أنسي الحاج في "وليمة الحصاد الوافر"
صباحات كل سبت يدمع قلم فتى الشعر أنسي الحاج في "الأخبار" يمسح العمش عن عيوننا راكضاً نحو الينابيع، وله "الوليمة"، وهي كتابه الثامن بعد "لن"(1950)، "الرأس المقطوع"(1963)، "ماضي الأيام الآتية" (1965)، "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" (1970)، "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" (1975)، "كلمات كلمات كلمات" (1988)، "خواتم" (1991). هتفت إلى شعره ماضياً وما زلت أرنو إلى جمالياته العاليات وهو كان رئيسي يوماً وله بسطة فضل عليّ.
في "الوليمة" يطل الشاعر المنتفض على المدلولات الجماليّة المألوفة، والمواضعات اللغوية الجاهزة، يطل شاعر التجديد والتجربة أنسي الحاج بعد غيبة موشاة بالاختمار الوجداني والاجتماعي والرؤيوي ليوقظ في نفسياتنا تلك الشرارات اللاهبة التي أضرم نارها الشاعر في الستينات. وقبل هذه المرحلة كان الشاعر الرائد أنسي الحاج يؤسّس لإشكالية جمالية واعية جديدة اشتهرت تحت عنوان عريض اسمه "ثورة الحداثة" أو "قصيدة النثر"، وكانت مجلة "شعر" أهم حلقة شعريّة أدخلت التغيير على معنى الشعر، وفرضت إعادة النظر فيه جذرياً عبر اندماج مشروع الحداثة بروح العصر. ويوم أعلن يوسف الخال توقف مجلة "شعر" عام 1964 لارتطامها بما سماه "جدار اللغة"، تابع أنسي الحاج تطوير قصيدة النثر بتواصليّة خلاّقة، قلقة، منونة، متمرّدة.
فمنذ مجموعته "لن" والشاعر يصرخ في وجه الحرائق المضرمة في جسد وطنه. اقترب جريئاً في معالجته الجمالية لعوامل التفكك الروحي انطلاقاً من التجربة، وبحس انفعالي تلقائي. واللافت في كل شعر أنسي الحاج ونثره هذا الالتصاق الحميم بين ما هو اجتماعي وما هو وجداني، وإن كانت الشحنة الوجدانيّة في مجموعة "الوليمة" أكثر عمقاً، أكثر حرارة، أكثر اشتعالاً. وفي التوصيف الجمالي النهائي يبرز أنسي الحاج في "الوليمة" شاعر العشق والألم.
يرى أنسي الحاج أن "اشعر الحديث فاجع على العموم"، ولهذا فهو يؤكد أن "ما يفرقه الإنسان يجمعه الإنسان" (ص 22 من "الوليمة") في إشارة منه إلى أهمية الكينونة البشرية، وهذا التوصيف الجمالي يطوره الشاعر في الصفحة 26 من "الوليمة" على الشكل الآتي:
"لن يذهب ما لم يذهب
لن يأخذوا ما لن يُعطى.
قهراً قهرني زمن الدجالين
ولكنه مقهور أيضاً بحبي.
هو الخاطف تاريخي وأرضي
وأنا المالك مفاتيح الجنتين،
هو الحارق غاباتي
وأنا الجذور اللاتُحرق
وخصبُ تراب الجذور.
من التأمل إلى التجريب
عندما بلور الشعر الكلاسيكي أحد أهم إنجازاته وهو الانحناء أمام القوة الإنسانية ثم تبعه الشعر الوجدان مؤكداً حقوق الذات الفردانية ورافضاً المعيار الجمالي الكلاسيكي، كانت حركة الشعر الحديث تعاني اختمارات متننوعة أسفرت في نهاية مخاضها الذي بدأ عام 1957 عن نتيجتين:
1 – تحطيم الاندهاش الساذج لصالح الفجيعة.
2 – الغاء الانبهار لصالح الإحساس بالكارثة.
لقد دخل الشاعر المؤسّس إنسي الحاج عالم الكتابة بالجماليات يوم أصبح الشعر العمودي عاجزاً عن إخصاب نفسه وبات مشلولاً أمام المجتمع المعاصر، ودخول إنسي الحاج عالم الشعر نقل الجمالية من حال "التأمل" الرومنتيكي إلى حال "الممارسة" أي التجريب.
تعامل أنسي الحاج مع الإنسان القلق، المعول، المنزوي، المتيبس، المشلوط من واقعه الإنساني إلى النسيان التام. ولهذا، لم تنته الحداثة عنده إلى أفق مغلق بل أوجد لها مرجعية جمالية هي حركة الإنسان في إنتاج حركة أخرى، لأنّ الشاعر عرف أنهم "لم يقتلوا غير الجثة ولم يخنقوا غير الفراغ" (ص 37 من "الوليمة").
ثورة مستمرّة
منذ بداياته وأنسي الحاج ثورة مستمرة. ثورة داخلية وثورة خارجية. في الشكل والمضمون. على صعيدي الروح والتاريخ. وفي رؤيوية مدهشة وحذر من الانزلاق إلى العتمة، إلى خسارة الوطن، وضياع الإنسان. وعلى رغم الانجذابات الاجتماعية استمرّ الشاعر يطوّر خطه الوجداني متمّياً ألوان الحبّ والمرأة والجسد.
"ما تظنينه جنوني هو جنوني.
ما تظنينه سكوتي هو نهمي
ما تظنينه صفائي هو ظلك على جبيني
ما تظنينه حريتي
هي تلك الحفنة من القش
لعلك تشعلينها ذات يوم،
ففي بلادنا أنا وأنت
العاشق لا يهدي حبيبته أقلّ من حياته".
تريدون شعراً
هذا هو السؤال الذي يطرحه الشاعر في الصفحة 212 من مجموعته، منطلقاً من تساؤله إلى جملة مواقف فلسفيّة لأنّ الشاعر "تقدم حتى النهاية" و"أصبح طعام الحب" شارباً الليل، مفتوح الحواس على كل متناقضات العالم لأنّ الجلادين لا يجددون مشانقهم، ولا يربطون الأنشوطة كما يفترض. لهذا فإن الشاعر يكابد غصة مطالباً بإغلاق الباب. وكل ذلك لأنّ الشاعر دخل مرحلة التجريب منذ زمن، وبعيداً عن الإثارة التحريضيّة هو ينبّه، يومئ، يحذر ثم يذوب في الحبيبة النائمة.
كتلة من كلمات
في مرحلة الحوادث الطويلة انكبّ الشاعر على تكثيف تجربته. انقطع عن النشر، لكنه لم ينقطع لحظ واحدة عن الأثر والتأمل، فكنت أراه أحياناً صامتاً، دمثاً، مرحباً وفي أعماق عينيه ألم كبير، كلمات لم يقلها قلمه بعد. هذا الشاعر كتلة رؤى وأفكار، كتلة أحاسيس، تحديث في المجهول. والحاج شاعراً يميل إلى المضمون بوصفه حال وعي، ولأنه يعرف خطورة موقعه كمؤسّس ريادي، ولأنه ما زال مسؤولاً عن هذا الموقع بصفته الإبداعيّة المستمرّة بإخصاب، ومن الأكيد أنه سيستقبل القرن الألفين وهو في هذا الموقع الانتاجي الجمالي، ولأنّه هكذا، ولأنه هنا يصارع، يثاقف، يدافع، يهجم، فهو مكتنز بالهموم وبكيفية تطوير الاشكالية الجماليّة.
عمل الكثير، وأعطى الأكثر حتى خلق من وجدانيته الرقراقة رمزاً ملحمياً. إنه حكاية بطولة جماليّة بدأت مع والده الأديب لويس الحاج منذ الثلاثينات، حيث كان الوالد كاتباً في مجلة "الآمالي"، ثم "المكشوف"، ورفيق درب عمر فاخوري، صلاح لبكي، سعيد عقل، يوسف السودا، توفيق يوسف عواد وغيرهم الكثير.
واليوم، مع صدور المجموعة الجديدة للشاعر المجدّد المتجدّد، يمكن الاستنتاج أن شعر أنسي الحاج لم يصطدم بجدار اللغة، ولم يهرب إلى الميتيولوجيات أو الأساطير، بل رقق اللغة نفسها، حرّرها من زنزاناتها، أطلقها صافية عبر نقاء جمالي تميّز به حتى أصبح شاغل الناس، والنخبة الليبرالية اللبنانيّة والعربيّة.
وما زال أنسي الحاج المؤسّس في الموقع المسؤول، قلمه لم يدخل غمده من تلك اللحظة التي قرّر فيها الشاعر عبور نهر "الروبيكون". وكما جاء في الكلمة على الغلاف الأخير لمجموعة "الوليمة": "وفي "الوليمة" نكتشف أننا مدعوون إلى رهبة الشعر، إلى إيقاعاته الملحميّة وكثافاته الروحيّة، وإلى صمته الحارق كبريق الذهب".