رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(43)

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,395

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(43)

كم كنت جاهلة!

ظننت أن الغياب مسافة لا تتعدّى الـ"هنا"، فإذا بها تطال الـ"هناك"، تطال مساحة لا تشرق عليها شمسنا.

هل استشرى بي الجهل حتى حدود التجاهل؟!

ظننت أنّ الغياب لن يتعدّى حدود الساعات، فإذا به، مهما كان قصيراً، أطول منها مجتمعة وأبعد من جميع المسافات.

أيتها الجغرافيا التي لم أحفظها يوماً، أين أقف الآن؟ نسيت عينَيّ في مكان آخر.

يا أسفاراً بلا وجهات، اختصري خطوط الطول والعرض واحمليني إلى دائرة القطبين فأتجمّد في الثانية التي مرَّت، لا في تلك الآتية.

سامح جهلي، أمّيّةٌ أنا وصلت إلى مدرستك محمّلة بالجهل وأنت لديك كل المعرفة.

معرفتك تتنكّر بكلمات تتقن قولها فتلسعني وتنشر سمومها داخلي، وجهلي يقظة مستمرة تقرأ بين السطور كلاماً لم تقله بعد.  

كيف سكنتني حتى الوجع؟ بأيّ حقّ تزرعني في حقول انتظارك، وأيّام هجرتك تتواصل في الزّمان والمكان؟

من كان يتوقّع أن يغتال الطفل والديه حين يكبر، وأن يكتب بيديه الطرّيتين الكلمة الأخيرة في كتاب حياتهما؟

قرّر الانتقال إلى جنون الكبار متجاوزاً مسافات زمنيّة لم يشأ عبورها، فاستباح فرحة اللقاء، نحرها ورمى أشلاءها على عتبة الأحزان.

لماذا يتغيّر الصغار حين يكبرون؟

لماذا يستبدلون عطر الولادة النقيّة برائحة الموت النتنة؟

من يعلّمهم التخلّي عن باقة الزّهر واستبدالها بإكليل الشوك؟

أسئلة يتركها، على درب السّفر، قلب يعرف أن لا حدود للحبّ، عساك تقرأها قبل أن تتساقط كلماتها في هاوية تتلقّف رسائل وُجْهَتُها بريدٌ...  لن يصل.

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(43)