رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(39)-

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,673

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(39)-

إعتقَلَ الوطن شجرة سجّلها في موسوعة ذكريات محتجزة في متحف - يقال إنّه وطني- وغاص مع تاريخه الأخضر في غياهب غاباته العارية.

من حبّات التراب المنقولة بأحذية المقيمين والمغتربين، قرّر شهيد الأحقاد البدء بعمليّة تشجير جديدة للقلوب التي اقتُلِعَت منها نبتات المحبّة وأشجار العائلات.

انفلشت الذكريات لتحطّ كالمدّ على شواطئ هجرها بناة القصور الرمليّة، ولم يبقَ  في مواجهة أمواج التواصل التي تضربها إلاّ الأصداف الفارغة.

مثل حبّات رملٍ تتهرّب من قضاء عمرها على شاطئ تتلاطم عليه الأمواج تساقط وجودهم من زمنٍ تزيّن بحضورهم. من حقّ حبّات الرّمل أن تتهرّب، فلا هي تنتمي إلى المياه ولا هي تحلم بالانتماء إلى الشاطئ، كلاهما يتلاعب بها في فرح عشوائي يشبه فرحة طفل تسلّم هديّة لا يعرف ما بداخلها.

تساقطوا، الواحد تلوَ الآخر، عن أغصان شجرة أثقلتها الغربة والفرقة، فتعرّت من أوراقها ووقفت في مهبّ رياح الأيّام شاهدة على حبّ كان، واتحاد صار في خبر كان.

هاجر الأحباب من زوايا القلوب بعدما هجروا إخراج قيد كأنّه الوحيد الذي جمعهم. لم يهتموا لخياراتهم المشوبة بألف علامة استفهام، محوا من ذاكرتهم ماضياً من صنعهم، تركوا أوراق الرسم والقماش وأقلام التلوين في عهدة أصابع لم تعزف لحن المحبّة يوماً، وغادروا إلى قسوة الآتي من الأيام بدون أسف.

في المتحف الوطني- العائلي، شجرة عائلة تساقط أبناؤها عن أغصانها التي تشلّعت وامتدّت إلى دنيا الاغتراب لتعود منها أرضاً جرداء لا تصلح للزرع ولا تُنبت إلاّ الأشواك.

ما عادت قلوبهم تتّسع لحبّ يشبه حبّ الوطن، ووجوههم لم تحتفظ بسمرة بيادرهم، ولا أيديهم تغذّت بحصادها. عادوا من غربتهم بقلوب باردة كالغربة، وبشرة لا تعرف الشّمس إلاّ في مواسم الاصطياف، وأيديهم لم تعد تتقن احتضان باقة صعتر بريّ.

بيوت الوطن الصغيرة شرّعت أبوابها لاستقبالهم فتغاضوا عن رؤية قلوبها المشرّعة لرياح الحبّ، صمّوا آذانهم عن سماع زغاريد الفرح، واستطردوا يسردون روايات مملّة عن قصور تضاهي ببرودتها برودة غربتهم.

فجأة قرّر الوطن الاستقالة منهم، اعتنق مصيره المضمون أكثر بمن لم يهجره، كسر الأطباق التي تشاركوا الطعام فيها على مائدة واحدة، رمى الملاعق في صندوق أثريّ واحتفظ بالسكاكين ليدافع بها، هكذا قيل، عمّن لم يهجره.

تضاربت صوَر المشاعر المتناقضة والأحاسيس الجارحة ولم أنجح في فهمها ولا عثرت على المفتاح لفكّ رموزها.

لذا قرّرتُ الاستعانة بك، فلطالما كنت صغيرتك الساكنة في ظلّ رموش حمايتك المسنونة كالحراب.

طرحت أحزاني على طاولة البحث، جمعتها في رسالة، وأسلمتها لفجرٍ أودَعَها بريداً هو يعرف، وأنا أعرف، أنه... لن يصل.

رسائـلُ حُـبّ في بريد لن يصل-(39)-