لغة وإحساس بالدُّونيَّة
ويستمر السؤال: هل اللغة العربية عاجزة عن مواكبة الفورة العلمية الحديثة؟
اللغة، كل لغة، اصطلاح وأداة للتعبير والتواصل ما بين الناس، لكونها رمز التعايش المشترك في ما بينهم. تأخذ اللغة على عاتقها تجسيد أنماط الفكر الانساني وما ينتجه من رغبات وأفكار ورؤى وعلوم ومعارف، واللغة العربية تعيش اليوم أزمة وتغريباً عن أبنائها، اذ هي في رأي بعض الاختصاصيين لغة عاجزة عن مواكبة الفورة العلمية المعاصرة وغير قادرة على اكتساب المصطلحات المستحدثة، من دون أن يلاحظ هؤلاء ان اللغة العربية في العصر العباسي استوعبت كل المصطلحات الخاصة والدقيقة للتأسيس لمفاهيم حضارية. وتشهد مؤسساتنا اليوم نشاطاً مفرغاً من الهدف، مما جعل الاختصاصيين يسارعون الى تبني برامج تأسيسية غربية، مع فرض أشكال علمية مسبقة، مما يعني عجز اللغة عن ابلاغ الرسالة العلمية بعمق ووضوح.
ترسخ الشعور لدى معظم أبناء العربية بأن هذه اللغة عاجزة عن مواكبة حركة التكنولوجيا وأشكالها، وتأكدت لهم عظمة اللغات الاجنبية التي تصدر عنها كل الاختراعات والانتاجات العلمية المعاصرة. هذا الواقع يخلق شعوراً بالدونية أمام اللغات الاخرى، وهكذا بات التحادث باللغات الأجنبية دليل تفوق فكري حضاري.
والسؤال: هل تبدّلت اللغة العربية من حيث الفاعلية التواصلية؟
المشكلة ليست في قدرة اللغة العربية، بل في إنساننا العربي الذي يعيش مرحلة التهميش والانسحاق والشعور بالدونية والضعة من انتمائه. يحاول الانسان العربي تحنيط اللغة، باستثناء ظاهرتين عكستا النحو اللغوي، وهما فورة الأدب المهجري في الولايات المتحدة الاميركية، وظاهرة الحداثة في الوطن العربي التي بدأت مع أمين الريحاني، وجبران خليل جبران. ظاهرة خطيرة ان نحنّط اللغة في قوالب جاهزة تمنعها عن التخصيب والتوليد والاستيلاد. اللغة الحيّة لا تتوقف عند الجاهز، بل تتجاوزه الى أشكال تتلاءم ومعطيات العصر. التغيير في اللغة يجب ان يتمظهر في أنماطها وألفاظها، من غير المس بالترتيب الجيني للغة لأن حصول ذلك يؤدي الى التشويه.
تتمتع اللغة العربية بخصائص تميزها عن سواها من اللغات، وتشكل بنيتها الصرفية والنحوية الثوابت التي تضمن صحة قواعدها. ثمة أخطاء شائعة كثيرة لكن تصحيحها أضحى من المستحيلات، لذا ينبغي إدخال هذه الأخطاء في قاموس اللغة على أساس ان ما تستعمله الأكثرية يصبح قاعدة، ولا مجال لتصحيح الأخطاء السائدة وفق رغبة النحويين. الى ذلك، لا ضرورة لتعريب المصطلحات الغربية بل يجب تركها كما وردت في اللغات الأم، وهذه هي حال اللغة الروسية، اذ يبقى المصطلح الأجنبي من دون إصرار على "روسنته".
اكتسبت لغتنا العربية، ذات يوم، مفردات ومصطلحات طوَّعتها وأخضعتها لقوانينها. اليوم، لا تحصل العملية نفسها، اذ الواقع العربي مأزوم وهش ومشحون بالصراعات النفسية، ويعيش انسانه مرحلة معقدة تتميز باستقبال حضارة عالمية وشمولية. ما نحتاج اليه هو تعزيز الهوية اللغوية القومية من أجل تجاوز الشعور بالنقص او التفوق لدى الآخر، وكل ذلك يفرض إنشاء مؤسسات علمية عربية تعنى بترجمة الكتب، كما كانت الحال أيام الخليفة المأمون. هكذا تستمر عمليتا الأخذ والعطاء الى ما لانهاية ما يؤسس لحضارة عربية رائدة ممتدة من الماضي بغية التحرر من عقدة النقص والتحدي والتلاشي.