دومينيك دوفيليبان يتحدث كأي ناقد محترف ويرفع ثناء حاراً إلى «سارقي النار»
عندما يتحول رئيس الديبلوماسية الفرنسية إلى اكبر مدافع عن الشعر والشعراء
دومينيك دوفيليبان يتحدث كأي ناقد محترف ويرفع ثناء حاراً إلى «سارقي النار»

هاشم صالح
· عنوان الكتاب:
ثناء على سارقيّ النار
Eloge des Voleurs de feu
· المؤلف:
دومينيك دوفيليبان وزير خارجية فرنسا
Dominique de Villepin
· الناشر:
غاليمار ـ باريس Gallimard - Paris

الشاعر لا يترك وراءه براهين وانما فقط آثاراً تدل على مروره. فآثار خطاه هي وحدها التي تجعلنا نحلم.. الشاعر يمرّ، وكفى. فهذا حدث خطير في التاريخ، وليس بحاجة الى براهين من أي نوع لكي تقنعنا بأهميته. يكفي ان يتواجد الشاعر في مكان ما لكي تشتعل الدنيا!
*********
المقــال
عندما ابتدأت بقراءة هذا الكتاب قلت بيني وبين نفسي: ما علاقة رئيس وزراء فرنسا بالشعر والشعراء؟ أما كان الأجدر به ان يترك هذه المهمة لغيره؟ نقول ذلك وبخاصة ان فرنسا مليئة بالنقاد والأدباء، ولا ينقصها شيء في هذا المجال. ثم لماذا يتطفّل على مجال غير مجاله، وهو المشغول يومياً بشؤون السياسة الدولية وشجونها؟ نعم لقد ابتدأت القراءة وانا حذر ومتخوّف، كنت أخشى ان أجد كتاباً سطحياً هشّاً كتلك الكتب التي ينشرها رجال السلطة أحياناً عندما يحشرون أنفسهم فيما لا يعنيهم لكي يقال عنهم بانهم مثقفون، عارفون.. وهكذا ينالون المجد من كلا طرفيه: مجد السلطة ومجد الفكر.. ويغتصبون العلم والشعر.. ولكن في ذات الوقت كنت أعرف، من خلال قراءة الصحف ان دومينيك دوفيليبان، يتعاطى الشعر حتى قبل ان يصبح وزيراً للخارجية ثم رئيساً للوزراء بكثير. كان آنذاك يمثل منصب الأمين العام لقصر الإليزيه، ويقال بانه مقرب جداً من جاك شيراك، ولكني لم آخذ الخبر على محمل الجد او قل لم أعطه من الأهمية أكثر مما يستحقها. فجورج بومبيدو خلّف وراءه كتاب مختارات من الشعر الفرنسي. وكثيراً ما كان يترنم بأبيات من جيرار دو نيرفال او سواه أمام معاونيه وهو في قصر الإليزيه. وفرانسوا ميتران كان يحب الأدب والرواية، وجاك شيراك نفسه من هواة الشعر ومحبيه. أما ديغول فهو بحد ذاته كاتب محترف لا يشقّ له غبار..
ولكن بعد قراءة هذا الكتاب تغير رأيي تماماً، فالرجل ليس فقط هاوياً للشعر، وانما هو مسكون به ومتغلغل الى أعماقه. انه يتحدث كناقد محترف يعرف كل شيء تقريباً عن الشعراء الأساسيين، ويمتلئ كتابه بالهوامش العديدة والدقيقة في أسفل الصفحات. ولو قدم كتابه هذا الى جامعة السوربون لنال عليه فورا دكتوراة الدولة في مجال النقد الأدبي. وبدرجة الشرف حتماً. فالكتاب يستعرض تاريخ الشعر الفرنسي منذ بداياته الأولى وحتى اليوم ويتحدث عنه بكل أستذة واقتدار. بل انه يطفح أحياناً عليه لكي يتجاوزه ويتحدث عن شعراء الأمم الأخرى ومن بينهم شعراؤنا العرب. فهو يستشهد مثلاً بأدونيس او بدر شاكر السياب او محمود درويش، هكذا لكيلا نذكر إلا الكبار. وبالتالي فالرجل ليس عرقياً مركزياً أوروبياً او فرنسياً فيما يخص الشعر. انه يأخذه حيث وجده، لا فرق عنده بين شرقي وغربي، او عربي وأجنبي.. ان انفتاحه على الشعر العربي واستشهاده به في أكثر من موضع وبكل تفاعل ومودة، شيء يلفت الانتباه فعلاً.
لكن هناك نقطة أخرى تثير التساؤل في هذا الكتاب الضخم الذي يتجاوز الثمانمائة صفحة من القطع الكبير والحرف الدقيق! فدومينيك دوفيليبان لا يركّز الاهتمام على الشعراء الناجحين في الحياة، الشعراء الذين انتصروا ونالوا التشريفات والأمجاد، كما كنا نتوقع من رجل سلطة ينتمي الى إحدى العائلات الأرستقراطية الفرنسية العريقة. انه لا يركّز على فيكتور هيغو مثلا، بل ولا يكاد يذكره الا مروراً، وانما يركّز على الشعراء «الملعونين» او المنبوذين من امثال جيرار دونيرفال او شارل بودلير او بول فيرلين او آرثر رامبو او حتى لوتريامون! هذا ناهيك عن أندريه بريتون والسورياليين..
وهنا وجدت نفسي أمام صعوبة جديدة ورحت أطرح هذه الأسئلة:
ما علاقة هذا النبيل المدلّل الذي يعيش تحت الثريات المذهبة لقصر الإليزيه او الكي دورسيه بأمثال هؤلاء الصعاليك المشردين؟
ما علاقته بشارل بودلير الذي حاول الانتحار او همّ به أكثر من مرة، والذي كان ملاحقاً من قبل الدائنين طيلة حياته كلها؟
ما علاقته بشخص لا وظيفة له الا التسكع في شوارع باريس وشرب الخمر في حاناتها؟
ما علاقته بـ جيرار دونيرفال الذي ما كان يخرج من مصح عقلي حتى يدخل في آخر، والذي انتحر فعلاً في نهاية المطاف؟ «هذه الليلة سوف تكون بيضاء وسوداء، لا تنتظريني»، قالها لعمّته التي كان يسكن عندها، ثم ذهب لكي يشنق نفسه في احد الشوارع الخلفية للعاصمة الفرنسية وفي ساحة شاتليه بالذات. لقد قرر ان يضع حداً لهذه المهزلة السخيفة التي يتعلق بها الناس أحياناً أكثر مما يجب والتي تدعى: "الحياة"- هذه الفضيحة التي لاتُحتمل أحيانا من شدة جمالها وعبثيتها، هذه المرأة اللعوب المدللة التي ما ان تعطيك شيئاً حتى تسمَّك سمّاً من جهة أخرى؟ ولكنه قبل ان يرحل ترك وراءه بعضاً من أجمل نصوص الشعر الفرنسي والعالمي. تحية إذن الى جيرار دو نيرفال..
ما علاقته بـ آرثر رامبو الذي كان يمثل أكبر «زعرنة» في تاريخ الشعر؟ ما علاقته بـ لوتريامون الذي تفوح رائحته المرعبة والشنيعة على مسافة مائة كيلومتر على الأقل؟! من يستطيع ان يقترب من هؤلاء او ان يستقبلهم في بيته وبخاصة اذا كان وزير خارجية فرنسا؟
قد يقولون: انه انبهار النقيض بالنقيض! فانت تبحث عما ينقصك في نهاية المطاف. ثم انه حتى الجنة يمل الانسان منها.. يضاف الى ذلك ان هؤلاء أصبحوا يمثلون الآن مجد الشعر الفرنسي. صحيح ان أفعالهم أو تصرفاتهم العشوائية كانت تصدم الناس في وقتهم ولكنهم ذهبوا الآن ولم يبق منهم الا أفضل ما فيهم :اي الشعر الذي لا ينسى.. ما معنى فرنسا بدون رامبو او بودلير او بول فيرلين؟
لا ريب. ولكن هذا التفسير على وجاهته ليس كافياً، فالرجل صادق في إعجابه حتى بأشخاصهم، وكلماته المتوترة على مدار الكتاب كله لا تدع اي مجال للشك في هذا. ذلك ان دومينيك دوفيليبان شخص مجروح من الداخل وهو لا يتظاهر بذلك ولا يتصنع. نعم مجروح وفي العمق ولولا ذلك لما استطاع تأليف مثل هذا الكتاب الذي يعتبر أكبر ثناء على الشعر عرفته حتى الآن. صحيح ان المسافة السوسيولوجية او الاجتماعية او قل الطبقية بينه وبينهم تبدو أبعد من السماء عن الأرض ولكن القرابة الروحية واضحة جلية.
لا يتوسّع المؤلف كثيراً في التحدث عن جراحاته الشخصية ولكن يخيل اليّ انه يصفّي حساباته معها او يداويها من خلال هؤلاء الشعراء الكبار الذين جنّوا او عانوا او انتحروا. انه يداوي أوجاعه من خلال هذا التفهم الداخلي لاشعارهم، من خلال هذا التغلغل في الأعماق والأقاصي. انه «ينتقم» لشقيقه الذي مات في عزّ الشباب والذي كان يكبره بسنتين فقط. ونفهم من تلميحاته انه كان مصاباً بنفس العلة التي أصابت هؤلاء الشعراء، اي العجز عن التأقلم مع الحياة بشكل طبيعي كما يفعل معظم البشر، وبالتالي ففيهم رأى وجه أخيه الراحل الذي كان يحبه جداً على ما يبدو.
هذا هو تفسيري «لجرح» دوفيليبان، هذا ما استخلصته من خلال قراءة الكتاب، ولا أعرف فيما إذا كنت مصيباً أم مخطئاً. ولكن هناك سبب آخر لتعلق المؤلف بالشعر او ولعه به، هو أمه، وهو يتحدث عن ذلك بشكل مؤثر وجميل فعلاً منذ بداية الكتاب. فأمه كانت تنسخ له القصائد الجميلة لشعراء فرنسا عندما كان طفلاً وتدسّها في جيوبه لكي يفاجأ بها بعدئذ ويقرأها.
وهي أجمل هدية يمكن ان تقدمها أم لطفلها: خط الأم المقدس مكتوب بأحرف من نور على أوراق بيضاء يفوح منها العطر.. عطر الشعر، وعطر الأم! هكذا دفعة واحدة.. هنيئاً لك يا دوفيليبان، إني أحسدك. كيف لا يعجب اذن دومينيك دوفيليبان بالشعر؟ لقد ولد معه، وكان يتغنّى به منذ نعومة أظفاره. ولكن هنا ايضاً تنشب صعوبة جديدة، فالرجل يحتل منصباً رفيعاً على رأس الدولة الفرنسية وربما صعد أكثر مستقبلاً، ومواجهاته مع كولين باويل، أصبحت مشهورة في أروقة الأمم المتحدة ومشاغله السياسية اليومية أكثر من ان تحصى او تعد ومع ذلك فهو يجد الوقت الكافي للاهتمام بالشعر! ربما لنسيان السياسة ولو قليلاً، للاستراحة في واحة خضراء وارفة الظلال. ولكن الشعر أصبح فناً ثانوياً في بلدان أوروبا الصناعية المتقدمة، لقد انقرض او كاد ولا ينبغي ان نتخيل ان مكانته في فرنسا تشبه مكانته في العالم العربي، حيث لا يزال يحتل المرتبة الأولى. فالشاعر عندنا نجم، وأيّ نجم! ولكنه عند الاوروبيين شخص مجهول ومهمش الى أقصى حد ممكن. لقد حلّ محله الروائي او الفيلسوف او المخرج السينمائي، لقد انتهى الشعر، مات الشعر.. ولكن يخيل اليّ ان دومينيك دوفيليبان يتخذه كمحطة استراحة.. كواحة غنّاء في صحراء الحياة والسياسة، انه يلجأ اليه لكي يخفف من اوجاعه، لكي يداوي جراحاته، قبل ان يواصل مرة اخرى مسيرة الحياة الصاخبة.
وهذا تفسير وارد ولكن ليس كافياً، فالرجل يولي للشعر مكانة لا تقل أهمية عن مكانة الدين او الفلسفة، هذا إن لم تزد. انه لغة أخرى او لغة عليا كما يقول الناقد جان كوهين في دراسة ممتعة. او قل استخدام آخر للغة. صحيح انه غير عقلاني او غير منطقي ولكنه يؤدي الى استكشاف الواقع وسبر أغواره بطريقة أخرى. فيما يخص هذه النقطة اسألوا هيدغر..، بهذا المعنى فإن الشعر معرفة ولكن من نوع آخر غير المعرفة المنطقية الفلسفية الثقيلة المرهقة.. فبعد ان قدّم نشيداً للقبيلة، راح الشعر يقدم للانسان صوتاً لكي يشعل العالم، هذا ما يقوله المؤلف بالحرف الواحد، الشعر بهجة العالم، نور العالم، معجزة الوجود. قبل ان يجيء الشعر، كان العالم بارداً، نثرياً، ثم اشتعل فجأة وتوهج..
في فصل بعنوان «الطرق البغالية» او طرق البغال الوعرة، يقدم الوزير الشاعر عدة تعريفات للشعر، وهو يستعير المصطلح من رينيه شار، أهم شاعر فرنسي في القرن العشرين، فشار يقول في أحد مقاطعه:
"نحن نمتلك مطرقة
اللغة المغايرة
نحن مؤمنون
ولكن لدروب بغالية"
(بغالية - أي وعرة، وهي الدروب التي لا تستطيع ان تسلكها الا البغال!)
قد يبدو هذا التشبيه فجاً، ولكن رينيه شار تعوّد على ان يصدمنا قصداً.
في بداية هذا الفصل يعرّف المؤلف الشعر قائلا:
«في تقدمه الى الأمام يصطدم الشاعر بنظام العالم، بالقلاع والحصون التي لا يستطيع التعايش معها الا اذا ضحّى بالنفث الشعري، الا اذا انصاع للمساومات المبتذلة والعقلنات العقيمة. ولذا فمنذ البداية نجد انه يأخذ الطريق بالعرض، ويتبنّى الحالات الهامشية او المتطرفة، هذه الحالات التي تجعل الانفعالات والأهواء والشطحات تتغلب على كل شيء.
الشاعر يتخلى عن الضفاف القديمة، عن العادات الامتثالية واللغات المصطنعة، وذلك ان العصيان ديدنه والتمرد قانونه».
منذ البداية نلاحظ اذن ان دومينيك دوفيليبان يختار معسكره اذا جاز التعبير. انه ليس معسكر الشعراء المقبولين او المرضي عنهم من قبل المجتمع، وانما اولئك الذين لفظهم المجتمع فعاشوا على هامشه او حتى على هامش الهامش. ثم يستشهد بعدئذ برينيه شار الذي يقول: «الشاعر يحول كيفما اتفق الهزيمة الى نصر، والنصر الى هزيمة»، بمعنى انه يستغل نقاط ضعفه وهامشيته وجنونه لكي يحولها الى أكبر انتصار في التاريخ. كل حياة بودلير عبارة عن هزائم متتالية ولكن مصحوبة بقصائد عبقرية تبقى على الدهر.. وماذا عن حياة رامبو؟ حدّثْ ولاحرج..
الشعر لا يجيء الا على أنقاض الاحتراق، على أنقاض التدمير الذاتي للذات! هذا شيء لم يعلمنا إياه فيكتور هيغو (على الرغم من عظمة هيغو) وانما تعلمناه من بودلير ورامبو ولوتريامون وقبلهم جيرار دونيرفال. ولا أنسى بول فيرلين ولا ذلك المجنون الكبير: هولدرلين! هذا شيء تعلمناه من الشعراء «الملعونين» الذين لم يحتفل بهم أحد في حياتهم، الشعراء الذين لم ينالوا أية جائزة ولم يستقبلهم أيّ وزير في صالوناته. هل يمكن ان تتخيل، ولو للحظة واحدة، بودلير في قصر ماتينيون او رامبو في الإليزيه؟ مستحيل.
على الرغم من تفاصحه الزائد عن الحد أحيانا وربما المزعج، الا ان دومينيك دوفيليبان يقدم صفحات مضيئة عن شعراء الحداثة الكبار الذين جاؤوا بعد فيكتور هيغو وأحدثوا القطيعة الكبرى معه. وسوف أتوقف عند الفصول المكرسة لشعراء فرنسا الكبار في القرنين التاسع عشر والعشرين، اي جيرار دونيرفال، بودلير، رامبو، لوتريامون، رينيه شار، هنري ميشو، سان جون بيرس،الخ.. وسوف أركّز على بعض المصطلحات الشعرية أو الفتوحات الأساسية لشعراء الحداثة.
نلاحظ اولا ان رينيه شار يقول ما معناه: الشاعر لا يترك وراءه براهين وانما فقط آثارا تدل على مروره. فآثار خطاه هي وحدها التي تجعلنا نحلم.. الشاعر يمرّ، وكفى. فهذا حدث خطير في التاريخ، وليس بحاجة الى براهين من اي نوع لكي تقنعنا بأهميته. يكفي ان يتواجد الشاعر في مكان ما لكي تشتعل الدنيا!... في مكان آخر نلاحظ ان دومنيك دوفيليبان يقيم مقاربة بين اللغة الشعرية واللغة الصوفية باعتبار انهما تعبّران عن شيء لا تستطيع اللغة العقلانية ان تعبّر عنه. فليس بالعقل وحده يحيا الانسان. هناك أشياء تتجاوز العقل ولا يمكن التوصل اليها الا بواسطة لغة لاعقلانية: أي لغة جنونية متوترة، لغة صوفية أو شعرية. انها اللغة التي تصعد وتصعد حتى تصل الى التناغم الأولي من أجل تقليد نفث الخالق أو اعادة تركيبه، من اجل التوصل الى الكلام الأصلي، الى النبع الأساسي، المخصب والمُلهِم.
وهذا التعريف للشعر لا يختلف كثيرا عن كلام هيدغر عندما يتحدث عن هولدرلين، أصفى وأنقى شاعر انجبته المانيا. في عام 1935 يكتب هيدغر: اللغة هي القصيدة الأصلية التي بواسطتها يعبر شعب ما عن الكينونة، كينونة الوجود.
وبالعكس، فإن الشعر العظيم هو ذلك الذي بواسطته يدخل شعب ما التاريخ. والإغريق مع هوميروس عرفوا هذا الشعر، وكذلك الألمان مع هولدرلين.
والشاعر والفيلسوف ليسا مفصولين عن بعضهما البعض الا بطريقة استخدام اللغة: الأول بشكل لا منطقي، والثاني بشكل منطقي. ولكنهما قريبان من بعضهما البعض أكثر مما نتصور. انهما، بحسب هولدرلين، يشبهان ذروتين شاهقتين يفصل بينهما الوادي السحيق. ولكنهما ينتميان الى نفس الجبل. وليسا مفصولين عن بعضهما البعض الا عن طريق نسيان ما هو أساسي. ثم يضيف هيدغر قائلا بلغته العالية: «في جبل الكينونة، أعلى ذروة هي ذروة النسيان..».
لكن لا أستطيع ان أختم هذه المقالة قبل التوقف عند مصطلح أساسي في الشعر الحديث، وشعر بودلير بشكل خاص هو: مصطلح الهاوية. وأقصد بها الهاوية التي تفغر فاها، التي تشدك اليها غصباً عنك حتى تسقط فيها ولا قرار..
كل الشعراء الكبار، وحتى كل المفكرين والفلاسفة، حاذوها في لحظة ما من لحظات حياتهم، كلهم اقتربوا من حافتها، أصبحوا منها قاب قوسين او أدنى، بل وسقطوا فيها، على الأقل بعضهم.. أقول ذلك وانا أفكر بجيرار دونيرفال أو نيتشه او هولدرلين او فان غوخ أو عشرات الكتّاب والفنانين الآخرين.
يقول دومنيك دوفيليبان: «في كل مكان من كتب بودلير تجد الهاوية تفغر فاها، الهاوية التي ترعبك وتسحرك في ذات الوقت. انها حاضرة في كل أشعاره وحياته. والدليل على ذلك اعترافه التالي: معنوياً وجسدياً كان الإحساس بالهاوية يرافقني. ولا أقصد هاوية الندم فقط، وانما ايضاً هاوية الممارسة، والحلم، والذكرى، والرغبة، والأسف، والندم، والجمال والعدد، الخ..».
في كل لحظة يجد بودلير نفسه وكأنه على حافة الهاوية. وعندئذ كان يشعر بالمتعة والرعب والدوخان ايضاً. وهذا الشعور الكابوسي هو الذي شكل العمق الذي لا يضاهى لشعره. صحيح انه دفع الثمن باهظاً من الناحية الوجودية، ولكن كانت النتيجة «مربحة» من الناحية الشعرية! والواقع انه يكفي ان ننظر الى وجه بودلير في الصورة لكي نرى حجم المعاناة التي عرفها، ومدى عمق المهاوي السحيقة، التي نزل اليها!.. انه وجه شيطاني مخيف او انساني اكثر من اللزوم..
ذلك ان الشاعر هو سارق نار، وهنا نصل الى عنوان الكتاب. وسارق النار في الأسطورة اليونانية هو «بروميثيوس» بالطبع: اي ذلك الشخص الذي سرق النار من الآلهة وقدمها للبشر كهدية، فعاقبته الآلهة عقاباً شديداً. ورامبو الذي استشهد به المؤلف منذ الصفحة الأولى للكتاب يقول: «حقا ان الشاعر هو سارق نار». بمعنى ان ينتهك المحرمات، يتجرأ على ان يرى ما لا يرى عن طريق اقتحام المجهول والمجازفة بنفسه. ليس غريباً اذن ان يكون الثمن المدفوع باهظاً. فسارقوا النار من بودلير الى لوتريامون مروراً بفيرلين ورامبو وعشرات غيرهم كلهم ماتوا في عزّ شبابهم، بعد ان عرفوا الطبقات السفلى للجحيم.
كنت اتمنى ان استطيع التوقف عند جيرار دونيرفال، جيرار الطيب والوديع كما كان أصدقاؤه يدعونه. ولكن سأكتفي بهذه الأبيات:
«أيتها الورود البيضاء، اسقطي!
انك تشتمين آلهتنا: اسقطي أيتها الأشباح البيضاء من سمائك التي تشتعل:
ذلك ان قداسة الهاوية أكثر قداسة منك في عيني!».
وقد سقط جيرار في الهاوية من كثرة ما حملق فيها. لقد اقترب من الحافة أكثر مما يجب بعد ان عانى من تلك التجربة التي لا معنى لأي شعر أو نثر بدونها: تجربة التدمير الذاتي للذات، ولا يجيء الشعر حلالاً طيباً الا على أنقاضها..
ما سرّ هذا الولع بالهاوية، هذا الانحطاط نحو الأعماق السحيقة للهاوية؟ ولماذا ينبغي على الشعراء الكبار ان يدفعوا كل هذا الثمن؟ لماذا لم يعش لوتريامون أكثر من (24) سنة، ورامبو (37) سنة، وبودلير وجيرار دونيرفال (46) سنة؟ انها لحياة انتحارية تلك التي يعيشها سارقو النار: اي المكتشفون الكبار. هؤلاء الفاتحون الذين اقتحموا المجاهيل ووسّعوا حدود اللغة في كل مرة، ما كان يمكن الا ان يدفعوا الثمن. فليس من الطبيعي ان تنافس الآلهة على الخلق من عدم! وويل لمن يقترب من تلك المجاهيل القصية التي لم تطأها قدم قط! ويل لمن يتجرأ على اصطياد المجازات العبقرية والصياغات اللغوية! ويل لمن يدشن الآفاق السماوية!.. ويل للشعراء الكبار..
كنت اتمنى لو استطيع التوقف عند الفصل الذي يحمل العنوان التالي: «دوخة الهاوية»، ولكن لا أستطيع. فقد ادركني الوقت وضاق المكان. ومع ذلك فسوف استشهد بهذه الأبيات المجنونة، أي العبقرية، للوحش لوتريامون:
«انا ابن الرجل والمرأة، بحسب ما قالوا لي. وهذا يدهشني. فقد كنت أعتقد اني اكثر من ذلك، ولكن في نهاية المطاف ما يهم من أين أتيت؟ ولو ان الأمور توقفت على إرادتي لفضلت ان أكون ابن أنثى سمكة القرش التي يكون جوعها صديقاً للأعاصير، والنمر المشهود له بالقساوة والوحشية»..!.
ولكن هل استطيع ان أعْبر هذا الكتاب كله بدون ان أتوقف ولو للحظة عند ريلكه؟ هل يمكن ان أقترف مثل هذه الجريمة في حق الشعر والشعراء؟ ريلكه الذي يقول: «الأعمال الفنية (أو الأدبية) هي دائماً نتيجة مجازفة او مخاطرة. انها نتيجة تجربة معينة قادها صاحبها حتى النهاية، اي حتى يصل الى تخوم لا يمكن لأي شخص ان يذهب الى ما هو أبعد منها».
ان الذي يقول هذه الكلمات يعرف عما يتحدث. انه سارق نار من الطراز الاول. وقد اقتحم المجاهيل المرعبة. ووصل باللغة الشعرية الألمانية الى تخوم لا تخوم بعدها. لنتوقف اذن خاشعين ولو للحظة واحدة عند هذا المقطع من «مراثي الدوينو»:
«وذلك لأنه كثيرٌ علينا ان نكون هنا، وان كل ما هو هنا،
كل هذه الاشياء العابرة، يبدو انها بحاجة لنا، هي التي، وياللغرابة، تتطلبنا.
نحن الأكثر عبوراً.
كل شيء مرة واحدة لاغير. مرة واحدة فقط ثم لا شيء بعدها.
ونحن ايضاً مرة واحدة لا مرتين.
ولكن ان تكون قد عشت هذه المرة الوحيدة والفريدة من نوعها،
نعم، حتى ولو لم تكن الا مرة واحدة، ان تكون قد وجدت شيئا أرضيا مرة فقط،
يبدو ان لا شيء يمكن ان يمحوها أبداً".
رينيه ماريا ريلكه.
إقرأ أيضاً من أبحاث المفكر هاشم صالح
بين العبقرية والجنون – دراسة فلسفية