقرب عشَّها ثورٌ هائج ولا جديٌ طائش. أرجوك أن تتمهل ولا تقطعْها ..
- إذهب و ابنِ عشَّكَ على شجرة أخرى أيها الحسون واتركْني وشأني ..
- اتْركْ فأسكَ و امْضِ يا غلام ..
- من انت..؟
- أنا شجره الزيتون، عمري لا يقاس بالعقود بل بالقرون, بارَكني إلهكَ و أعطاني الحكمة بين الشجر, اِرمِ من يدك تلك الفأس ..
- و لماذا يا شجرة الزيتون؟
- أدينُ لشجرة السرو بطيب ثماري وقدْس زيتي. تقف حيث السياج كحارس أمين, تحنو اليّ وتضمُّني بفروعها كلما هبَّت ريح فتحمي بجسدها زهري وصغار فروعي. تبْرُد هي ليدفىء جمري بردَ لياليك وليُضيء زيتي ظلماتِ أقبيتك.
- أكْرِمْ بقولكِ يا شجرة الحكمة, ولكن خمر الكرمة أطيب لي من زيتك, دعيني أضربْ عنقَها بفأسي, فلا مكان لشجر عقيم في داري.
- تمهل سيدي ..
- من أنت؟؟
- أنا العلّيق. أتسلَّق على زوايا بيتكَ وأحبو على سياج دارك. ربما أكون أوضَعَ النباتات وأقلَّها شأناً ولكن لي من الحكمة ما لم يعرفه غيري, لا تدع الكرمة تغويكَ بطيب الكلام فتغيّب عنكَ جوهر الحقيقة. أنظر كيف تمدّ أيديها متوسِّلةً شفاعة غصن مشمش يافع أو فرع حور باسق لتسند اليه جبينها.
ألا ترى أن شموخ الكرمه هو من عنفوان أغصان السنديان التي تموت لتنصب سنداً لراسها الذليل الذي لا يعرف سوى الأرض مسنداً له ..
أما نبيذها النفيس فلا يطيب إلا في عشّ الرذيله فيذهب بعقل الحكماء ورزانة العقلاء. إسأل الزنابق وزهور النرجس كيف تُقطع وتوضع على قبور من زهق روحهم روح الكرمه.
ما أبعد الكرمه عن الخلود وما أوضعها بين صنوف الشجر. تخاف برد كانون فلا يبقى منها حيّ الا ما وطىء رأسُه الأرض أو خفيَ تحت التراب, وإذا ألقيتَ جثتها اليابسة في المحرقة فلن تعطيك الدِّفء بل الدخان.
- سيدي .. الخصوبة ليست في غزارة الزهر
والعطاء ليس في كثرة الثمر
والطيب ليس في طعم الورق ..
والكبرياء ليس بأن تسند رأسك على جثة غيرك
أما النور فلا يشع من أقبية الخمر ..
سيدي ..
انظرْ من حولك ..
فأسُك من زند البلُّوط .. وسياجُك من أضلع الصّنوبر ..
وسريرُك من خدّ الحور ..
انظر الى أسراب الحساسين .. فما كانت لتحلِّق يوماً وتعرف طعم الحرية لو لم يدفىء زغبها ورقُ السّرْو.