الجمل المتمرِّد
يحكى أن جملاً وقف يخطب في قافلة للجمال قائلاً: "عذراً يا أصدقائي .. فقد ضاق بي العيش في هذه الصحارى وسئمت الحرّ الشديد وقساوه الترحال وجفاف الطعام وندرة المياه. وقد أخبرني ابن آوى أن هناك، خلف تلك الكثبان، صوب البحر، خضرةً وماءً وفيرا. إن كنتم أنتم لا تبالون بالعيش هنا، فقد سئمته أنا وسوف أقصدها في الصباح لتكون موطني".
التفت اليه الجمل العجوز الذي كان يسير في أول القافله ورمقه بنظرة غاضبه ثم نظر إلى الامام معاوداً قيادة القافله, أما الجمل المتمرِّد فقد انفصل عن قافلته وودَّعها بنظرات حذره ومشى في حال سبيله.
تابع الجمل سيره , وإذا بالرمل يتحول إلى تراب والشوك إلى عشبٍ أخضر نضير أما الكثبان فقد اختفت وحلّت محلها التلال ثم الجبال. تمدَّد الجمل تحت ظل شجرة باسقة بعد ان ارتوى من مياه عين باردة، ثم استيقظ على زقزقات الحساسين وأخذ يمتِّع ناظريه بثلّة من السناجب تلاحق بعضها بعضاً وتتبارى في تسلق الأغصان النضرة.
"بئس عيشكم يا إخوتي من معشر الجمال" قالها الجمل في خلده. "كيف تطيقون حمل مياهكم على سنامكم الثقيل وقد أنعم الله علينا هنا بالماء الرقراق الغزير، وكيف كانت شفاهكم تتشقق بقطع شوك الصحراء أما هنا فالأرض ملأى بالكلأ. وكيف كنتم تطيقون المسير على الرمل الحار أما هنا فقد فُرشتْ الطبيعة لنا سندساً من زهر ومن ورد".
مرّت السنون والعقود وكان الجمل يقضي نهاره بين الرعي بين الأبقار واللهو مع الجداء أو الاستلقاء قرب العين في ظل شجرّ الحور. سقط وبره و حلّ محله جلد ناعم و وسقطت أظافره وأصابت الطراوة خفّيه وضمر سنامه فلم تعد هناك من حاجه اليه.
في صبيحة أحد الأيام استيقظ الجمل مذعوراً وشعور من الحنين يعصره عصراً. شوق لأخوانه ولرفقاء الدرب حتى زعيم القافله الفظّ، أحسَّ الجمل أنه بحاجة إلى حكمته ورشده. التهبت عواطف مجهولة في داخله بعد أن شاهد حسُّوناً في الصباح يسرع بدودةٍ الى فم أنثاه الراقدة على البيوض. عندها أحسّ بأنه يفتقد شيئاً قد خلع من روحه و أحسَّ برغبة جامحة للعودة من حيث أتى.
يممّ الجمل شطر الشرق وأخذ يسير باتجاه الصحارى. كان الجو قاسياً والحر الشديد يكاد يشقق جلده الرطب. أما شفتاه فلم تعدا قادرتين على مضغ أشواك الصحراء وسنامه الهزيل لم يعد قادراً على أن يطفي عطشه. كان المسير متعثراً بين وقوف وسقوط فلم يعد خفَّاه الطريَّين قادرين على تحمل حرارة الرمال.
سقط الجمل منهكاً قرب تخوم إحدى الكثبان ينظر للبعيد، إلى تلك الرمال الذهبية موطن آبائه وأجداده وحلم العودة الى قافلته يزداد تصميماً في عينيه.
بعد عدة أيام وُجد الجمل جثة هامدة قرب أحد الكثبان.
وحدثني ابن آوى أنه وجد عبارة على الرمل قد خطها الجمل بخفيه قبل أن يلفظ أنفاسه الاخيرة تقول "قد تحيا عندما تخرج من وطنك, ولكنك تموت عندما يخرج الوطن منك"
د. رامي قحوش – عن مجلة ليلى
http://leilamagazine.blogspot.com/
رئيس التحرير
الشاعر شربل بعيني