الصيف، العطلة، الفراغ: جفاف في الداخل وفي الخارج الاخضرار...

هاشم صالح قرأها 11
 

باريس. خاص: جماليا esghsehgsergsrger4444444444444444444444trf.JPG

من أين تجيء هذه الوحشة في القلب كلما اقترب الصيف؟ هل لأن الناس يتفرقون، يحزمون أمتعتهم لكي يذهبوا بعيداً، وأنت تبقى؟

هل لأن المدينة تفرغ من سكانها؟ هل لأن الجو يصبح فارغاً، خفيفاً، على أهبة السفر؟ ربما. على أي حال هناك شيء ما في الهواء يصعب تحديده. هناك جو خاص بالصيف، جو يختلف عن غيره وبخاصة في البلدان الاوروبية. هناك دعاء غامض ، نداء من بعيد، ولا صدى.. الجميع يسافرون زرافات ووحداناً وأنت تبقى..

انه لشيء غريب: هناك أناس يعرفون أين سيمضون عطلتهم الصيفية حتى قبل ستة أشهر! انهم يبرمجون حياتهم ويقيسونها على المسطرة. كل شيء مبرمج لديهم، أمّا انا فشخص يستعصي على البرمجة. او قل إني مبرمَج بالغلط. والله لا أعرف ماذا سأفعل بعد ست ساعات، فما بالك بستة أشهر؟ وهكذا، عندما يسافر الناس أبقى، وعندما أبقى يسافرون.

قبل شهرين او ثلاثة أُتيح لي ان اذهب الى جنوب فرنسا في زيارة عمل اعتبرتها بمثابة عطلة في الواقع، وعندما أقول جنوب فرنسا فإني أقصد الشاطئ اللازوردي، او منطقة البحر الأبيض المتوسط، وهي المنطقة الوحيدة في فرنسا التي كلما اقتربت منها خفق قلبي.

كنت على موعد مع البروفيسور الفريد لويس دوبريمار، الاستاذ في جامعة ايكس آن بروفنص، قسم الدراسات العربية والإسلامية، وصاحب كتاب «تأسيس الإسلام» من أجل مناقشته حوله وحول نظريته العامة عن التراث. بعد ان استقبلني في محطة «آفينيون» للقطارات، وهي محطة ينطبق عليها وصف «ما بعد الحداثة» ذهبنا للغداء في مطعم ضائع وسط الحقول... آه، ما أجمل ان تكون بعيداً عن باريس وان تدير ظهرك لضجيج العواصم! كنا وحدنا في مطعم كبير يتّسم بالعراقة الفرنسية ويتّسع لمائة شخص على الاقل.. كنا اثنين فقط وحولنا حشدٌ من المضيفين والمضيفات الذين يهتمون بنا ويحرصون على راحتنا.

أين يمكن ان تجد ذلك في باريس؟ بالكاد يهتمون بك او يشعرون بوجودك...

وحولك يخيم الهدوء وظلال الاشجار العملاقة العتيقة وسكينة الريف الفرنسي. قلت للبروفيسور دوبريمار: الناس لا يعيشون في باريس، الناس ينهبون الحياة نهبا. او قل ان الحياة تنهبهم وتستهلكهم. الناس يتسابقون تحت الأرض وفوق الأرض، اما هنا فأنت تعيش على مهلك.. هنا توجد الحياة الحقيقية. أنا ابن الريف وينبغي ان أعود اليه..

في نهاية الوجبة خطرتْ على بالي فكرة معينة. كنت أعرف ان بيت الشاعر رينيه شار موجود في المنطقة، ولكن كنت أخشى ان يكون بعيداً جداً وان أورِّط مضيفي في مشروع لا طاقة له به، ومع ذلك فقد تجرأتُ وسألته: اين توجد مدينة «ليل سيرلاسورغ» يا ترى؟ وحكيتُ له القصة قائلاً باني كنتُ أحلم بزيارتها منذ زمن طويل لكي أرى المكان الذي عاش فيه هذا الشاعر الكبير الذي هجر باريس كلها من أجله، وكنت بشكل خاص أريد ان أرى نهر «السورغ» الذي يخترق المدينة الصغيرة، والذي طالما تغنى به رينيه شار في قصائده.

وفوجئتُ بالسيد دوبريمار ينهض فوراً ويقول لي: تعال معي، انها على مبعدة عشر دقائق بالسيارة فقط.. وكانت المفاجأة كبيرة.. وهكذا شاهدت المدينة والنهر الصغير الوديع الذي يضفي عليها جمالها وسحرها. وعرفت لماذا أصرَّ الشاعر السوريالي الكبير على تفضيلها على كل إغراءات العاصمة وأضوائها.. لن أترجم هنا اي حرف من تلك القصيدة الشهيرة التي كرسَّها « رينيه شار» للنهر الذي يضفي الحياة والبهجة ان لم أقل الابتسامة على تلك المدينة. فهي ذات أوزان وقواف، وأخشى اذا ما ترجمتها ان أقتلها. لو كانت قصيدة نثر لفعلت ذلك، ولكن المغامرة هنا غير مضمونة العواقب. وربما أثارت الضحك والسخرية.

في طريق العودة الى بيته أشار دو بريمار بيده من السيارة الى إحدى المناطق البعيدة وقال: هناك يوجد المنتجع الذي كان يختلي فيه شاعر النهضة الإيطالية «بيترارك». قلت له: أرجوك، توقّف! هل يمكننا ان نزوره؟ ضحك وقال: نعم يمكننا، ثم اردف قائلا: ما كنت اعرف انك تحب الطبيعة الى مثل هذا الحد.

hsdghghjjjjjjjjj8888888888r57ud.JPG

وهكذا عرجنا على تلك المنطقة الفاتنة التي كان يقصدها بيترارك، وربما دانتي أيضاً، وكانت أجمل من مدينة رينيه شار. كان جمالها من النوع الذي يخطف الأبصار. وتمنيت لو بقيت هناك دهرا. نهر غزير يرحب بك ويسيل تحت قدميك في منطقة أشجار وغابات وجبال. هناك صخرة معلقة كالقرص المدور في أعلى الجبل. سألته: ألن تسقط على رأسنا اذا ما تابعنا السير في الوادي حتى نصبح تحتها بالضبط؟ أجابني: انها هنا منذ قرون ولم تسقط حتى الآن على رأس أحد.. ثم أضاف: بيترارك عندما كانت تصيبه نوائب الدهر كان يلجأ الى هنا لكي يتسلّى، لكي ينسى، لكي يتعزّى. تذكّرتُ البحتري وإيوان كسرى وقلت بيني وبين نفسي وأنا ألامس الأشجار: يغتلي فيهم ارتيابي حتى.. تتقراهم يداي بلمس.

رحت أجيل بصري بالمكان المختبىء في خاصرة الجبل، او في عمق الوادي، وحاولت ان «أشبع» من رؤيته الى أقصى حدٍّ ممكن قبل مغادرته. حاولتُ ان أرى نفس المنظر الذي رآه بيترارك عندما كان يجيء الى هنا لكي يداوي أوجاعه الغرامية وجراحاته.. هنا كان يختلي أسابيع طويلة ويغرق في بحر من التأملات. هنا كان يبتهل الى الله ويصلي خاشعاً في حضن الطبيعة التي تصلي هي أيضاً بسقسقة مياهها، وحفيف أشجارها، وطيب هوائها.

هنا كان يتذكر «لورا» تلك الفتاة التي لمحها يوماً ما في الكنيسة وأحبَّها دون ان يعرف من هي. وكان حباً عذرياً خالصاً لم تلوِّثْه المادّيات. ثم ماتت لورا وأصبحت ملاكاً بالنسبة له، وهذا كل ما كان يريده. كان يبحث عن المطلق في الصفاء، او عن صفاء المطلق. وكان يأمل بلقاء لورا في العالم الآخر اذ تعذر اللقاء في هذا العالم. والى روحها الطاهرة رفع أجمل القصائد والأناشيد.. لقد أصبحت زوجته في المطلق، في دار الأبدية والخلود. في الواقع ان بيترارك كان شخصية خصبة تعجُّ بالمتناقضات. فهو قد ولد عام 1304ومات عام 1374: اي في فترة متذبذبة لم تكن فيها العصور الوسطى قد ماتت تماماً، ولا العصور الحديثة قد ولدت تماما. وهي فترات تنجب عادة شخصيات متمزقة ومنقسمة على نفسها، تماماً كالعصر العربي الإسلامي الذي نعيشه نحن اليوم. انه عصر انتقال وقطيعة ونزيف داخلي حاد. ولذا كان بيترارك مولها بالماضي والحاضر، بالمسيحية والوثنية، بالمتع الحسية والزهد الناسك، بالشعر والنثر.. كان شرهاً منخرطًا في شهوات هذا العالم الى أقصى الحدود، خصوصاً في شبابه الأول، وقبل ان تصيبه الأزمة النفسية التي حولته في ما بعد الى زاهد متوحّد. وكان ناشطاً سياسياً لا يتردّد في لعب الأدوار الخطرة وأداء المهمات السرية التي توكل اليه من قبل الأمراء والبابوات والملوك. وكان محاطاً بالأصدقاء والمعجبين، وبيته دائماً مليء بالبشر، ومع ذلك فكان يشعر بالوحدة والحزن ويقول: أشعر دائماً بعطش في قلبي.. ما كان يستطيع التوفيق بسهولة بين ايمانه الديني العميق من جهة، وبين شغفه بالحضارة اليونانية ـ الرومانية الوثنية من جهة أخرى. باختصار: كان قلبه في جهة، وعقله في جهة أخرى.

في طريق العودة قلت للبروفيسور دوبريمار: ألا تعتقد بأن جمال الطبيعة الأوروبية، ان لم أقل «عبقريتها»، هو السبب في تقدمكم علينا نحن الشرقيين؟

وقبل ان أكمل عبارتي تقريباً قاطعني قائلا:

ولكن ابن خلدون تحدث عن هذا الموضوع، وتناول مسألة تأثير البيئة والمناخ على نفسية السكان وطبائعهم.. قلت: سبحان الله، ابن خلدون لم يترك شيئاً إلا وشرحه ودرسه وأخذه بعين الاعتبار.

والواقع انك لا تستطيع ان تفكر في ظل درجة الحرارة التي تصل الى الخمسين صيفا! وأما هنا، في أوروبا، فلا تكاد تجد مدينة تقريباً الا وهي واقعة على ضفاف بحر او نهر تجري فيه السفن، او محاطة بالغابات والوديان العميقة. هذا ناهيك عن السهول الخصبة المنتشرة على مدً النظر. فكيف يمكن اذن ألا تصبح عبقريا؟

بالأمس القريب كنا في الجزائر لحضور الملتقى الدولي الاول للكتاب العرب في المهجر. وقد أرونا المغارة التي يقال بان ابن خلدون اختبأ فيها لكي يكتب نصه الشهير: المقدمة. ويبدو انه كان ملاحقا من قبل أعداء خطرين في ذلك الوقت. والشيء الذي أدهشني أكثر ليس مغارته وانما المغارة الموجودة أمامها على بعد خطوات فقط. سألتهم لمن هذه المغارة الثانية؟ قالوا : للحراس. واذن فان الرجل كان ملاحقاً بالفعل ويخشى على حياته. الأمر ليس مزحة.. تحتك منظر جميل ولا أروع. انه يمتد حتى نهاية الافق وتتخلله بحيرة ماء تلمع صفحتها من بعيد. انه الريف الجزائري بكل اتساعه وأطرافه المترامية وجماله. ويقال بان الشجر ما كان ينقطع في عصر ابن خلدون من أقصى بلاد المغرب الى أقصاها..كانت الغابات تغطي مساحات شاسعة من أراضي افريقيا الشمالية ثم جاء التصحُّر بعدئذ.. وبالتالي فلا ينبغي ان يخدعنا وضع بلدان المغرب حالياً. لا ريب في انها لا تزال جميلة مخضوضرة قياساً الى سواها من أغلبية البلدان العربية. ولكن يبدو انها كانت في عصر ابن خلدون، أي قبل ستمائة سنة، اكثر اخضراراً وجمالاً بكثير. كانت أجمل من أوروبا.

بعد ان زرت المغارتين برفقة الوفد تساءلت بيني وبين نفسي ونحن عائدون في الباص الى العاصمة: لماذا كان ابن خلدون ملاحقاً؟ لماذا يظل المفكرون ملاحقين؟ وهل يوجد مفكر واحد غير ملاحق في عصره؟ وتذكرت كلاماً للفيلسوف الفرنسي ميشيل سير يقول فيه بانه اطلع على حياة مفكري فرنسا الكبار على مدار أربعمائة سنة فلم يجد واحداً منهم غير ملاحق لسبب او لآخر.. وفهمت عندئذ لماذا تأسف جان جاك روسو بكل حرقة ولوعة لانه خرج من الظل واصبح معروفا. فقبل ذلك ما كان أحد يعبأ به او يزعجه. كان انساناً عادياً مثله في ذلك مثل بقية البشر. ولم تبتدئ مشاكله الا بعد ان ذاع صيته في الآفاق. ولهذا السبب راح يلعن الساعة التي اصبح فيها مشهوراً.. وبالتالي فينطبق عليه قول شاعرنا الكبير: اني بما أنا شاكٍ منه محسود...

777777777777we46es46ysw46uyws6ys46y.JPG