11 سبتمبر وتدشين القرن الواحد والعشرين
لا تزال تداعيات 11 سبتمبر تتوالى فصولاً بعد ست سنوات على حصول الحدث. وربما سوف تظل تتوالى حتى عام 2050 على الأقل.. او قل انها سوف تظلّ تتفاعل وتفجّر الأوضاع بين العالمين الغربي والإسلامي حتى يستشعر الأول ضرورة العدالة ويخفّف من غلوائه وغطرسته، وحتى يستشعر الثاني ضرورة مراجعة مفاهيمه الدينية او تصوراته التراثية مراجعة راديكالية شاملة.
وبانتظار ان يحصل ذلك فإن كل طرف يظل مصراً على موقفه ويعتبر ان الحق معه تماماً. وبما انه يصعب على الغرب ان يعترف بما اقترفته يداه في فلسطين او حتى في زمن الاستعمار السابق على فلسطين، فان تهدئة الخواطر تظل مستحيلة. بما انه يصعب عليه ان يعترف بمدى جور عدالته الاقتصادية وأنانيتها واحتقارها للشعوب الجائعة فان الحل بعيد. بما انه يصعب عليه ان يراجع أسُس حضارته فيخفف، ولو قليلاً، من نزعتها المادية الاستهلاكية الشهوانية المسعورة فان التناقض سوف يظل قائماً مع شعوب المشرق.
ولا أقصد بذلك ان الشعوب العربية والإسلامية لا تصبو الى الاستهلاك والتمتع بمباهج الحياة الدنيا كبقية شعوب الارض. ولكن الإسراف في هذا الاتجاه هو الذي يثير الغضب والاستغراب. أن تطمح شعوب الغرب الى تحقيق الرفاهية فهذا أمر مفهوم. ولكن ألاّ تشبع من الماديات والثروات وتراكم الرساميل فهذا أمر غير مفهوم.. ألاّ تشعر بالشفقة والرحمة تجاه الشعوب الجائعة فهذا ما يثير الاستنكار فعلاً.. أن يصبح معنى الوجود كله مختصراً في مدى حجم حسابي في البنك، أن يتحول إلى رقم مصرفي فقط، فهذا أمر يطرح علامة استفهام على انعدام الأبعاد الروحية والإنسانية لهذه الحضارة.
ليُفهم كلامي جيداً هنا. اني معجب بهذه الحضارة من نواح عديدة ولست بحاجة الى شرح ذلك فمواقفي معروفة. اني معجب بالتقدم الهائل الذي حققته على كافة الصعد والمستويات. ومعجب ايضا بسيادة النظام والقانون والتهذيب في مجتمعات الغرب. وبالأمس كنت في لندن وضللتُ الطريق في إحدى نزهاتي الصباحية وطلبت النجدة فإذا بسيد إنجليزي ينحني أمامي ويدلّني على الطريق بكل احترام وتهذيب حتى لكأنه يعتذر مني، في حين انه كان ينبغي عليّ انا ان اعتذر منه لأني أزعجته وهو ماض الى عمله.
نعم اني معجب بالحضارة والحداثة الأوروبية ولا أملّ من تكرار ذلك. ولكن يبدو ان الكمال مستحيل على هذه الارض. كنا نتمنى لو ان هذه الحضارة كانت أكثر كرماً وأقل أنانية وجشعاً. كنا نتمنى لو ان تقدمها الأخلاقي او الإنساني كان على مستوى تقدمها العلمي والتكنولوجي والعمراني.. ولكن فلاسفة الغرب أنفسهم يعترفون بانعدام ذلك ويتأسّفون عليه. من المعلوم ان فلاسفة التنوير الذين أسسوا هذه الحضارة قبل مائتي سنة كانوا يعتقدون بان التقدم العلمي والمادي سوف يؤدي بالضرورة وبشكل أُتوماتيكي الى التقدم الأخلاقي والمعنوي. ولكننا اكتشفنا لاحقاً ان ذلك غير صحيح. او قل انه أقل مما كنا نأمل ونتوقع. لا ريب في انه حصل تقدم كبير على مستوى السلوك اليومي للفرد، فلم يعد الناس همجيين تجاه بعضهم بعضاً. أصبحوا يتصرفون بشكل حضاري ويتقيدون بالقانون والنظام. وهذا تقدم كبير لا يُستهان به. ولكن على مستوى السياسات الدولية نلاحظ ان إرادة القوة والهيمنة لا تزال هي هي، والتنافس المحموم على الصفقات التجارية والمكاسب المادية لا يزال هو هو.. والرئيس الامريكي لا يشعر بأي حرج اذ يرى الآخرين يتذمرون منه ومن سياسته تجاه فلسطين مثلاً.. انه يطالب العرب بتقليص حجم التيار الأصولي المتشدد دون ان يدرك ان تحقيق العدالة في فلسطين ضروري لذلك. وقليلون هم المثقفون الغربيون الذين يعترفون بما جرى حقيقة في فلسطين، فهم يساوون بين المعتدي والمعتدى عليه، بين الغازي والمُغزي..
وأما من جهتنا فيحصل العكس تماماً، أو قل يحصل نفس الشيء! فنحن أيضاً لا نعترف بأن عندنا مشكلة. يصعب علينا أن نقول بأن التيار المتزمّت السائد حالياً يسبب الكثير من الخوف والضرر للآخرين. بل انه يسبب الضرر لنا نحن. ولكن من يستشعر بضرورة غربلة الموروث الديني وتمحيصه وفرز الصالح عن الطالح منه؟ لا ريب في انهم موجودون، ولكنهم قليلون. وعندما نصل إلى منطقة الحقائق الكبرى الساخنة يتراجع الكثيرون وينكصون على أعقابهم صاغرين.. وبالتالي فكيف يمكن ان نحل المشكلة اذا لم نذهب إلى أعماقها وجذورها؟ كيف يمكن ان نتوصل إلى نتيجة اذا كنا نرفض المصارحة الذاتية ورؤية الحقيقة وجهاً لوجه؟ عندما يفتخر بن لادن بضربة (11) سبتمبر وبالأشخاص الذين نفذوها ويعتبرهم أبطالاً أو شهداء هل يحتج الكثيرون عندنا على ذلك؟ ام انهم يحتجون من رؤوس الشفاه فقط؟ هنا ايضاً توجد مشكلة، بل وأكثر عسراً واستعصاء. هنا يوجد انعدام كامل للقيم الأخلاقية والحضارية والإنسانية.
ولذلك أقول بأن (11) سبتمبر لم ينته فصولاً بعد ولن ينتهي قبل عشرات السنين. فمن الواضح ان العالم الإسلامي غير مهيأ في الوقت الراهن لمواجهة نفسه ويقينيَّاته الكبرى التي عاش عليها طيلة مئات السنين ولا يزال.. وهذا ما أقصده بـ"الانسداد التاريخي": عنوان كتابي الصادر مؤخراً عن دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب. هناك انسداد تاريخي في العالم العربي والإسلامي، انسداد يؤدي إلى الاحتقان، والاحتقان يؤدي إلى الانفجار. وهذا ما هو حاصل حالياً في العراق وأفغانستان وباكستان، وما قد يحصل في لبنان الذي يقف على حافة الانفجار. بل انه قد يحصل في كل مكان عندما تفلت الأمور من عقالها. وبالتالي فالحبل على الجرار.. كل الفئات تتهم بعضها بعضا بأنها سبب المشكلة. ولكن لا أحد يعترف بأنه قد يتحمل هو أيضاً نصيبه من هذه المشكلة. كل واحد يتهم الآخر بأنه عنصري أو طائفي أو مذهبي دون ان يدرك ان الطائفية هي بنية تاريخية ضخمة تشمل الجميع بجبروتها ومشروعيتها القدسية التي لم يتجرأ أي مثقف عربي حتى الآن على تفكيكها جذرياً.
وفي غياب أي مشروع عربي عقلاني ذي مصداقية يجيء المشروع الأميركي الإسرائيلي لكي يحتل الساحة لأن الساحة لا تحتمل الفراغ كما يقول لنا علم الفيزياء.
فبعد سقوط جمال عبد الناصر والمشروع القومي العربي جاءنا المشروع الأصولي لكي يحتل الساحة ويجيش الجماهير بالملايين ويحل محله. ولكن اكتشفنا بعد ثلاثين سنة من سيطرته انه عاجز عن حل أي مشكلة لأنه مشروع ماضوي لا مستقبلي.. انه مشروع استلابي بكل ما للكلمة من معنى.. انه يزيد المشاكل تعقيداً وعودة إلى الوراء.
وعندما تسمع قادة الأصوليين يدعون الغرب إلى اعتناق الإسلام تكاد تتخيل انك في عالم آخر لا علاقة له بهذا العالم أو أمام اشخاص مستلبين عقلياً بالخالص. لكأن الغرب الذي خرج من دينه المسيحي سوف يعود لكي يدخل في دين آخر! ما الحل اذن؟ الحل هو مشروع مختلف، لا هذا ولا ذاك، مشروع قادر على تحقيق المصالحة التاريخية بين العقل والنقل، بين الإسلام والحداثة. وقد استغرقت هذه العملية في أوروبا مائتي سنة. وبالتالي فقد تستغرق منا مائة سنة: أي القرن الواحد والعشرين كله، هذا القرن الذي دشنه (11) سبتمبر.