شاعر الفلاسفة بين الضَّحك والتّراجيديا

هاشم صالح قرأها 13
 

لماذا قال نيتشه: "أنا شخص غير موجود على الإطلاق!"

يعتبر اليكسيس فيلونينكو أحد كبار مؤرخي الفلسفة في فرنسا، ولكن ليس معروفاً عنه أنه يهتم بشخص مثل نيتشه، وإنما هوdffffffffgrgerggerrege55ertg.JPG بالأحرى في جهة كانط وفيخته وبقية «العقلانيين» إذا جاز التعبير. وقد كرَّس لهم كتباً مهمة، أصبحت مراجع لكل الباحثين. فما الذي حدث لكي يهتم بنيتشه، الخصم اللدود لكانط وهيغل؟.

لنستمع إليه يقول منذ بداية كتابه هذا: «كان كانط هو الأكثر عقلانية ومنطقية بين الفلاسفة. وقد صعد، مرحلة فمرحلة، الدرجات التي أوصلته في النهاية إلى قمة نظامه الفلسفي. لقد صعدها بتؤدة وبطء كما يفعل الحلزون أو السلحفاة. ولم يضرب ضربته الكبرى الأولى، أو قل لم يقدر عليها، إلا بعد أن شارف على الستين. نقصد بذلك «نقد العقل الخالص» بالطبع. وهو أحد أهم كتب الفلسفة وأكثرها صعوبة واستعصاء على الفهم. ثم عاش بعد ذلك وكتب حتى تجاوز الثمانين. أما نيتشه فكان أن وضع اللمسات الأخيرة على نظامه الفلسفي، ولمّا يتجاوز الأربعين إلا قليلا!.. لقد صبّ كل ما عنده دفعة واحدة، أو قل انه انفجر به كما ينفجر البركان بالحمم. وفي الأربعين من عمره كان قد أوصل رسالته الأساسية إلى البشرية. وهذا الحدث ينطوي على عبقرية مشتعلة قلّ نظيرها في تاريخ الغرب. وإذا ما بحثنا عن شبيه له في الماضي لم نجد إلا المفكر الفرنسي «باسكال» الذي لم يعش أكثر من تسعة وثلاثين عاما. ومع ذلك، فلا يزال يشغل الناس حتى هذه اللحظة، ولكن ما أشد الفرق بينهما!، فباسكال كان فيلسوفاً محترفاً وعالماً دقيقاً وصارماً، أما نيتشه فيعتبر دخيلاً على الفلسفة، لقد جاءها من جهة الأدب. في الواقع أن نيتشه كان شاعراً، ومن أعظم الشعراء..».

لقد استشهدتُ مطولاً بكلام فيلونينكو مع تصرف كبير لكي أوضح كيف ينظر شخص كانطي إلى فيلسوف من نوعية نيتشه. ودائماً رأي الخصوم مهم، وأحياناً أهم من رأي الاصدقاء. ويعتقد فيلونينكو أن نيتشه يقدم جمال العبارة على دقة المعنى، لأنه شاعر بالدرجة الأولى، قبل أن يكون فيلسوفاً. ثم انه يشطح أحياناً شطحات سوريالية بعيدة وبخاصة في كتابه الشهير «هكذا تكلم زرادشت». انه يوغل بعيداً إلى درجة أن التواصل معه ينقطع، والفهم يستحيل. فهناك مقاطع في هذا الكتاب لا يستطيع أحد أن يشرحها. ثم يعيب المؤلف على نيتشه جهله بالرياضيات والتقدم التكنولوجي في عصره. ولذا، فإن رؤيته للعالم هي رؤية سيكولوجية وأخلاقية أساساً. وذلك على عكس كانط وفيخته ومعظم الفلاسفة منذ ما قبل سقراط وحتى اليوم. فهؤلاء اهتموا بالنظريات العلمية التي كانت سائدة في عصرهم وبنوا عليها فلسفتهم. ولذلك، قال أحدهم: لولا نيوتن لما كان كانط!. ولكن يبدو أن نيتشه كان يتفلسف من موقع آخر لا علاقة له بالرياضيات أو بالتكنولوجيا.

يضاف إلى ذلك، أن نيتشه كان مريضاً، فقيراً، شارداً، أو متشرداً على الطرقات والدروب. لم يكن له منزل ثابت، ولا بيت دافئ، ولا زوجة ودودة، ولا صديق ولا أنيس.. لا شيء أبداً.. لا أحد.. وحدة مقفرة، شاسعة واسعة، مترامية الأطراف... وحدة يكاد يسمع فيها أزيز الصمت يلفّه من كل الجهات. والأكثر من ذلك، هو أنه لم يكن يرى أمامه إلى أبعد من ثلاث خطوات بسبب ضعف بصره. لكن، لنستمع إليه هو شخصياً يصور حالته: «ان وجودي عبء ساحق لا يُحتمل، لا أستطيع أن أقرأ! ونادراً ما أستطيع أن أكتب!، ولا أستطيع أن أتواصل مع أي شخص على وجه الأرض!، ولا أستطيع أن أسمع أي موسيقى!، أن تكون وحيداً، وتمشي..».

في ظل هذه الظروف الصقيعية المرعبة، كتب نيتشه مؤلفاته الخالدة. ولم تمنعه هذه الظروف من أن يصبح أعظم كاتب في اللغة الألمانية، إذا ما استثنينا لوثر، مؤسس البروتستانتية، وغوته. لكن لماذا نستثنيهما؟ فقد كان يعتقد أنه، مثلهما، سوف يقطع باللغة الألمانية مسافة جديدة ويعوّدها على أن تقول ما لم تستطع قوله سابقاً. لا يستطيع أحد أن يسلم من جاذبية نيتشه أو سحر أسلوبه إذا ما صبر على قراءته ولو قليلاً. أقول ذلك وأنا اتحدث عن الترجمة الفرنسية، فما بالك بالنص الألماني؟!، لكنني لا اتفق مع فيلونينكو على القول بأنه كان يضحي بدقة المعنى لصالح بلاغة العبارة. فنيتشه من الكتاب القلائل في التاريخ الذين يستطيعون أن يجمعوا في ضربة واحدة بين عمق المعنى وجمال العبارة، لنستمع إليه يتحدث عن كتابه «هكذا تكلم زرادشت»:

«من بين مؤلفاتي كلها، يحتلّ هذا الكتاب مكانة خاصة. عندما قدمتُه للبشرية أعطيتُها أكبر هدية يمكن أن تتلقاها. ان هذا الكتاب الذي يخترق صوته أعماق القرون المقبلة ليس فقط أعلى كتاب وجد حتى الآن، الكتاب الحقيقي الذي يليق بهواء القمم والأعالي. وإنما هو أعمق كتاب انبثق من كنوز الحقيقة الدفينة الأكثر سرية. كل الظواهر البشرية تنحطّ عن علوّه الشامخ أو تنخفض على مسافات لا نهائية تحته.. انه بئر عميقة لا تُستنفد، وكل من ينزل إليها لا يمكن أن يخرج إلا وهو مثقل بالذهب المصفّى والطيبة الإنسانية..».

ربما قال بعضهم: ولكن لا يحق لأحد أن يفتخر بنفسه على هذا النحو، وإنما ينبغي أن يترك هذه المهمة للآخرين. وهذا صحيح عموماً، ولكن ربما كان يحق لنيتشه ما لا يحق للآخرين لعدة أسباب. أولها أنه نيتشه، وثانيها أن أحداً لم يهتم به في حياته. وكل كتبه، أو معظمها، طبعها على نفقته الخاصة ولم تثر أي تعليق أو أي اهتمام تقريباً. لقد عاش على رصيده الخاص: أي على ثقته بنفسه ومعرفته لقدره وأهميته. ولو أنه أعطى وزناً لاهتمام الناس به، أو بالأحرى لعدم اهتمامهم، لتخلّى عن الكتابة بسرعة ولما ألف ربع ما ألفه. من هو الكاتب الذي يستطيع أن يقاوم هذا الصمت المطبق عليه من كل النواحي ويستمر في عملية الكتابة طيلة عشرين سنة متواصلة دون أن يتلقى أي صدى؟!. حتى كتّاب الدرجة الثانية أو الثالثة، تصدر عنهم مقالات عديدة في الصحف والمجلات، هذا إذا لم يتحفونا هم بأنفسهم بمقابلات طنانة رنانة هنا أو هناك.

أما نيتشه، فهو شخص غير موجود على الإطلاق!. لقد عاش ومات دون أن يصدر عنه مقال واحد او قل صدر مقال او مقالان لشخص في الدانمارك او السويد لم أعد أذكر.. ثم بعدئذ انفجرتْ شهرته كالقنبلة الموقوتة وكتبتْ عنه آلاف الكتب ولا تزال.. وبالتالي فلا ينبغي أن توهمنا شهرته السائدة حالياً أو تخدعنا. نيتشه عاش ومات دون أن يعرف احد أنه نيتشه!.. أقصد دون أن يستمتع بهذه الشهرة الأسطورية التي سينالها لاحقاً، بعد موته، أو حتى بعد جنونه بسنوات قليلة.. عندما ابتدأ نيتشه يدخل في غياهب الجنون الكامل، أخذت شهرته تصعد رويداً رويداً حتى غطّت على ألمانيا كلها.. وبالفعل فقد أصبح كتابه «هكذا تكلم زرادشت» انجيل الشبيبة الألمانية في فترة ما.

وهكذا صدقت نبوءته: هناك أناس يولدون بعد موتهم!.. عندما سيعرف الناس من أنا، لن أكون هنا.. لقد حصل له بشكل من الأشكال ما حصل لرامبو الذي كان معاصراً له من الناحية الزمنية، رامبو أيضاً مات دون أن يعرف أحد أنه رامبو، ما عدا فيرلين بالطبع.. وبالتالي فهناك كتاب يشتهرون في حياتهم وكتاب لا يشتهرون. ولكن الزمن يغربل كل شيء: فقد يشتهر كاتب ما في عصره ثم ينساه الناس بعدئذ وكأنه لم يوجد قط. وقد يحصل العكس ونيتشه من هذا العكس.. ولهذا السبب فان بعض الباحثين يرفضون الحكم على كاتب ما قبل مرور خمسين سنة على موته.

من يقرأ هذه المقالة قد يعتقد بأني من أنصار نيتشه بشكل لا مشروط. في الواقع اني أخاف منه، أو من بعض أفكاره المتطرفة. وهناك أشياء كثيرة لا أوافق عليها، ولكن لا أستطيع أن أقاوم جاذبية أسلوبه. بالطبع إذا ما خيرت بينه وبين جان جاك روسو، فإني أختار روسو فوراً وبدون أي تردُّدٍ لان روسو يجمع بين جمال الاسلوب والعمق الانساني للتفكير على عكس نيتشه الذي كان بلا شفقة او رحمة تجاه الضعفاء أحياناً. وليس من قبيل الصدفة ان بعض أفكاره استُخدمتْ عن حق او باطل من قبل هتلر والنازية. بل وحتى اذا ما خُيِّرتُ بينه وبين كانط الوعر الأسلوب والجاف جداً فاني سأختار كانط العقلاني المضمون لانه لن يقودني الى حافة الهاوية دون ان أشعر.. ولكني ضعيف أمام العبقرية الشعرية لنيتشه، ضعيف وبلا مقاومة تقريباً. لنستمع إلى هذا المقطع من سيرته الذاتية التي كتبها قبل جنونه بأشهر قليلة أو ربما بأسابيع:

«في هذا اليوم المكتمل، حيث كل شيء ينضج ويكتمل، وحيث العنقود ليس هو وحده الذي ينضج ويتذهّب: في هذا اليوم سقط شعاع من الشمس على حياتي.. نظرتُ إلى ورائي، ونظرتُ إلى أمامي، فلم أر أبداً في حياتي أشياء في مثل هذه الكثرة والطيبة.. ليس عبثاً اني دفنت اليوم سنتي الرابعة والأربعين، ويحق لي أن أدفنها بكل جدارة. فما كان فيها حياة أصبح الآن مُنقذاً، أبدياً. «قَلْب كل القيم»، «بتبجيل ديونيسوس»، ومن أجل تسليتي «شيخوخة الأصنام»، كل هذه الكتابات هي من هدايا هذه السنة، بل وحتى من فصلها الأخير فقط!. كيف يمكن ألا أشعر بالامتنان تجاه حياتي كلها؟ ولهذا السبب فإني أروي هنا على نفسي قصة حياتي..».

عندما كتب نيتشه هذا الكلام، لم يكن يعرف أنه على شفا الانهيار، ان أيام الصحو أصبحت معدودة.. ولهذا السبب رأى فيه النقاد بعض أمارات الجنون، وبخاصة عندما يمدح نفسه بطريقة مسرفة، أو عندما يهجو أمه وأخته بطريقة فضائحية منفلتة او غير مسؤولة..

لكن ما أجمل هذا الكتاب! لا أستطيع أن أشبع منه بعد أن قرأته مرات ومرات منذ سنوات عديدة، ولا أزال أمنّي النفس بقراءته مرة أخرى هذا العام. أنا أيضاً أريد أن أتسلّى، أن أنسى، أن أمضي بعض اللحظات  برفقة فريدريك نيتشه...

عنوان الكتاب: «نيتشه: الضحك والتراجيديا» Nietzsche: le Rire et Le tragique

اسم المؤلف: اليكسيس فيلونينكو Alexis Philonenko

منشورات المكتبة العامة الفرنسية ـ باريس Librairie generale Francaise - Paris