رسائلُ حُبّ في بريد لن يصل - (40)-
![]()
ها هو الوطنُ يعلن استتباب الحرب. ينبذ السلم والسلام، ويرضخ لمشيئة كراهية تتسلّل إلى نبض أبنائه.
حتى أولئك الذين أشرقوا على الحياة بعد إعلان ما سمّوه "السلم الأهلي"، أصابتهم لعنة الأهل الرّافضين السلم، المنتمين لحرب ألبسوها جلباب "الأهلية" و"الشوارع" و"الحارات".
حربٌ رصيدُها طلقات كراهية، كيف يمكن أن تحمل سلاح الـ"أهلية"؟
الدماء التي نزفت على شرفات الجيران والإخوة والأصدقاء كيف لها أن تسري في شرايين "أهلية"؟
أيّ قانون أو شريعة تسمح بأن تجتمع الحرب الـ"أهلية" ودماء "الأهل" تحت سقف واحد أو في ظلّ سماء واحدة؟؟
أغرب ما في الأوطان أنّها، لحظة ولادتنا، تعلن انتماءنا إليها نيابة عنّا. تعلنه مستخفّةً بأرواحنا وممتلكاتنا ثمّ تباشر بتطبيق فعل إعلان الانتماء تحت غطاء الحفاظ عليه!
أغرب ما في ماضينا أنّه لا يكفّ عن تعليق نياشين النصر على صدورنا المهزومة، فيما حاضرنا يدرك أن الموت هو العدل الوحيد ويكمل محاولات الحياة ليقدّمها هدية على طبق المستقبل.
أغرب ما في الحزن أنّه يتّسع لمكان مسافر واحد، وحيد. فلا يمكنك اصطحاب من يخبرك قصصاً تستدرج دمعاً عصياً ولا من يعزف لك لحناً اشتاق إليه سمعك ويخجل – بحجّة الحزن- من سماعه.
ألوطن يستعدّ لتلقّف أشلاء أبنائه مجدداً، وأنا أحاول تعليب الذكريات وترتيبها على الرفوف بحسب تواريخ صلاحيتها.
كم مدهشةٌ قرارات الاحتفاظ بما انتهت صلاحيته، والأكثر دهشة هو انتماؤنا لأوطان نقدّم أولادنا على مذبحها بغية الحفاظ عليها لهم، ثم نغوص في متاهات هجائها وعدم صلاحيتها.
كم تضحكني إطلالات تشبه التماثيل في محاولاتها اليومية للهروب من متاحف البرد والنسيان. هل مرّ ببالكم يوماً أنّ تلك التماثيل ربّما تتألّم لأنّها محكومة بالبقاء سجينة نظرات السيّاح والمنقبّين في التاريخ بحثاً عنه؟
هل تناهى إلى سمعكم صراخها وهي تضجّ صمتاً بين ساعات الليل الطويلة؟
تشبه التماثيل تلك الإطلالات، مع فارق بسيط وواضح: أصحاب الإطلالات لا فائدة ترجى منهم، تاريخهم حفظناه غيباً مخافة الرسوب في امتحان الأحاديث الإصطفافية الفارغة؛ تاريخهم يبعثر الحاضر فيضيع الحلم بالمستقبل.
يفرحني التوهمّ بأنّ التاريخ لن يسجّل أسماءهم إلاّ للتذكير بمن ارتكب معصية الإخلال بالأمانة ذات تاريخ.
ألا يؤلمك جرح الوطن؟
ألا تستنزف حكاياته بقايا الحلم بالعودة؟
ألا تحاول ولو مرّة أن تبحث عن صندوق بريد يبتلع رسائل أكتبها وأعرف، أعرف تَماماً أنها... لن تصل؟
![]()